قرر مجلس إدارة البنك المركزي، يوم الثلاثاء 19 فيفري 2019، ترفيع نسبة الفائدة المديرية من 6,75% إلى نسبة 7,75% وأوضح البنك المركزي في بيان أصدره، أنّ الترفيع هو إجراء للحدّ من التضخّم وتداعياته على المقدرة الشرائيّة ومحاولة احتواء العجز التجاري وتداعياته على مستوى الموجودات من العملة وعلى سوق الصرف المحلية… كما أصدر البنك المركزي مذكّرة تقنية يوم 20 فيفري 2019 حول السياسة النقديّة أورد فيها مؤشّرات ومعطيات مقتضبة تبيّن أسباب ارتفاع مؤشّر التضخّم وخطورته على الاقتصاد والأسباب الموجبة لقرار رفع نسبة الفائدة المديرية وتبعات عدم تفعيل هذا القرار.

يهدف البنك المركزي من خلال هذا الترفيع إلى أمرين هما مزيد التحكّم في سعر الصرف وثانيا التحكم في مؤشّر التضخّم وذلك من خلال الدفع نحو:

تقليص الإقبال على التداين ممّا يقلّص الاستهلاك بشكل عام واستهلاك الموارد المستوردة بشكل خاص، فمثلا يقلّص نسبة اقتناء السيارات والآلات المنزليّة والقروض من أجل السياحة وكذلك المساكن… وبناء على قاعدة العرض والطلب سيتسبب في تخفيض الأسعار وبالتالي الحدّ من التضخّم وكذلك تحفيض العجز في الميزان التجاري، علما وأنّ نسبة التداين الموجه للاستهلاك بلغ 22,5 مليار دينار في أواخر ديسمبر 2017 مقارنة ب 10,7 مليار دينار في 2010 أي سجلت ارتفاعا بنسبة 110% حسب تقرير المعهد الوطني للاستهلاك. (49,7% قروض سكن، 50,3% سيارات وقروض استهلاك قصيرة)

ارتفاع نسبة اقتطاع أقساط الديون بالنسبة للمتداينين مما يتسبب في خفض قدرتهم على الاستهلاك مما يتسبب كذلك في انخفاض الأسعار بناء على قاعدة العرض والطلب كما يتسبب في تخفيض الاقبال على بعض المواد الغذائيّة المستوردة كالموز أو الملابس والعطور ومواد التجميل المستوردة. علما وأنّ 800 ألف عائلة مدانة في تونس مقارنة بالنصف في 2010.

وقد أفاد محافظ البنك المركزي مروان العباسي بأن البنك قد انفرد بالقرار دون الرجوع إلى الحكومة مشدّدا على استقلالية البنك المركزي في اتخاذ مثل هذه القرارات، بصفة البنك صار مؤسسة مستقلة تنفيذا لإجراء طلبه صندوق النقد الدولي.

في الحقيقة إنّ قرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية هو مسألة تقنية معمول بها في كل دول العالم، ومرتبط ارتباطا حتميا بالتضخّم وقيمة سعر صرف العملة، فعلى سبيل المثال، قام البنك الفدرالي الأمريكي بترفيع نسبة الفائدة في أربع مناسبات في 2018 آخرها كان في أول ديسمبر 2018 بنسبة0.25% لتبلغ 2,5% وذلك من أجل التخفيض في نسبة التضخّم إلى المستوى المأمول (2% في تلك السنة، فلما انخفض مؤشر التضخم إلى 2,22% اضطرّ البنك الفدرالي إلى زيادة ال0.25% في ديسمبر لتحقيق غايته) كما أنّ الزيادة في نسبة الفائدة تتسبب في اقبال المستثمرين لاستثمار في سندات الخزينة الأمريكية فتساهم في رفع قيمة الدولار. فهي فعلا مسألة تقنية رأسمالية تقوم بها البنوك المركزية للتحكم في سعر الصرف والتضخم والسيولة..

إذا من يجب أن يلام على هذه الزيادة في الفائدة التي ستكون ذات انعكاسات سلبية على فئة كبيرة من الناس في تونس؟

أوّلا الاقتصاد الرأسمالي الذّي لا يحرّم الربا بل يجعله الإيقاع الضابط للاقتصاد.

ثانيا كذلك الاقتصاد الرأسمالي الذّي لا يعنى في حقيقة الأمر إلاّ بالمال ولا تؤخذ بعين الاعتبار حاجات الانسان أو وضعية أفراد المجتمع الاقتصاديّة، فكلّ ما يهم الاقتصادي الرأسمالي هو ضبط المؤشرات الاقتصاديّة (ومنها التضخم ونسبة الفائدة والنمو..) بغضّ النظر عما يمكن أن تتسبب فيه من حدّ من القدرة الشرائية أو غلاء المعيشة أو غياب التوزيع العادل للثروة وغير ذلك من الأمور…

ثالثا السلطة فهي لا تملك إستراتيجية اقتصاديّة للخروج من المديونيّة وللحدّ من العجز في الميزان التجاري وانحدار سعر صرف الدينار ولا تمتلك رؤية واضحة لكيفية الحدّ من الإنفاق المفرط وغير المسؤول لموارد الدولة، ولا تمتلك الجرأة للوقوف أما المستعمر لتستردّ الثروة مثلا..

سلمان الغرايري


x

Related Posts

البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
أضواء على أجهزة دولة الخلافة: المعاونون (وزراء التّنفيذ)
كنّا أحطنا في الحلقة الفارطة من هذه السّلسلة بالجهاز الثّاني من أجهزة دولة الخلافة ألا وهو جهاز معاون التّفويض (وزير التّفويض)، أمّا في هذه الحلق...
جريدة التحرير