إيرادات الميزانية بين الإسلام والديمقراطية
إيرادات الميزانية بين الإسلام والديمقراطية

إيرادات الميزانية بين الإسلام والديمقراطية

صادقت لجنة المالية والتخطيط والتنمية يوم 24 نوفمبر 2020 على تقرير مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020 بأغلبية الأعضاء اثر إدخال عدد من التعديلات. وبمقتضى القانون الأساسي للميزانية يُعرض مشروع قانون المالية التعديلي على التصويت في الجلسة العامّة بالبرلمان في أجل أقصاه 21 يوما من تاريخ إيداعه أي يوم 4 ديسمبر 2020، وذلك قبل الشروع في مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2021 الذي حدّد الدستور تاريخ 10 ديسمبر كأجل أقصى للمصادقة عليه.

وكانت لجنة المالية بالبرلمان قد صادقت يوم 18 نوفمبر 2020 على مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020، بعد أن سحبت الحكومة في 30 أكتوبر النسخة الأولى بسبب رفض البنك المركزي تعبئة 10.3 مليار دينار لتمويل عجز الميزانية الذي بلغ 13.4% من الناتج الداخلي الخام مقابل 3% في قانون المالية الأصلي حيث يمنع قانون البنك المركزي التمويل النقدي للخزينة العامة للدولة. وقد تناول التعديل تقليص العجز في الميزانية في حدود 11.49 مليار دينار عوض 13.73 مليار دينار في النسخة الأولى، وقد حدد قانون المالية التعديلي 2020 نفقات الدولة في حدود 41.71 مليار دينار مقابل مداخيل لا تتجاوز 30.22 مليار دينار.

إيرادات الميزانية: ضرائب وقروض

وبحسب القانون المعدل للميزانية فإن المداخيل الجبائية تمثل 87% من المداخيل الجملية للدولة في حين تتخطى المداخيل الغير جبائية نسبة 9% والهبات 4%.

وقد سجلت الإيرادات الضريبية للدولة لهذه السنة 26.4 مليار دينار تنقسم إلى ضرائب مباشرة بقيمة 11.8 مليار دينار وضرائب غير مباشرة بقيمة 14.57 مليار دينار، وهو ما يمثل انخفاضا ب 5.3 مليار دينار عن المتوقع لسنة 2020 بسبب الانكماش وبانخفاض 2.5 مليار دينار عن ميزانية 2019.

وقد نص الفصل السابع من قانون الميزانية التكميلي على تعبئة موارد بقيمة 19.49 مليار دينار لفائدة خزينة الدولة لسنة 2020، وسيتم توفيرها من الإقتراض الخارجي (7.36 مليار دينار) والداخلي (11.98 مليار دينار)، وستوجه أساسا لتمويل عجز الميزانية (11.49 مليار دينار) وتسديد أصل الدين الخارجي (4.33 مليار دينار) وأصل الدين الداخلي (3.12 مليار دينار).

مصادر تمويل العجز في الميزانية:

وقد أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي في وقت سابق أن التعبئة المالية لسد العجز في ميزانية 2020 ستتم من خلال مواصلة الإصلاح الجبائي والاقتراض من الجهات المانحة، مؤكدا في هذا الخصوص  بأن لا مناص من مراكمة علاقة الثقة مع هذه الجهات ويقصد بها المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والالتجاء للبنك المركزي لتوفير السيولة اللازمة وما يمكن أن يترتب عن ذلك من تضخم و تآكل في المقدرة الشرائية للناس. وهكذا كان، حيث طلب رئيس الحكومة في 03 نوفمبر 2020 البنك المركزي بالتدخل مباشرة من أجل تمويل عجز الموازنة.

وبحسب تصريح وزير المالية علي الكعلي يوم 18 نوفمبر 2020 فإن عجز الميزانية المتوقع لسنة 2020 هو في حدود 11،4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يستوجب تعبئة تمويلات إضافية (8،3 مليار دينار). وقد حدد مصادر تعبئة هذه الموارد بالقول “لقد تحصلنا تقريبا على 0،80 مليار دينار في شكل قروض من البنوك المحلية بنسبة فائدة حددت بــ9،4 بالمائة” كما سيتم تعبئة تمويلات من القروض الأجنبية في حدود 2،7 مليار دينار إلى جانب التمويل، الذي ستحصل عليه الدولة من البنك المركزي، والمقدر بـــ3،5 مليار دينار.

تحميل البرلمان تداعيات الخيارات الحكومية:

ونظرا لما قد تتسبّب فيه الخيارات الحكومية من ارتفاع نسبة التضخّم بالتوازي مع تراجع نسب النموّ وإنتاج الثّروة، فإن البنك المركزي اشترط موافقة البرلمان على قانون المالية التكميلي وبخاصة فيما يتعلق بتمويل البنك المركزي، حيث حمّل محافظ البنك المركزي مروان العباسي البرلمان والنواب مسؤولية ما قد ينجر عن السماح للبنك المركزي، بالتمويل المباشر لخزينة الدولة، منبها إلى أن هذا الإجراء سيؤدي مباشرة إلى إشكاليات ارتفاع نسب التصخم وانخفاض قيمة الدينار.

والبنك المركزي والحكومة على حد سواء يريدان تحميل الشعب التونسي السياسات العقيمة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، فضخ مليارات في السوق بدون زيادة في ثروة البلاد سيؤدي بالضرورة إلى غلاء الأسعار وتدهور في قيمة صرف الدينار، ما يعني بالضرورة سرقة مدخرات الناس النقدية التي ستتآكل قيمتها الشرائية، ولذلك يريدان إلقاء تداعيات هذا القرار على البرلمان.

السياسة المالية في الإسلام:

لقد بدى واضحا أن الدولة في النظام الديمقراطي تعتمد بالأساس على الضرائب والقروض في تعبئة مواردها المالية، أما في دولة الخلافة فإن السياسة المالية من حيث الواردات والنفقات تضبطها الأحكام الشرعية، فالسياسات المالية والنقدية والزراعية والتجارية والصناعية تحددها الأحكام المنبثقة عن العقيدة الإسلامية ضمن النظام الاقتصادي الإسلامي، لذلك تعد خيارات دولة الخلافة وسياساتها المالية والاقتصادية إما أحكاما شرعية واجبة التطبيق، أو تفرعات لتلك الأحكام الشرعية، وليست أفكارا وأعمالا دنيوية معزولة عن الدين، وقد ورد في دستور دولة الخلافة في المادة 148 مايلي: 

لميزانية الدولة أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية. وأما فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك موكول لرأي الخليفة واجتهاده.

ففي دولة الخلافة واردات بيت المال كالخراج مثلا تحصّل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتُصرف بحسب أحكام شرعية منصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية دائمية، فلا مجال للرأي في أبواب الواردات ولا في أبواب النفقات مطلقاً، وإنما هي أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية دائمية.

هذا من ناحية أبواب الميزانية، أمّا من ناحية فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده لأنه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها ما يراه، وأمْرُه واجب التنفيذ. ففصول الميزانية، هي الفروع التي تتفرع عنها مثل خراج أراضي البعل، وخراج أراضي السقي أو كتحديد مقدار الجزية وما شاكل ذلك فإن الخليفة يضعها، لأنها من رعاية الشؤون، ومما هو متروك لرأيه واجتهاده.

وعليه فدولة الخلافة لا توضع لها ميزانية سنوية حتى يحتاج الأمر سنوياً إلى سن قانون بها، ولا تُعرض على مجلس الأمة، ولا يؤخذ فيها رأي منه. وهذا على النقيض من النظام الديمقراطي الرأسمالي.

واردات الدولة في الإسلام:

أما واردات بيت المال الدائمية وملحقاتها هي: الأنفال والغنائم والفيء والخمس والخراج والجزية والملكيات العامة بأنواعها وأملاك الدولة من أرض وبناء ومرافق ووارداتها والعشور ومال الغلول من الحكام وموظفي الدولة ومال الكسب غير المشروع ومال الغرامات وخمس الركاز والمعادن ومال من لا وارث له، ومال المرتدين وأموال الصدقات – الزكاة – ثم الضرائب. وهذه عادة تكفي لاحتياجات الدولة خاصة بإحسان الأعمال الاقتصادية.

وبالنسبة للضرائب، فعموما لا تفرض دولة الخلافة على رعاياها ضرائب مباشرة، أو غير مباشرة، أو تصاعدية، أو ضريبة رواتب وأجور، أو ضريبة أملاك مبنية، أو رسوما جمركية. هذا هو الأصل، أما الاستثناء، فهو فرض ضرائب على الأغنياء إذا لم تكف موارد بيت المال وعند فرضها لهذه الضرائب، ينبغي على دولة الخلافة مراعاة الكثير من الأمور يضيق المجال لذكرها.

وهذه الإيرادات هي إيرادات كبيرة جداً مقارنة بإيرادات الدول القائمة الآن وذلك لأن النفقات قليلة في ظل نظام الرعاية والكفاية الذي فصَّله النظام الإقتصادي الإسلامي، وتُستَغَلُّ إيرادات الدولة الضخمة الآتية من أموال الخراج والجزية والغنائم والركاز والحمى وجزء من أموال الملكية العامة الهائلة الآتية من ثروات البلد، تستغل هذه الإيرادات بسرعة وكفاءة لإيجاد المصانع التي تصنع الآلات التي تنتج بدورها كل ما تحتاجه الأمة.

والحمد لله القائل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون.

د. الأسعد العجيلي، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير/ولاية تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تونس والاغتيالات السياسيّة الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع نموذجا
تونس والاغتيالات السياسيّة الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع نموذجا

لطالما مثّلت تونس ـ لاسيّما خلال الفترة الاستعماريّة ـ مسرحا للاغتيالات السياسيّة والتّصفيات الجسديّة التي طالت كلّ من يمثّل خطرا...

Close