إرتفاع نسب الإدمان على المخدرات, ماذا يحاك لشبابنا الذين هم عماد التغيير؟

إرتفاع نسب الإدمان على المخدرات, ماذا يحاك لشبابنا الذين هم عماد التغيير؟

لقد أصبح انتشار الإدمان في صفوف التلاميذ من الأمور الخطيرة جدا التي صارت منتشرة بشكل كبير في مجتمعنا وتهدد سلامة التلاميذ ومستقبلهم, إذ لا شك أن إدمان المخدرات يؤثر سلبا على صحة التلميذ ويعود بالضرر على كافة المجتمع وجميع المحيطين به من الأصحاب والعائلة الصغيرة والكبيرة.

أظهرت دراسة أعدتها منظمة “ألارت انترناسيونال” حول واقع الخدمات التعليمية في المرحلة الثانوية تفشي ظاهرة استهلاك المخدرات في صفوف التلاميذ داخل المعاهد الثانوية وخارجها وهي سلوكيات تهدد سلامتهم الجسمية والنفسية وهو أمر خطير يهدد السلامة الذهنية والاجتماعية لشبابنا خصوصا أن المحيط التربوي الذي كان إطارا للتهذيب والتعليم والتقويم أصبح اليوم مكانا يسهل فيه الانحراف. وأظهرت دراسة أخرى شملت 3 معاهد ثانوية بكل من دوار هيشر منوبة وحي النور القصرين وتطاوين الشمالية أن نسبة كبيرة من التلاميذ يتعاطون المخدرات داخل المعهد في المعتمديات الثلاث إذ صرح 76,1 بالمائة من التلاميذ في دوار هيشر و69,5 بالمائة في حي النور و59,5 بالمائة في تطاوين وتم الاستهلاك أمام المعهد 95,5 بدوار هيشر و91,5 بالمائة بحي النور و78,1 بالمائة بتطاوين الشمالية.

وجاء في دراسة ميدانية أنجزتها وزارة التربية وهي الأولى من نوعها في تونس من حيث شمولها والحجم المعتمد في إنجازها, أن 92 بالمائة من التلاميذ يتعاطون المخدرات 17,4 بالمائة منهم مدمنون ويتوزعون حسب الجنس إلى 78 بالمائة من الذكور و22 بالمائة من الإناث.

وأشارت الدراسة إلى أن 76,1 بالمائة ممن شملتهم الدراسة يعتبرون الحصول على المخدرات أمرا سهلا, مؤكدة أن نسبة 44,7 بالمائة من المخدرات تباع في المحيط السكني للمستهلك و34,2 بالمائة منها تباع بالقرب من المؤسسة التربوية و25,4 بالمائة تباع داخلها, كما بين مسح عنقودي لسنة  2018 لعينة تقدر ب 11473 أسرة في تونس أن نسبة تعاطي التبغ في صفوف التلاميذ 42 بالمائة لدى الذكور مقابل 5,3 بالمائة لدى الإناث ونسبة تعاطي الكحول تصل إلى 10,7 بالمائة لدى الذكور و0,3 بالمائة لدى الإناث, وسبق وان أظهرت دراسة أخرى أن استهلاك المخدرات في المؤسسة التربوية يشمل الذكور والفتيات: يستهلك الصبيان القنب الهندي، وتقبل الفتيات على الأقراص المخدرة، مما يؤكد أن الوضع في المحيط التربوي خطير جدا ومخيف باعتبار أن عالم المخدرات يأخذنا إلى عوالم أخرى أكثر قتامة كالإجرام والعنف وغيرها، والخطورة تكمن في ارتفاع نسبة الإدمان من عام إلى آخر فقد لاحظنا خلال السنوات القليلة الماضية انتشار ظاهرة المخدرات التي أصبحت متاحة لجميع الفئات الأمر الذي يساهم في تنامي الجريمة والقتل والاغتصاب وغيرها من الجرائم.

وتبين الدراسات أن المخدرات متوفرة وبشكل سهل ما يشجع الأطفال على تجريبها وبشتى أنواعها كالقنب الهندي وحبوب الهلوسة بمختلف أنواعها وصولا إلى الهيروين والكوكايين.

وفي هذا السياق سبق ان قدمت منيرة قربوج مديرة إدارة الطب المدرسي والجامعي دراسة حول المخدرات بالوسط المدرسي أجريت من تلاميذ تراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة في معاهد تونس الكبرى وبنيت الدراسة أن 50 إلى 75 بالمائة منهم يعتبرون أن استهلاك القنب الهندي “الزطلة” لا يعد مشكلة ولا يرفضونه, كما صرح الكاتب العام لجامعة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي بأن نحو نصف تلاميذ تونس يتعاطون مواد مخدرة، ويرى رئيس الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدرات الدكتور عبد المجيد الزحاف أن تعاطي المخدرات في المدارس والمعاهد الثانوية يمثل غولا وكابوسا يهدد الأجيال القادمة ويساهم في تحطيم عائلات بأكملها ويقول الزحاف في تصريح إعلامي أن نسبة كبيرة لا يمكن حصرها بصفة دقيقة من تلاميذ تونس يتعاطون المخدرات وسط غياب الرقابة المدرسية والعائلية. 

ومع تفاقم الظاهرة التي أصبحت خطرا داهما يهدد الشباب التونسي ويدفعه إلى عالم الجريمة والانحراف تعالت أصوات كثيرة تدعو الى ضرورة إطلاق مبادرات توعوية وحملات ودورات شاملة للوقوف على أسباب تفشي هذه الظاهرة والحد منها من خلال حلول ناجعة وفعالة ولا تقتصر على الشعارات والمؤتمرات فقط فالجميع يؤكد أن الظاهرة لم تعد معزولة أو هامشية ذلك أن أعداد المراهقين الذين يسقطون في هوة الإدمان في تنام مطرد وهم بطبيعة الحال ضحية انخرام القيم المجتمعية وغياب الأطر الملائمة للإحاطة  وأيضا جراء عدم اعتماد الدولة للسياسات ومقاربات ناجعة تكفل تطويق الظاهرة والتوقي منها.

لطالما حذر الأطباء والأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون ورجال القانون من تنامي أعداد الأطفال الذين خرجوا بالكاد من براءتهم ليتحولوا إلى منحرفين ومدمني أنواع مختلفة من المخدرات ويمكن أن يتحولوا إلى رواد سجون بامتياز مؤكدين أن هذه الشريحة تقف على حافة بركان على وشك الانفجار أمام صمت يكاد يكون مطبقا تجاه مخاطر هذه الآفة التي يمكن أن تدمر حياتهم وحياة عائلاتهم والمجتمع بأكمله ويلاحظ أنه من بين أسباب إقبال التلاميذ على المخدرات التفكك الأسري والطلاق والدلال المفرط فضغوط الحياة وانشغال الأولياء بالعمل وغياب الحوار جلها عوامل ساهمت في هذه الظاهرة على الرغم من وعيهم بمضارها في محاولة منهم لإبراز شخصياتهم.

بالإضافة إلى غياب الدعم والعناية النفسية او الصحية داخل المؤسسات التعليمية ومن خلال التشخيص تمت ملاحظة غياب كليّ لخلايا إنصات متكونة من أخصائيين نفسيين واجتماعيين يتمثل دورها في الاستماع للتلاميذ والإحاطة بهم والتواصل مع أوليائهم قصد الوقوف على مصاعبهم ومشاكلهم والعمل على حمايتهم وتوجيههم وإعادة إدماجهم في المحيط المدرسي ضمانا لحقهم في مواصلة التعليم والحد من الانقطاعات ومغادرة مقاعد الدراسة وأرجع “بن نصير” أسباب انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات إلى الثالوث الذي رسمه العديد من الخبراء في مقاربتهم المتعلقة لمسببات انتشار هذه الظاهرة والمتكونة من الفقر والخصاصة والتهميش إذ يرى المدمنون في تعاطي المخدرات ضربا من ضروب التمرد على الواقع المجتمعي المتردي ويعتبرون أن الدولة قامت بإقصائهم من الحياة الاجتماعية والاقتصادية واعتبر “معاذ بن نصير” أن ما عاشته البلاد بعد الثورة من فوضى وانفتاح للحدود سهل دخول المواد المخدرة الى التراب التونسي مشيرا إلى أن تسريب كميات كبيرة من المواد المخدرة خلال السنوات الأخيرة جعل ثمنها زهيدا إذ يناهز ثمن الأقراص المخدرة وفق روايته دينارين مقابل خمسة دنانير لقطعة الزطلة وقال إن الشباب يقع في ثنائية التأثر والتأثير ضمن دائرة الأقارب والأصدقاء معتبرا أن نظرية الانتماء للمجموعة تؤدي ببعض المراهقين إلى السقوط في فخ مثل هذه الممارسات تحت غطاء التحضر والتمدن وفق تصورهم إذ يرى مراقبون أنّ الشباب عاشوا مع بدء الثورة فسحة من الحرية ومن الرغبة في إثبات الوجود لم تدم فانكسرت أحلامهم وأصابهم التيه، كل ذلك لم يولد إلا الحلول الظرفية كالهجرة السرية والانزواء لتعاطي المخدرات والولوج في عالم البراكاجات والجريمة”.

تكثر التحليلات لظاهرة اكتساح المخدّرات، ولكنّها تُغفل أهمّ عامل، أنّ بلادنا تعيش منذ عقود صراعا مع مستعمرها الذي يسعى إلى الهيمنة عليها فاستباح لذلك كلّ الوسائل والأساليب فمن الاحتلال المباشر والقتل الجماعي إلى تنصيب العملاء والخونة، ثمّ لم ينفكّ يستهدف المجتمع لخلخلته وإضعافه فسعى الكافر المستعمر لتدمير المجتمع من خلال أهم ركائزه وهم الناس والأفكار والمشاعر والعلاقات والأنظمة مركزا على أول لبنة يتكون منها المجتمع وهي الأسرة فمزقها. عندما نقول الأسرة نقول الأم وهي المدرسة الأولى التي تنجب وتربي الأجيال على أساس العقيدة الإسلامية ليكونوا العماد ومنهم القادة، في التغيير أو البناء أو الإبداع في أي مجتمع من المجتمعات وهم أهم شريحة في المجتمع لفعاليتهم وتأثيرهم فيه سواء أكان ذلك سلبا أم ايجابيا.

وكون الكافر المستعمر يسعى دائما لإبقاء العالم الإسلامي تحت قبضته ومنها بلادنا فهو لا ينفكّ يبث أفكاره وسمومه في مجتمعنا حتى نبقى عاجزين مرتهنة إرادتنا لا نقوى على المواجهة أوالعمل لإحداث التغيير الصحيح.

ولأهمية فئة الشباب وقدرتها على قلب الموازين فقد دأب الغرب الكافر المستعمر على استهدافهم بأنواع من المكر والتدمير من ذلك  نشر فكرة الحريّة الشخصيّة المسمومة، التي شجّعت الشباب على الزنا والمخدرات، هذا مع إقصاء أفكار الإسلام حتّى غدا الإسلام غريبا عند كثير من شبابنا لا يعلمون منه إلا قليلا، والكلّ يذكر عمليّة تجفيف المنابع التي دعمتها المنظّمات الغربيّة وقادها بن علي والتيّار اليساري واللبرالي، وهي عمليّة إجراميّة استهدفت إفراغ الشباب من أفكار دينهم الحنيف ومفاهيمه النبيلة وقيمه الرفيعة لقطع الطريق على الأجيال القادمة كي لا يكونوا أداة إيجابية لتغيير مجتمعاتهم وتحريرها .

فيا شباب المسلمين:

 هل ترون حالكم وحال أمتكم؟ فأمتكم تنظر إليكم وتنتظركم كي تكونوا قادة سفينة نجاتها، أترضون أن تكونوا فريسة للكافر المستعمر؟ 

أنتم من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم لا يليق بكم إلا معالي الأمور، أنتم أحفاد محمّد القاسم الذي قاد جيشا لمحاربة الصّين فزلزل الأرض من تحت أقدامهم ولم يجاوز السابعة عشرة من عمره، وأنتم أحفاد طارق بن زياد الشّابّ الذي قاد الجيوش وهو في مثل سنّكم ليفتح الأندلس، هذا ما يصنعه الإسلام بالشباب يجعل منهم القادة والمجاهدين والعلماء، نكلّمكم اليوم لتتشبّثوا بدينكم وأحكامه الربّانيّة فهي التي ستنقذكم من عوالم الرذيلة والمخدّرات وهي التي ستجعلكم في مقدّمة الصفوف في قيادة العالم. 

أيّها الشباب    

فكونوا فاعلين مؤثّرين واعملوا مع العاملين المخلصين لإقامة حكم الإسلام وتذكروا أن هذا العمل هو عمل الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم وعمل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين والرسول صلى الله عليه وسلم قال فيكم: “نصرت بالشباب” فهلا نصرتموه كما نصره شباب المدينة وهم الأنصار بالعمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة كي تفوزوا بالدنيا فتسودوا وتقودوا العالم بأجمعه وانتم أهل لذلك وتكونوا في الآخرة من أهل الجنة مع الأنصار وحسن أولئك رفيقا.

محمد الجبالي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
ماذا تنتظرون؟ وإلى متى؟
ماذا تنتظرون؟ وإلى متى؟

الدّيمقراطيّة فساد واستعباد: كثرت في الأيّام الأخيرة تصريحات السياسيين من حكّام ومعارضة يزعمون أنّ المهمّة الأولى للثورة قد تحقّقت بنجاح،...

Close