اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟
اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟

اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟

إن اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي أو اتفاقية إسطنبول هي اتفاقية تستهدف حضارتنا الإسلامية. فإن كان ظاهرها مناهضة العنف ضد المرأة فإن باطنها هو ضرب الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة في خطوة جريئة وحثيثة لهدم الأسرة المسلمة وتفكيكها ونزع حياء المرأة حتى في اللاوعي كما صرّحت به كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية ذات مرة.

وهذه الاتفاقية ليست الأولى من نوعها ولا هي بمعزل عن سابقاتها. فرغم أن من وضعها هو مجلس أوروبا وليس الأمم المتحدة إلا أنها تذكر في ديباجتها مراعاتها للاتفاقيات الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة، مثل:

– الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)

– اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” (1979) وبروتوكولها الاختياري (1999) وكذلك التوصية العامة رقم 19 للجنة سيداو حول العنف ضد المرأة.

– اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل (1989) وبروتوكولاتها الاختيارية (2000) وغيرها…

ولبيان خطر هذه الاتفاقية على قيمنا وأخلاقنا الإسلامية سأتناول بالتحليل والنقد فقط بعض النقاط التي وردت في الديباجة، منها:

1- “وإذ تقر أن تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في القانون وفي الواقع، عنصر حاسم في الوقاية من العنف ضد المرأة”

نلاحظ هنا أن الاتفاقية تربط في ديباجتها قضية المساواة بحماية المرأة من العنف وكأن انعدام المساواة يعني آليا عنفا ضد المرأة! وهذه مغالطة وتعسّف على الحقيقة والواقع بل اعتداء صريح على شريعة الإسلام التي تقوم على قيمة العدل بين الرجل والمرأة. فمثلا عندما يحرّم الله سبحانه وتعالى اختلاط النساء بالرجال في الأماكن الخاصة، أو يجعل عقدة النكاح بيد الرجل وليس المرأة، أو يجعل ولاية الأمر للرجل فيكون هو رئيس العائلة شرعا وليس المرأة، وحين يحرّم زواج البكر من دون إذن وليّها، وحين يحرّم السفر دون محرم، وحين يشترط الذكورة في الإمامة في الصلاة أو في تقلّد مناصب الحكم، كل هذه الأحكام الشرعية تعتبر في الاتفاقية تمييزا ضد النساء وعدم مساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي حسب فهمها تؤدي هذه الأحكام الإسلامية إلى تهيئة حاضنة نفسيّة ومجتمعيّة ترسّخ نظرة دونية للمرأة وتنتقص من مكانتها، وبالتالي تربي المجتمع والرجل خاصة على النظر إلى المرأة كإنسان أقل درجة منه مما يؤدي إلى استسهاله الاعتداء على كرامة المرأة واعتباره ضربه لها وتعنيفها نفسيا أمرا طبيعيا ومشروعا ومن حقه كون الدين أعطاه مرتبة فوقية بالنسبة للمرأة، طبعا هذا فهم العلمانيين للأديان بصفة عامة وخاصة منها الإسلام، حيث يفسرون أحكام الله التي تخصّ الرجل دون المرأة أو المرأة دون الرجل تمييزا يرسّخ ثقافة تعنيف وإهانة المرأة.

2- “وإذ تقر أن العنف ضد المرأة تجل لموازين القوى غير المتكافئة تاريخيا بين المرأة والرجل، والتي أدت إلى سيطرة الرجل على المرأة والتمييز ضدها، وحرمان النساء من الانعتاق الكامل”

تؤكد هذه النقطة ما سبق وتحصر علاقة الرجل بالمرأة في منظور الصراع لا غير، أي أن جل مفاهيمها ومنطلقاتها تقوم على نظرة ترى أن هناك تنافسا تاريخيا بين النساء والرجال وأن هناك انتصاراً تاريخياً للرجل على المرأة، ولفظ “تاريخي” هنا يُحيل على كلّ ما هو ثقافة ودين، فمثلا بالنسبة للبلاد الإسلامية يُقصد بموازين القوى غير المتكافئة تاريخيا: أحكام الإسلام، حيث يذكر عبد المجيد الشرفي في كتابه “الإسلام والحداثة”، ص 225: “الأفكار الشائعة في اعتبار منزلة المرأة الدونية في (المجتمعات) الإسلامية عموما و(المجتمعات) العربية على وجه الخصوص، تعود إلى ما اختص به الإسلام من تعاليم وأحكام عطلت مساهمتها في الحياة الاجتماعية وجعلتها تحت سلطة الرجل أبا كان أم زوجا حبسها في البيت لتكون أداة متعة وإنجاب وخدمة”.

وهو نفس تصور “أدونيس” في كتابه “الثابت والمتحول” حينما يشير إلى أن الإسلام فعلا قد حرر المرأة من الكثير من القيود الاجتماعية والإنسانية إلا أنه لم يغير طبيعة النظر إليها. وبالتالي فهذه النظرة الدونية هي امتداد لتلك الرؤية التي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي.

إن ما يقوله المستشرق أدونيس أو عبد المجيد الشرفي ليس إلا ترديدا لما قاله المفكرون العلمانيون في الغرب، حيث يرى كل هؤلاء أن الميزان المختل تاريخيا بين النساء والرجال سببه الأساسي هو الدين والعادات والثقافة والممارسات المجتمعية التاريخية التي تؤصل لدونية النساء وعبوديتهن.

وعلى هذا الأساس الفاسد تقوم اتفاقية إسطنبول التي تسعى النخب السياسية والأكاديمية في تونس لتمريرها من أجل مزيد من تأصيل المفاهيم العلمانية في المجتمع من خلال استعمال العنف المسلط على النساء كواجهة لتمرير أيديولوجية نسوية متطرفة، بل وأسوأ من ذلك أيديولوجية مجتمع الشواذ أو ما يشير إليه الغربيون بتعبير “مجتمع LGPT“.

3- “وإذ تقر أن الطبيعة البنيوية للعنف ضد المرأة قائمة على النوع، وأن العنف ضد المرأة آلية من الآليات التي تستبقى بواسطتها النساء في وضعية خضوع للرجال؛ الاجتماعية والسياسية”.

إن تعريف طبيعة العنف الذي تتعرض له المرأة سواء في البيت من الزوج أو الأخ أو الأب، أو في الفضاء العام من الذكور بصفة عامة، تعتبره اتفاقية إسطنبول نتيجة لعقلية ونفسية مبنية عند الرجل على هذا الأساس: أنه حين يُعنّفها فذلك لاعتقاد دفين عنده بأنها لا تفهم إلا بتلك الطريقة! ويضرب العلمانيون لنا مثلا قولة شعبية متفشية وهي “النساء لا تفهم إلا بالضرب” أي أن عقلية الذكر في مجتمعنا تقوم على أن الخطاب والتواصل الوحيد مع الجنس المغاير له أي الأنثى هو العنف حتى تستقيم وتقوم بما يريده الرجل، وهذا المفهوم المنحرف خطير جدا لأنه يفتح الباب للصراع والاقتتال بين الذكر والأنثى سواء في العائلة أو في الحياة العامة مما يشق عصا المسلمين ويفتت الجماعة الإسلامية والتعاون بين النساء والرجال في الحياة العامة.

إضافة إلى أنه محض كذب وتزييف يغض الطرف عن أحد أهم الأسباب الرئيسية للعنف التي لا يذكرها وهي تفشي المخدرات والخمور بمباركة من الأنظمة الرأسمالية النفعية التي تحصد الضرائب من الخمور.

فالمخدرات والخمر تذهب ميزة العقل عن الإنسان، ومن عدل الإسلام وضع حد جلد شارب الخمر لوعيه بالآثار الخطيرة على المجتمع البشري التي يتسبب فيها انتشار الخمور، ثم من حكم الله أنه لا يحتسب أعمال مسلم وهو شارب للخمر ولا يقبلها منه كالبيع والشراء والكراء والطلاق فكلها باطلة لأنّ شارب الخمر هو شخص قد ذهبت عنه ميزة العقل وقتياً، وبالتالي ارتكاب الإنسان لأي نوع من العنف وهو تحت تأثير المخدر أو الخمور خالٍ من الإرادة الحقيقية لأن عقله مغيَّب، وبالتالي يعلّمنا الإسلام هنا أن الإنسان والرجل تحديدا إذا كان في حالة وعي ويملك زمام عقله فالأصل فيه فطريا أن لا يرتكب العمل المؤذي إلا من شذّ وخرج عن الفطرة وعن الحق، وبالتالي الأصل في الرجل أنه لا يُعنف المرأة لمجرد الاستمتاع بذلك أو لأن طبيعته حاقدة على النوع الآخر، ولكن استهلاك المخدر له نسبة كبيرة في التسبب في ارتكاب العنف والإجرام مع المرأة وغيرها.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21] فعبارة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ دليل شرعي قاطع أن الأصل أن الذكر يحنو إلى السكينة والمودة عند الأنثى والعكس صحيح أيضا. وبالتالي جعْل الأصل هو الحقد والاستصغار والكراهية يتنافى وما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى عن الفطرة والطبيعة البشرية. وبهذا يظهر مدى خطورة المفاهيم التي تنطلق منها اتفاقية إسطنبول ومدى تناقضها مع الإسلام.

الأستاذة زينة الصامت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى من الإعلاميين. هذه الطبقة ...
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
مقدمة نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية على مفاصل الدولة في العص...
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
أين الحكومة؟  هكذا تساءل "حمّادي الجبالي" بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية، في مشهد ينطوي على مفار...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
منظّمات في المزاد السّياسيّ: ملائكة أم شياطين..؟؟
منظّمات في المزاد السّياسيّ: ملائكة أم شياطين..؟؟

ما من شكّ في أنّ القيم السّامية والمبادئ الرّفيعة والمشاعر النّبيلة والمثل الإنسانيّة العليا قد ابتُذِلت وامتُهِنت واستحالت عملة رخيصة...

Close