قرّاء جريدة التّحرير الأفاضل: ننطلق معكم في تفصيل أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة ـ جهازا جهازا ـ مبتدئين برأس تلك الأجهزة وعمادها ألا وهو جهاز الخليفة..إنّ الخليفة أو الإمام أو أمير المؤمنين هو نائب عن الأمّة في الحكم والسّلطان وفي تنفيذ أحكام الشّرع: فالإسلام قد جعل الحكم والسّلطان للأمّة وأمرها بتنفيذ أحكام الشّرع جميعها، وبما أنّ هذه المهمّة ليست مشغلا جماعيّا فقد أوجب عليها أن تنيب من يضطلع بها نيابة عنها وذلك عن طريق البيعة، فبيعتها له تجعله نائبا عنها وتنقل سلطانها إليه وتجعل الحكم متمركزا فيه وتوجب عليها طاعته. ووحدة الخلافة والخليفة مسألة مركزيّة في نظام الحكم في الإسلام: فكما يجب أن يكون المسلمون جميعا في دولة واحدة (وإنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون) فكذلك يجب أن يكون لهم خليفة واحد، فيحرم شرعا أن يكون للمسلمين في العالم أكثر من دولة واحدة وأكثر من خليفة واحد والأدلّة على ذلك كثيرة منها قوله صلّى الله عليه وسلّم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما): أي أنّ الخليفة الشرعيّ هو الذي بويع بيعة صحيحة أوّلا، فإذا بويع شخص ثان بعده فبيعته باطلة ولا طاعة له ويجب أن يقتل إن لم يعلن تخلّيه عن الخلافة، والقتل قرينة على وجوب وحدة الدّولة ووحدة الإمام وعلى حرمة تجزئة الدّولة وتعدّد الخلفاء..وحين أوجب الإسلام على الأمّة نصب خليفة واحد لينوبها في الحكم والسّلطان وتنفيذ أحكام الشّرع أحاط بالمسألة من جميع جوانبها واستغرقها بالأدلّة الشرعيّة المفصّلة: فقد بيّن الإسلام للأمّة الشّروط التي يجب أن تتوفّر في الشّخص حتّى يكون أهلا للخلافة وحدّد لها صلاحيّات الخليفة وطريقة نصبه والإجراءات العمليّة لتنصيبه ومدّة رئاسته وحالات عزله أو انعزاله والمدّة التي يمهل فيها المسلمون لإقامته..فهي كلّها مسائل اجتهاديّة موكولة للشّرع لا للعقل، وسنتولّى تفصيل ذلك فيما يلي..

شروط الخليفة

لا يلي أمر المسلمين إلاّ من تتوفّر فيه سبعة شروط منصوص عليها شرعا تسمّى (شروط الانعقاد) أي تنعقد بها الخلافة وتصحّ، فإذا نقص شرط منها لم تنعقد وتصبح باطلة..أوّلا: أن يكون مسلما، فلا تصحّ الخلافة لكافر مطلقا ولا تجب طاعته لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)..ثانيا: أن يكون ذكرا، فلا يجوز أن يكون الخليفة أنثى بل يجب أن يكون رجلا لقوله صلّى الله عليه وسلّم عندما سمع بأنّ الفرس ملّكوا عليهم بنت كسرى (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)، فالحكم في الإسلام مقصور على الرّجال دون النّساء بخلاف المناصب الإداريّة فإنّه يجوز للمرأة أن تتولاّها..ثالثا: أن يكون بالغا، فلا يجوز للخليفة أن يكون صبيّا لقوله ـ ص ـ (رُفِع القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتّى يبلغ..)، فالصبيّ غير مكلّف شرعا ولا يمكن له أن يتصرّف في أمره فما بالك بأمر المسلمين، فلا يصحّ أن يضطلع بأيّ منصب من مناصب الحكم..رابعا: أن يكون عاقلا، فلا يصحّ أن يكون مجنونا لقوله ـ ص ـ (رُفِع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله حتّى يفيق..)، فالعقل مناط التّكليف وشرط لصحّة التصرّفات، وفاقد العقل لا يحسن التصرّف في أمر نفسه فضلا عن أن يحكم وينفّذ التكاليف الشرعيّة..خامسا: أن يكون عدلا فلا يصحّ أن يكون فاسقا، فالعدالة شرط لازم لانعقاد الخلافة ولاستمرارها لأنّ الله تعالى اشترط في الشّاهد أن يكون عدلا (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، فإذا اشترطت العدالة للشّاهد فشرطها في الخليفة ـ وهو أعظم ـ أولى وأوكد..سادسا: أن يكون حرّا، لأنّ العبد مملوك لسيّده وليس له موقف أو رأي خاصّ مخالف لموقف أو رأي سيّده فلا يملك التصرّف بنفسه، ومن باب أولى أن لا يملك الولاية على النّاس والتصرّف بغيره..سابعا: أن يكون قادرا من أهل الكفاية على القيام بأعباء الخلافة، أي خاليا ممّا يعيقه عن الإيفاء بمقتضيات بيعته من صنوف العجز والإعاقة (العمى ـ الشّلل ـ الصّمم ـ البكم..) التي تحول دون رعايته لشؤون المسلمين بالكتاب والسنّة..هذه هي وحدها شروط الانعقاد لأنّ أدلّتها تضمّنت قرائن تفيد الوجوب، وما عداها ممّا صحّ فيه الدّليل غير الجازم فهو شرط أفضليّة فقط (قرشيّ ـ مجتهد ـ يحسن استعمال السّلاح..) ويمكن اعتمادها لترجيح كفّة مترشّح على آخر..

طريقة نصب الخليفة

وكما أوجب الشّرع على الأمّة نصب خليفة واحد، فقد حدّد لها الطّريقة أي الكيفيّة الدائميّة التي يجري بها ذلك التّنصيب وهي البيعة: فيجري نصب الخليفة ببيعة المسلمين له على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله، والمقصود بالمسلمين الرّعايا المسلمون إن كانت الخلافة قائمة أو مسلمو القطر الذي تقام الخلافة فيه إن لم تكن قائمة..وهذه الطّريقة ثابتة بالكتاب والسنّة وإجماع الصّحابة، قال تعالى (إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)، وقال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم (..ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع..)..هذا فضلا عن كونها ثابتة بطريقة عمليّة أثناء بيعة المسلمين للرّسول ـ ص ـ كما جاء في حديث عبادة ابن الصّامت (بايعنا رسول الله ـ ص ـ على السّمع والطّاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحقّ حيثما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم)..فالنّصوص صريحة في الكتاب والسنّة بأنّ طريقة نصب الخليفة هي البيعة، وقد فهم ذلك جميع الصّحابة وساروا عليه فكان إجماعا منهم، وبيعة الخلفاء الرّاشدين واضحة في ذلك..أمّا كيفيّتها، فالأصل في البيعة أن تكون مباشرة عن طريق المصافحة بالأيدي (فأعطاه صفقة يده ـ يد الله فوق أيديهم)، كما يصحّ أن تكون بشكل غير مباشر عن طريق الكتابة العاديّة أو الرّسائل القصيرة أو بأيّة وسيلة أخرى..إلاّ أنّه يُشترط في البيعة أن تصدر من البالغ فلا تصحّ من الصّبيان، فقد امتنع الرّسول ـ ص ـ عن مبايعة طفل صغير واكتفى بالمسح على رأسه والدّعاء له وقال (هو صغير)..والبيعة غير مقيّدة بألفاظ معيّنة لكن لا بدّ أن تشتمل صيغتها على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله بالنّسبة للخليفة وعلى الطّاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره بالنّسبة لمن يعطي البيعة..ومتى أُعطِيت البيعة للخليفة أصبحت أمانة في عنق المبايِع لا يحلّ له الرّجوع عنها لقوله ـ ص ـ (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له)..

كيف يقع تنصيب الخليفة..؟؟

سنتّخذ من بيعة عثمان رضي الله عنه مناطًا شرعيًّا للبحث لأنّها أكثر الأشكال التي أجمع عليها الصّحابة تبلوُرًا وثراءً بالتّفاصيل والجزئيّات، فهي نموذج متكامل حريّ أن يُحتذى به: وقبل أن نتولّى استنطاقها وتحديد الإجراءات العمليّة لتعيين الخليفة ثمّ تنصيبه وبيعته نقف على أمرين أساسيّين يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار: الأمر الأول أنّه إذا حصل شغور في منصب الخلافة يجب شرعًا نصب خليفة جديد خلال ثلاثة أيّام بلياليها من تاريخ خلوّ منصب الخلافة تبدأ حال حصول الشّغور وتنتهي فجر اليوم الرّابع من حُصوله..فنصب الخليفة فرض منذ اللّحظة التي يحصل فيها الشّغور، فقد باشر الصّحابة ذلك في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة الرّسول وقبل دفنه صلّى الله عليه وسلّم، ولكن يجوز تأخير النّصب مع التلبّس والاشتغال به مدّة ثلاثة أيام بلياليها لأنّ عمر رضي الله عنه حدّد لأهل الشّورى تِلك المهلة لاختيار خليفة يُقتل المخالف بعدها ولم ينكر عليه الصّحابة ذلك.

أمّا الأمر الثّاني فإنّه بعد شغور منصب الخلافة يجب أن يُعيّن أميرٌ مؤقّت لتولّي أمر المسلمين والقيام بإجراءات تنصيب الخليفة الجديد، ويجوز تعيينه حتّى قبل حصول الشّغور كما صنع عمر عندما طُعن وأحسّ بدُنوّ أجله فإنّه عيّن صُهيبًا أميرًا مؤقّتًا على أن يباشر عمله بعد وفاة الخليفة، وليس له أن يترشّح للخلافة أو يُسند المرشّحين لها لأنّ عمر عيّنه من غير من رشّحهم للخلافة..وبناءً عليه يجوز للخليفة أن يتبنّى مادّةً خلال حياته تنصّ على تعيين شخص ما أميرا مؤقّتًا..أمّا إذا حصل الشّغور على حين غرّة أو بعزل الخليفة فقد تبنّى حزب التّحرير أن يكون الأمير المؤقّت أكبر المعاونين سنًّا إلاّ إذا ترشّح فيكون التّالي له سنّا من المعاونين وهكذا، ثمّ يتلوهم وزراء التّنفيذ بالكيفيّة السّابقة، فإذا أرادوا الترشّح كلّهم فيُلْزَمُ الأصغر من وزراء التّنفيذ بالإمارة المؤقّتة..

الإجراءات العمليّة لتنصيب الخليفة

على ضوء بيعة عثمان رضي الله عنه يمكن لنا أن نتبيّن الإجراءات العمليّة لتنصيب الخليفة وبيعته في الدّولة الإسلاميّة موزّعةً على الأيام الثّلاث المكوّنة للمهلة الشّرعيّة: ففي اليوم الأوّل تعلن محكمة المظالم شغور منصب الخلافة ويقع تعيين الأمير المؤقّت إن لم يكن معيّنًا أو يتولّى مهامّه إن كان معيّنًا سلفًا فيعلن فتح باب الترشّح فورًا. ويمكن لباب الترشّحات أن يُفتح حتّى قبل حصول الشّغور كما حصل مع أبي بكر وعمر اللّذين رشّحا للمسلمين في حياتهما.. ثمّ يتمّ حصر المرشّحين أي قبول مطالب الترشّح المستوفية لشروط الانعقاد واستبعاد الأخرى غير المستوفية للشّروط وذلك بقرار من محكمة المظالم.. في اليوم الثّاني يقع حصر المرشّحين المؤهّلين مرّتين: الأولى بستّة والثّانية باثنين وذلك بأغلبيّة الأصوات وبمقتضى شروط الأفضليّة ويقوم بهذه العمليّة مجلس الأمّة باعتباره ممثّلاً للأمّة لأنّ الأمّة فوّضت عمر فجعلها في ستّة، والستّة فوّضوا من بينهم عبد الرّحمان فجعلها بعد النّقاش في اثنين..ثمّ يُعلن المرشّحان للنّاس ويُعرضان على الأمّة تختار منهما من تشاء عبر الانتخاب العامّ الحرّ المباشر..أمّا في اليوم الثّالث فتتواصل العمليّة الانتخابيّة إلى حدود صلاة الظّهر وتُعلن النّتيجة ومن نال أكثر أصوات المنتخبين يُبايع من طرف أهل الحلّ والعقد بيعة انعقاد على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله، ثمّ يُعرض بعد ذلك على الأمة لتبايعه بيعة الطّاعة.. وبعد تمام بيعته يُعلن الخليفة الجديد للملأ حتّى يبلغ خبر نصبه الأمّة كافّةً مع التّعريف به وبالصّفات التي جعلته أهلاً لانعقاد الخلافة له وتنتهي صلاحيات الأمير المؤقّت فجر اليوم الرّابع بانتهاء إجراءات البيعة وتنصيب الخليفة. بهذه الكيفيّة السّلسة يُسدّ الشّغور في منصب الخلافة في ظلّ الدّولة الإسلاميّة..

أ, بسّام فرحات


x

Related Posts

مغالطات سياسيّة يصرّح بها الرئيس إثر مقاطعة الناس لمهزلة الانتخابات التشريعيّة
أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الدورة الثانية للانتخابات النيابية التي جرت الأحد 29 كاون الثاني/يناير 2023 بلغت 1...
البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
جريدة التحرير