أزمة التحوير الوزاري شجرة أخفوا خلفها غابة الأزمات
أزمة التحوير الوزاري شجرة أخفوا خلفها غابة الأزمات

أزمة التحوير الوزاري شجرة أخفوا خلفها غابة الأزمات

ما كانت القوى الاستعمارية أن تنهي احتلالها المباشر لبلاد المسلمين لو لم تكن متأكدة من استمرار هيمنتها وبسط نفوذها فكريا وسياسيا واقتصاديا, بدون تكلفة وبأيسر السبل, بعد أن تركت خلفها أذيالا  تملكوا أمور المسلمين وأوكلت لهم مهمة التنكيل بهم بطرق مختلفة بالبطش تارة وبالكذب والتدجيل تارة أخرى. وكانت كل الطرق تؤدي إلى ملء خزائن تلك القوى والعيش في ظلمة نظامها الديمقراطي الذي أذاق المسلمين الويلات, أذيال القوى الاستعمارية شرذمة انتحلت صفة رجال الدولة لا تفقه من السياسة غير تنفيذ أوامر المسؤول الكبير ولا تملك من الإرادة غير رعاية مصالحه, ولا همّ لها غير نيل رضاه  والفوز بعطاياه, وأهم هذه العطايا هي المسك بدواليب الحكم بالوكالة عنه طبعا وتسيير شؤون البلاد، وبما أن النظام الديمقراطي الوضعي لا يصلح أن يرعى شؤون الناس والقائمين عليه هم أعجز على إدارة مجرد حظيرة صغيرة، اخترعوا حيلا وخدعا عدة تمكن نظامهم الوضعي من البقاء جاثما على صدورنا وكاتما لأنفاسنا، ومن أبرز حيلهم وخدعهم الانتخابات التي توهم الناس بأن ما تأتي به صناديقها كفيل بتغيير أوضاعهم المتردية,  فالفقر لا يقطع دابره إلا الإقبال بكثافة مكاتب الاقتراع, والرعاية الصحية عالية الجودة لا سبيل للوصول إليها إلا عبر الأوراق المحشورة في صناديق الاقتراع والبطالة لا تختفي من الوجود إلا بعد أن يغمس الملايين أصابع في ذلك الحبر الردء ولا تفوق الا ردأة النظام الديمقراطي الوضعي. بمجرد الانتهاء من الاقتراع وصدور النتائج تشكل على ضوئها حكومة  يتم منحها مهلة مدتها مائة يوم ينعم خلالها أعضاءها بالراحة والاستجمام, لا يطالهم النقد مهما حصل من كوارث. ففي العرف الديمقراطي لا يجوز التقييم إلا بعد مائة يوم. تنتهي المهلة ولا شيء يتغير بل كل ما هو سيء ازداد, ولا يمكن اللجوء إلى مسكن الانتخابات إلا بعد سنوات, فما هو الحل ؟ الحل في استعمال خدعة بديلة وهي الدعوة إلى حوار، حوار حول ماذا؟ انه حوار لمجرد الحوار.

تتم العملية بنجاح وتقع تلهية الرأي العام وصرف أنظارهم عن مشاكلهم وأزماتهم فالجميع منشغل بالحديث عن الحوار والتنبؤ بمخرجاته ومقلاته.

لم تعد حيلة الحوارات تنطلي على احد, فكان الحل في إجراء تحويرات على تركيبة الحكومة, نعم فالتحوير يبعد الوزراء الفاشلين ويأتي بآخرين لا يكونون أمثالهم, تمضي مدة طويلة كانت أم قصيرة على إجراء التحوير ولم يتغير شيء فالأوضاع ساءت أكثر وفاقت سوؤها الأول بأضعاف مضاعفة. ما العمل إذن؟  فالحيل والخدع التقليدية نفدت أو تكاد الحل والخوف كل الخوف ألا يجد هؤلاء الرويبضات ما يلهون به الناس ويشغلونهم عن واقعهم المرير، فالأزمات بحجم الجبال وجميع أحمرة الدولة وقفت أمام العقبة ولم تعد قادرة على مجرد التحرك وعلى سبيل المثال لا الحصر الديون الخارجية تضاعفت خمس مرات عن سنة 2010 وحسب دائرة المحاسبات تونس مطالبة بسداد ديون 123 قرضا خارجيا  في سنة 2021 هذا وكشفت نفس الدائرة أن تونس مطالبة بتسديد ألف مليون دولار سنويا انطلاقا من سنة 2020إلى غاية 2025, يحصل هذا والميزانية تشهد عجزا غير مسبوق أما البطالة فهي في ارتفاع مطرد وقد شارفت على نسبة 18 بالمائة هذا دون الحديث عن باقي الأزمات التي لا حصر لها.

وأمام هذا الوضع الخانق كان لابد من خلق أزمة وهمية تغطي عن باقي الأزمات وفعلا تفتقت قريحة الجالسين في برج السلطة وأخرجت للناس أزمة حازت اهتمامهم وباتت شغلهم الشاغل وهي أزمة التحوير الوزاري, فالتحوير العادي لم يعد يجدي نفعا ولهذا خلق “قيس سعيد” هذه الأزمة بتعلة أن هناك  وزراء عينهم “هشام المشيشي” تتعلق بهم شبهات فساد, وطالب باستبدالهم بآخرين من “ذوي الأيادي النظيفة”. ولخلق أزمة رفض رئيس الحكومة “ّهشام المششي مقترح رئيس الدولة وعرض حكومته المحورة على البرلمان ونال ثقة أعضائه في حركة يقول أنها بدعة ومخالفة للدستور فرد رئيس الدولة على هذا التعنت بتعنت أشد وأقسم بكل الأيمان بأن لن يؤدي الوزراء الجدد اليمين بين يديه حتى ينصاع رئيس الحكومة لطلبه, وهنا أصبح الحديث مقتصرا على هذه الأزمة المفتعلة وبدأ العويل والنحيب على ضياع البلاد والعباد جراء عدم شروع الحكومة المحورة في أداء مهامها وخدمة الناس, هذا من جانب المؤيدين  لرئيس الحكومة.

أما أنصار ” قيس سعيد” فقد رفعوا راية النصر, كيف لا ورئيسهم أعلن الحرب على الفساد والمفسدين وأعلنها مدوية أن لا مكان في عهده للفاسدين, وهذا دواليك سجال وصرا ع محموم يوحي بأن هناك أزمة مميتة يجب التفرغ لحلها أمام حجم الديون المرعب والوضع الاقتصادي المفزع, ويد المستعمر العابثة في بلادنا طولا وعرضا, هذا مؤجل النظر فيه ولا يعد في عرف الرويبضات أزمة فالأزمة العظمى لديهم هي أن ينكشف أمر النظام الديمقراطي ويسقط, ولكي لا يحدث هذا تراهم يختلقون أزمة وهمية تلوى أخرى علها تحجب عن الأبصار والبصائر الأزمات الفعلية والذين هم جزئها الأكبر.

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس من عزّ الخلافة إلى ذلّ الوطنيّة والنّظام الجمهوري
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجيوش الفرنسيّة قد احتلّت تونس سنة 1881 بوصفها إيالة عثمانيّة أي ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلاميّة ،وقد ظلّت طيلة فترة ال...
مقاطعة الإعلام لحزب التحرير.. من أعطى الأمر ولماذا؟
منذ أن قالها الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي في مجلس أمنه ساخطًا متسائلاً محرضا على حزب التحرير: "ماذا نفعل في مواجهة حزب التحرير؟ هل من...
تسألون عن الحل! الحل معلوم غير مجهول، مسطور في كتاب الله وسنّة رسوله فماذا تنتظرون؟
تحوّل الأمر في تونس من العبث إلى التهريج، بل الهرج والتهارج، طبقة سياسيّة تحت خطّ العقل، لا تحسن إلا الانبطاح للأوروبيين، وفي سبيل ذلك يتخاصمون و...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
القوّة الناريّة للأمّة الإسلاميّة: بئر معطّلة وقصر مشيد
القوّة الناريّة للأمّة الإسلاميّة: بئر معطّلة وقصر مشيد

الخبر: أعدّت قناة روسيا اليوم تقريرا حول تصنيف مؤشر القوة النارية العالمية لعام 2021 أبرزت فيه القدرات القتالية لأقوى عشر...

Close