أنفاس الثورة تتجدّد... ثورة أمة من "سيدي بوزيد" الأبية

أنفاس الثورة تتجدّد… ثورة أمة من “سيدي بوزيد” الأبية

تسع سنوات مضت على ثورة “سيدي بوزيد” الأبية ضد الظلم والقهر والاستبداد والتفقير والتحقير، لم يكن أحد يدرك حينها أن الطاغية “بن علي” سيفرّ هاربا خارج البلاد، ولم يكن أحد يتصور أن تلك الحركة العفوية ستكون منطلقا لثورة أمة أطاحت بطغاة وخلخلت عروش آخرين وأربكت الكفار المستعمرين, وضيقت خياراتهم وأجبرتهم على التظاهر بأنهم مع الثورة والثائرين ولو إلى حين.

لم تكن تلك الحركة أمرا عابرا ولا عبثيا، فلا زالت تشغل مراكز البحث ودوائر المكر الغربية.

لقد كانت بحق تمردا حقيقيا على القوى الغربية وأذرعها الاستعمارية، وكانت بحق فرصة تاريخية للتحرر الشامل من الاستعمار وأدواته المحلية، لذلك جوبهت بالقوة حينا وبالمكر والتضليل أحيانا أخرى.

إقصاء الإسلام من الحياة السياسية

إن الخطر الضخم الذي أرّق الغرب وجعلهم يصلون ليلهم بنهارهم، هو أن تنجرف المنطقة نحو التغيير الجذري على أساس الإسلام وأن يتحول شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى شعار “الشعب يريد تطبيق الإسلام”، لذلك سعى منذ البداية إلى تجريد المسلمين من سلاحهم ومبعث عزهم وسبيل خلاصهم، فاستبعد الإسلام عن الحكم وجعل دستور التأسيسي الذي أشرف عليه اليهودي الأمريكي “نوح فيلدمان” أساسا لدولة مدنية ديمقراطية تفصل الدين عن الحياة.

المهم بالنسبة للغرب أن تكون تونس (التي تمثل شرارة الثورة) نموذجا لغيرها في التغيير على أساس المشروع الغربي الديمقراطي، لذلك دعم الغرب “دستور التأسيسي” وأشرف بنفسه على العمليات الانتخابية من خلال سفرائه وبعثاته الدبلوماسية ومؤسساته المالية، ولم يخفي غايته من ذلك، حيث زار وفد من الكونغرس الأمريكي تونس أثناء الانتخابات الأخيرة واعتبر تونس نموذجا في المنطقة في مجالي الانتقال الديمقراطي ومحاربة الإرهاب، كما صرح سفير الاتحاد الأوروبي بتونس “باتريس برغاميني” لإذاعة “اكسبرس اف ام” مؤخرا  أن الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية العالمية يعملون على إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية حتى تكون نموذجا في المنطقة.

وهو ما يؤكد أن اللعبة الديمقراطية الخبيثة تشرف عليها الدوائر الغربية مكرا وتضليلا لتركيز المشروع السياسي الغربي وإقصاء الإسلام عن الحياة السياسية، حتى تكون تونس نموذجا للشعوب العربية في التغيير المعلّب وفق الصناعة الغربية.

وسط سياسي عميل

لقد استطاع الغرب إنتاج نفس الأنظمة بعد تطعيمها بوجوه جديدة، مستفيدا من وسط سياسي مضبوع بحضارته، ومن إعلام مأجور، انخرط في الثورة المضادة، حيث يتصدر المشهد الإعلامي اليوم من كان ينفذ أجندات النظام القديم ويدافع عنه بشراسة؟

قلّة قليلة من أبناء الأمة تسير مع الغرب وتنفذ مخططاته حتى لا تخرج البلاد عن سيطرته، جزء منهم يعلم أنه متآمر وجزء آخر دخل حلقة التآمر وهو يظن أنه يؤدي وظيفة، فالنفوذ الغربي بالنسبة له قدر لا سبيل إلى الانفكاك منه، ولا ضير أن تبقى بلاده في طابور الدول الخاضعة لسطوة الغرب، ما دام هو في الحكم، إذ يعد ذلك بالنسبة له انتصارا.

فشل المنظومة الغربية وإجماع على ضرورة التغيير

إن نظرة إلى ما آلت إليه الثورة في تونس بعد 9 سنوات من انطلاقها تؤكد أن التغيير على أساس المشروع الديمقراطي الغربي يعيد البلاد بعد الثورة إلى ما كانت عليه قبلها، بل إن تفشي البطالة والمحسوبية واستشراء الفساد ونهب الثروات وتدهور المقدرة الشرائية أصبحت أقسى مما كانت عليه قبل الثورة، وهو ما شكل فرصة لدى الناس ليدركوا أن المشكلة تكمن في المنظومة، أي في الدستور والقوانين الوضعية وليست في أشخاص الحكم.

من أجل ذلك قاطع نصف الناخبين أو أكثر الانتخابات، وانتخب الباقي من يغلب على ضنهم أنه قادر على التغيير، وفي كلتا الحالتين، رسالة أهل الزيتونة والقيروان واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار: رفض للمنظومة الغربية والقائمين عليها، وإجماع على ضرورة التغيير وإن لم يتبلور شكله.

تجدد أنفاس الثورة

إن الغرب اليوم في أضعف حالاته أمام حراك الأمة الممتد من العراق شرقا إلى الجزائر غربا، وهو يتخندق في آخر الساحات وهامش التحرك عنده ضئيل وأوراقه مكشوفة، ومشروعه الحضاري يحتضر ورجالاته عاجزون وقبضته تراخت، وبالمقابل فإن النفس الثوري قد تجدد عند أحفاد “عقبة”، وهم اليوم أكثر من أي وقت مضى متحفزون لإتمام ثورتهم بالإسلام باعتباره البديل الحضاري الوحيد القادر على تحريرهم تحررا كاملا غير منقوص، ليجعلوا من بلد الزيتونة والقيروان نموذجا ونواة لدولة قوية تلتحم مع امتدادها الطبيعي في المنطقة، لنشر العدل في الأرض بعدما امتلأت جورا.

قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور}.

د, الأسعد العجيلي, رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير – تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

التعليم الفرنكو-عربي في تونس وتكوين الشخصية العلمانية
التعليم والتعلم وطلب العلم... من الجذور الأساسية في هذه البلاد. إذ كان إشعاعها في هذا المجال يطغى على العالم أجمع منذ القرن الأول الهجري. ومدينة ...
الطبوبي يدعو إلى تغيير النظام, في ورشة عمل حول واقع المساجد
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. واكب السيّد أحمد عظوم وزير الشؤون الدّينيّة صباح يوم الثلاثاء 21 جويلية 2020...
تعاون أم تنفيذ إملاءات؟!
الخبر: نقل موقع الجزيرة نت يوم الأحد، 2020/07/26م خبرا تحت عنوان: أمير قطر يبحث التعاون الاستراتيجي مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة) جاء...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
النظام العلماني ينذر بسقوطه ويستأسد على النساء

على إثر الندوة التي عقدها القسم النسائي لحزب التحرير/ ولاية تونس يوم الأحد الموافق للثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر 2019...

Close