إلى المراهنين على الرّئيس قيس سعيّد

إلى المراهنين على الرّئيس قيس سعيّد: (لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال (لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين) أي لا ينبغي ولا يجوز أن يُخدع المؤمن الحقيقيّ من جهة واحدة أكثر من مرّة فهذا طعن في حقيقة إيمانه لأنّ المؤمن كيّس فطن لبيب يفهم من الإشارة ويرى بنور الله فيجب أن يكون حذرا حازما متيقّظا لا ينخدع بظواهر النّاس مصداقا لقوله تعالى (يا أيّها الذين آمنوا خذوا حذركم)..ومع أنّه تقيّ نقيّ مسالم خيّر سهل هيّن حسن الظنّ بالنّاس إلاّ أنّه ليس (درويشا) حتّى تنطلي عليه أبسط الحيل والألاعيب إلى درجة أن يُخدع من نفس الشّخص أو نفس الجهة أكثر من مرّة دون أن يتّعظ ويرعوي، فلسان حال المؤمن قول الفاروق عمر رضي الله عنه (لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني) أي لست ماكرا مخادعا ولكنّ الماكر لا يستطيع أن يخدعني بسهولة، فإن قدّر الله وحصل فلا يمكن أن يتكرّر مرّة أخرى ،فهذا منتهى الغباء والحمق لاسيّما إذا تعلّق الأمر بالسّياسة والحكم والشّأن العامّ ،فعندئذ يصبح استهتارا بحقوق الله وتفريطا فيها وهذا من شأنه أن يجعلنا تحت طائلة غضب الله وسخطه معنيّين بقوله تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار وما لكم من دون الله من أولياء ثمّ لا تنصرون).. 

الجحر التّونسيّ

لطالما لدغ الشّعب التونسيّ ـ وهو مؤمن ـ من نفس الجحور مرّات ومرّات دون أن يتّعظ ويرعوي ويرجع عن غيّه ،أمّا أخطر جحر لدغ منه ـ ومازال ـ فهو حسن النيّة بالحكّام :فبعد الثّورة ونتيجة لتراكم المناورات الاستعماريّة الفاشلة تكرّست لدى التونسيّين عقليّة المقامرة وانتظار المجهول ،عقليّة ـ وإن كانت منطقيّة ـ ولكنّها مبنيّة على مقدّمات مغلوطة تؤدّي بالحتم إلى الفشل الذّريع :(أعطيه فرصة ـ ما تحكمش عليه ملّول ـ خليّه يخدم وبعد حاسبو..)..على هذا الأساس (الخايخ) أعطى شعبنا فرصا للجميع دون استثناء ـ إسلاميّين وعلمانيّين ـ (الجبالي ـ لعريّض ـ الصّيد ـ السّبسي ـ المهدي جمعة ـ يوسف الشّاهد ـ الفخفاخ ـ المشّيشي) وتعشّم فيهم خيرا وتركهم يعملون وتمتّع كلّ منهم بمائة يوم قبل المحاسبة ،فماذا كانت النّتيجة..؟؟ (فقر ـ تهميش ـ خصاصة ـ بطالة ـ فساد ـ غلاء ـ ضرائب ـ تدهور المقدرة الشّرائيّة ـ محاربة لله ورسوله ـ إغراق البلاد في القروض الربويّة ـ تجديد عقود النّهب ـ رهن مقدّرات البلاد للكافر المستعمر ـ تمكين الاستعمار من السيادة والسّلطان ـ التّطبيع مع إسرائيل ـ إعادة ضخّ الماكنة التجمّعيّة في دواليب الدّولة..). ورغم كلّ هذه الجرائم والمآسي المقترفة في حقّه من طرف الطّبقة السياسيّة المرتهنة ورغم تكرار نفس الوجوه الفاسدة التي تؤثّث المشهد السياسيّ مازال هذا الشّعب يُلدغ من نفس الجحر الاستعماريّ اللّئيم ومازال يؤمّل منهم خيرا ويمنّي نفسه ببيضة الدّيك وعسل الزّنبور، وها قد أعطى فرصة جديدة للرّئيس قيس سعيّد مع أنّه سيطبّق نفس المنظومة وسينطلق من نفس المقدّمات.. 

نفس المقدّمات

إنّ البناء المنطقيّ يقوم على مقدّمات تؤدّي إلى نتائج معيّنة ،وهذه النتائج ليست اعتباطيّة عبثيّة موكولة إلى الصّدفة أو إلى أدوات التّنفيذ بل مبنيّة بناء عضويّا محكما على تلك المقدّمات :فنفس المقدّمات تؤدّي بالحتم إلى نفس النتائج بينما تغيير المقدّمات يؤدّي إلى نتائج أخرى..والغريب أنّ الشّعب التونسيّ يصرّ على الانطلاق من نفس المقدّمات التي أدّت سابقا إلى الفشل الذّريع وينتظر منها نتائج إيجابيّة تجسّد النّجاح والفلاح مكتفيا بتغيير الوجوه التي تؤثّث العمليّة المنطقيّة، إذا به يلدغ من نفس الجحر ويقع في الخيبات المتتالية فينحو باللاّئمة مجدّدا على أشخاص الحكّام ضاربا صفحا عن تلك المقدّمات أي عن المنظومة الحاكمة والدّستور المطبّق وذاك مكمن المفارقة.

إنّ الإشكال الحقيقيّ لا يكمن في الأشخاص الحاكمين بل في غياب السّيادة والسّلطان وفي المنظومة الحاكمة وفي الدّستور المطبّق :فكلّ تجارب الحكم التي شهدتها تونس بعد الثّورة ارتهنت طبقتها السياسيّة للكافر المستعمر وحكّمت فينا المنظومة الرّأسماليّة الجشعة وطبّقت علينا الدّستور الوضعيّ الوضيع المحارب لله ورسوله ،دستور اليهودي الأمريكيّ نوح فيلدمان (والجواب يتقرى من عنوانو)..فهذه التّوليفة الاستعماريّة الخبيثة التي تُشتمّ منها رائحة البارود سواء طبّقها إسلاميّ نزيه أم علمانيّ فاسد فإنّ النّتيجة واحدة :الضّنك والشّقاء وغضب الله مصداقا لقوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) وهذا هو حالنا وواقعنا المعيش بالمشاهد الملموس.. 

إشكال مبدئيّ

لقد سعى الاستعمار جاهدا إلى صرف الأذهان عن منظومته الفاسدة لإحكام السّيطرة على الشّعوب المستعمرة فزجّ بها في مناورات سياسيّة جوفاء وأغرقها في ألهيات ثانويّة تستهدف أعراض الدّاء دون جوهره من قبيل الانتخابات وتغيير الوجوه وتنقيح بعض القوانين والفصول الدّستوريّة واللعب على أشكال الحكم الدّيمقراطيّ..كلّ ذلك ليحافظ على منظومته الحاكمة التي تضمن له ديمومة السّيطرة والنّهب..فالإشكال مبدئيّ بالأساس والمسألة تتجاوز مجرّد حسن النيّة أو سوئها لتطال السّيادة والسّلطان ومنظومة الحكم القائمة والدّستور المطبّق على النّاس.. وهي بالنّسبة إلينا نحن المسلمين مسألة أحكام شرعيّة واجبة التّطبيق :فنحن مطالبون شرعا بتطبيق شرع الله فيما بيننا وعلى البشريّة جمعاء ،قال تعالى (وإن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)..ونحن مطالبون شرعا بامتلاك سيادتنا وسلطاننا بوصفنا مسلمين وعدم الارتهان إلى الكفرة ،قال تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)..ونحن مطالبون شرعا بمحاسبة الحكّام الفسقة الفجرة وعدم السّكوت عن إجرامهم في حقّ الله وشرعه ،قال تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار وما لكم من دون الله من أولياء ثمّ لا تنصرون)..ونحن مطالبون شرعا أيضا بالتّحاكم فيما شجر بيننا إلى الله ورسوله أي إلى شرع الله الحنيف ،قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول).. فالقضيّة مبدئيّة جوهريّة بالأساس وليست ثانويّة جزئيّة عرضيّة ،فالارتهان للأجنبيّ انتحار سياسيّ والفساد التّشريعيّ هو أصل الفساد ومنبعه ،ومن أراد فعلا الإصلاح والقضاء على الفساد فليطرد الاستعمار من البلاد وليستردّ سيادة الشّعب وسلطانه وليستهدف الدّستور الوضعيّ المحارب لله ورسوله وليعزم على تطبيق شرع الله كاملا دفعة واحدة ،عندئذ نثق به ونسانده ونعطيه فرصة ونتكتّل حوله.. 

ذرّ للرّماد على العيون

إنّ الحكم أمانة وانتخاب الحاكم شهادة فلنحرص على ألاّ تكون شهادة زور توردنا المهالك :فعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر..؟؟ قلنا بلى يا رسول الله..قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين ـ وكان متّكئا فجلس ـ ألا وقول الزّور ألا وشهادة الزّور ألا وقول الزّور ألا وشهادة الزّور..فمازال يردّدها حتّى قلنا ليته سكت)..وهنا لسائل أن يسأل :ماذا فعل قيس سعيّد حتّى نشهد له ونحمّله هذه الأمانة..؟؟ هل طرح على نفسه تطبيق الإسلام..؟؟ هل استهدف الدّستور الوضعيّ..؟؟ هل أطرد الاستعمار من البلاد..؟؟ هل استرجع ثرواتنا من الشّركات الاستعماريّة النّاهبة..؟؟ هل أخرج البلاد من دوّامة القروض الربويّة..؟؟ هل حاسب الفاسدين الحقيقيّين والحكّام والسّاسة السّابقين الذين أجرموا في حقّ البلاد والعباد..؟؟ لم يتجرّأ على أيّ من هذه الخطوات وقصارى ما قام به مجرّد مسرحيّة سياسيّة لذرّ الرّماد على العيون :فقد استهدف بعض المدوّنين والمحامين الشّرفاء وبعض النوّاب المناوئين لفرنسا وبعض (الكناطريّة) والمحتكرين الصّغار المتمعّشين بفتات المائدة التونسيّة، واستعاض عن الفسفاط والبترول والملح والغاز وسائر الثّروات التي تنهبها الشركات الأجنبيّة بالبطاطا و(زيت الصّانقو) وحديد البناء بحيث يصدق فيه المثل السّائر (سارق السرّ يقطع يد سارق العلنيّة) أو (سارق الجملة يعاقب سارق التفصيل)..كما استهدف عملاء الأنجليز في الحكومة والوسط السياسيّ (النّهضة ـ قلب تونس ـ ائتلاف الكرامة..) في مقابل التّمكين للسيّدة الجديدة فرنسا بحيث استبدل مستعمرا بآخر أفظع وأفدح منه..فيما عدا ذلك جدّد ثقته في المنظومة والدّستور في أبشع وجه من وجوههما :دستور 1959 والدّيمقراطيّة المجالسيّة التي تذكّرنا بلجان القذّافي الشّعبيّة.. 

نتحدّاك يا (إخشيدي)

رسالة أخيرة للرّئيس (النّاسك البتول) قيس سعيّد :إنّ التدخّل الأجنبيّ في الشّأن التونسيّ سافر ومفضوح ويجد القبول من الطّبقة السياسيّة الفاسدة ـ وأنت جزء منها ـ فكلّكم على اتّصال بالسّفارات الأجنبيّة ولكلّ منكم سيّد أوروبيّ أو أمريكيّ أو خليجيّ يخدمه ويطيعه ويتلقّى منه التّمويلات والتّعليمات ويستقوي به على بلاده وأهله ودينه وعرضه وثرواته..فإن كنت فعلا تتشبّه بالفاروق عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه فعليك باستهداف الدّستور الوضعيّ المحارب لله ورسوله واستبداله بدستور منبثق من العقيدة الإسلاميّة، وعليك باستهداف منظومة الحكم الرّأسماليّة الدّيمقراطيّة واستبدالها بنظام الخلافة ودولة إسلاميّة على منهاج  النبوّة..وإن كنت فعلا جادّا في الإصلاح ومحاربة الفساد فنتحدّاك أن تقوم بالآتي: (استرجاع ثرواتنا من الشّركات الاستعماريّة النّاهبة ـ إخراج البلاد من دوّامة القروض الرّبويّة ـ فكّ ارتباط البلاد بالكافر المستعمر ـ إيقاف تدخّل السّفراء في شؤون البلاد ـ إلغاء الاتّفاقيّات العسكريّة مع الدّول الاستعماريّة ـ وقف التّعامل مع صندوق النّقد والبنك الدّوليّين ـ محاسبة الحكّام والسّاسة المجرمين السّابقين والحاليّين ـ القطع مع جميع مظاهر الارتهان للأجنبيّ ـ استهداف القطط السّمان المتحكّمين في اقتصاد البلاد والعابثين بأمنها..) وهي الخطوات الحقيقيّة الكفيلة وحدها بتحقيق ما تدّعيه من إصلاح ومحاربة للفساد.. نتحدّاك ونعلم مسبقا أنّك عاجز عن رفع التحدّي لأنّك مجرّد دمية بين يدي فرنسا لا تتجرّأ على استهداف مصالح أسيادها.

بسّام فرحات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
مسار “التصحيح”: سطحيّة الطّرح وعمق الأزمة

مقدمة يبدو أن الرئيس قيس سعيد، لم يستوعب الدرس، أو ربما هو آخر من سيستوعب الدرس، مادام متماديا فيما اعتبره...

Close