الأوساط السياسية وعلاقتها بالخارج: أي مفهوم للخيانة، وما حدودها؟
الأوساط السياسية وعلاقتها بالخارج: أي مفهوم للخيانة، وما حدودها؟

الأوساط السياسية وعلاقتها بالخارج: أي مفهوم للخيانة، وما حدودها؟

       بصورة دراماتيكية تناقلت وسائل إعلام محلية وعالمية ما صدر عن وزير الدفاع الوطني، إبراهيم البرتاجي، خلال جلسة استماع بمجلس نواب الشعب، يوم الخميس 19 نوفمبر 2020، في معرض حديثه عن عزل بعض العسكريين بتأكيده على ثبوت تخابرهم مع جماعات إرهابية، مما أحدث صدمة في الداخل التونسي الذي ظلت المؤسسة العسكرية تحتفظ لديه بكل مفاهيم الطهورية، وأنها الجهة التي يرى فيها صمام الأمان وحصنه الأمين الذي يقيه غوائل الأيام، في ظل التردي الذي جرت إليه البلاد، طبقة سياسية تعفنت إلى حد اليأس منها. مما فتح المجال لدوائر إعلامية عالمية مشبوهة ومغرضة لإسناد هذه التهمة ” إلى آلاف العسكريين بما يفتح المجال لإعطاء الذرائع لحشر البلاد في زاوية تفشي ظاهرة الإرهاب بعد أن أصاب مؤسستها العسكرية بشهادة المسؤول الأول عنها. يأتي تأكيد هذا الإتهام في الوقت الذي بدأت حقيقة الإرهاب في بلادنا تنكشف، وتفكك ألغازه.

الإرهاب… والتهريب!؟

      إن الحديث عن مقوم من مقومات السيادة والمنعة، كان من المفترض أن يحاط بسياج سميك من السرية وأن يعالج ضمن الأطر والقوانين الداخلية التي لا يطلع عليها إلا خاصة الخاصة، بهذه الكيفية  وبسط الأمر للجدل العلني لا يندرج إلا ضمن تحطيم المعنويات والمس من حرم المؤسسة. فهل من الحكمة ومن شمائل رجال الدولة أن يجمع بين موضوع الإرهاب، على أي صعيد كان، سواء حركته دول أو منظمات، وما يمثله من خطر على البلاد والعباد، وبين تهريب سلع قل شأنها أو عظم؟ كيف يساوى، في طرح القضية، بين من تستر على من هرب بنزينا أو أي مادة أخرى للاسترزاق أو شارك في مثل هذه الأعمال، وبين جريمة تهديد أمن البلاد ومنعتها؟     

        لئن كان لا يختلف اثنان في تجريم  الخيانة والخونة، ولا ينكر أحد حتمية المحاسبة وعقاب المجرم، ولا يماري أحد في إدانة من مالأ الأعداء ووالاهم وانخرط في خططهم سواء كان عسكريا أو مدنيا، سياسيا كان أم من عموم الناس، متعلما أم جاهلا، فأين يدرج القبول بإعلان(هكذا) الولايات المتحدة، رسميا تونس حليفا استراتيجيا لها خارج عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟

    أليس توقيع تونس والولايات المتحدة، “لوثيقة خارطة طريق، التي لا يعلم شيئا عن بنودها، لآفاق التعاون العسكري التونسي الأمريكي في مجال الدفاع بالنسبة إلى العشرية القادمة (العقد القادم)” يجعل من بلدنا رافدا في خدمة أهداف أمريكا في السيطرة على المنطقة وتوظيفا لمقدراتها ورهنا لإرادتها وسلبا لحريتها؟ من يقدر على عتق البلاد من رق ذل سربلها به من كان يفترض فيه صون شرفها مثل ما قام به وزير الدفاع حين عزل من تحققت خيانته؟   

الاستقواء بالخارج!؟

هل أن تعرض نائب عضو في “مجلس نواب الشعب” للعنف والاعتداء اللفظي من طرف أحد النواب، أي زميل له في ذاك المجلس، مسوغ لرفع الأمر إلى “الاتحاد البرلماني الدولي” والشكوى به لديه، فيصبح الأمر محل دراسة وتدقيق ونقاش من طرف مكتب مجلس النواب “الموقر”، ليعرضه بعد ذلك على الجلسة العامة، ويصدر قراره ومن ثم يجيب طائعا صاغرا؟ أي معنى للخيانة  وما حدودها، أم أن دسترتها يطهرها من إثم المساءلة والتجريم؟

      هل أن توجيه حزمة مراسلات للاتحاد البرلماني الدولي، والاتحاد البرلماني الإفريقي، والاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة، ومنظمة صحفيون بلا حدود، ومنظمة العمل الدولية، واتحاد النقابات العالمي،  يقع ضمن الصراع السياسي بين الفرقاء السياسيين ومع الهيئات والمنظمات التي نختلف معها ويندرج ضمن النباهة الفكرية والحصافة السياسية، أم هو تجيير للعمالة، وتجريع للناس التبعية وتعويدهم عليها أليست هذه هي الخيانة عينها؟ أم أن هزم الخصوم السياسيين وتسجيل النقاط أمامهم يحل الحرام ويغير المفاهيم؟

      آخذنا بعضا من العسكريين الذين قعدت بهم هممهم حتى تعاملوا مع مهربين طمعا في مكاسب مادية، وحق ذلك لرؤسائهم بعد ثبوت الجرم، لكن من يسائل منظمات قيل عنها وطنية ومدنية، شُرًعَ لها دستورا وقانونا أن تتلقى أموالا تعد بملايين الدنانير، من جهات خارجية رسمية كوزارات الخارجية لدول استعمارية وسفاراتها ومنظمات عالمية آلت على نفسها توطئة البلدان والشعوب وتهيئتها لقبول أن تستعمر وتخضع للدول المنحة تحت عنوان الشفافية والعمل المدني؟ ما هو مقابل تلك الأموال وما الذي يرفع من تقارير وبيانات لمن مد يده بالمال؟  

      من يقدر على رفض قرار أو إجراء للفيفا أو المس من الأطر التي رضيت عنها ووجب تغييرها محليا،عدلا أو ظلما؟

    إن خلط المفاهيم وتعمد التضليل فيما تعلق بالشأن العام والنظر إليه وإدارته، مُحطم لمعنويات الناس، وباعث لليأس فيهم ومثبط للعزائم، وتعظم البلوى إذا اقترن الحال بفساد زاوية النظر إلى الحياة، ويستحيل الرجاء في التغيير الجدي والجذري إلى يأس قاتل مع وجود “قادة” ووسط سياسي يشكل في الحقيقة طابورا خامسا لقوى الهيمنة والاستعمار حين يحمل مفاهيم هذه القوى عن الحياة ويتخذ من مقاييسها وأفكارها قيادة وإدارة للحياة، فلا ينفع معها والحال تلك إلا كف أيدي من صار يرى في اتخاذ العدو مثالا وقدوة عن أن يكون له بالشأن العام صلة، عِلاوة عن أن يَحكُمَ في عِماد حِمَانا وأسّ صَرحِنا.

أ, عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى من الإعلاميين. هذه الطبقة ...
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
مقدمة نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية على مفاصل الدولة في العص...
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
أين الحكومة؟  هكذا تساءل "حمّادي الجبالي" بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية، في مشهد ينطوي على مفار...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
المصحّات الخاصة وصكوك حقّ الحياة
المصحّات الخاصة وصكوك حقّ الحياة

الخبر: طالبت النيابة العمومية بفتح بحث تحقيقي في حادثة رفض إحدى المصحات الخاصة بنابل استقبال ومعالجة القاضية سنية العريضي جرّاء...

Close