نزل نبأ سحب صندوق النقد الدولي بند مناقشة برنامج تونس “الإصلاحي” من جدول أعماله، حيث حيّن المجلس التنفيذي للصندوق، رزنامة اجتماعاته لدراسة ملفات الدول التي تسعى للحصول على قروض من الصندوق، في ختام السنة المالية الجارية، والمنشور على موقعه الإلكتروني، والذي لم يدرج ملف تونس ضمنه، نزول الصاعقة على الأوساط السياسية، والمالية والإعلامية في تونس، بعد أن كان من المقرر البحث يوم 19 ديسمبر في الالتماس الذي تقدمت به حكومة قيس سعيد، أي بعد يوم واحد من موعد إجراء الانتخابات التشريعية والتي يأمل قيس سعيد من وراء إجرائها إضفاء شرعية دولية على سلطته من جهة، وقطع الطريق على خصومه من جهة أخرى، وأن يفتح قبول المجلس التنفيذي للصندوق إنفاذ اتفاق خبرائه، يوم 15 أكتوبر 2022، مع تونس حول حزمة إنقاذ بقيمة 1.9 مليار دولار باب التمويلات الأجنبية لتغطية جزء من احتياجات ميزانية 2023.

     ففي حين تنعى الدوائر المؤيدة لتمشّي 25 جويلية، فشل ديبلوماسية قيس سعيد في التعاطي مع شروط صندوق النقد الدولي وبرنامج الإصلاح الذي يشترطه على البلاد حتى تُحظى برضا مجلسه التنفيذي، وأن وفد الحكومة الذي مثُل أمام “نيافة” هيئة المجلس جاء بميزانية غير جاهزة، ولا تتضمن الإصلاحات المطلوبة، وبذلك يكون قيس سعيد وفريقه قد فوّتا على تونس، بعدم الحصول على “حزمة الإنقاذ” والتي يرى هذا الفريق أنها كفيلة بإحداث الرجة الإيجابية لدى المقرضين لفتح باب للتمويلات الأجنبية، ويرون فيها فرصة استعادة استقرار الاقتصاد الكلي وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وعاملا مساعدا على فرض آلية المساواة الضريبية، حيث أن تطبيق قائمة الإصلاحات التي “تكرّم” بها صندوق النقد الدولي هي السبيل الوحيد إلى إيجاد النمو المرجو، وهي السبيل الوحيد لتوفير فرص العمل والحد من وطأة البطالة التي تهدد السلم المجتمعي.

         وفي حين لم يجد الرئيس الأمريكي متسعا من الوقت للاجتماع بقيس سعيد المتواجد بواشنطن للمشاركة في الدورة الثانية لقمة قادة الولايات المتحدة الأمريكية وإفريقيا، فكلف وزير خارجيته “أنتوني بلينكن”، في خرق فاضح للأعراف البروتوكولية، للاجتماع به، وهو الذي اتخذ من الارتباك الفاضح للحياة السياسية في تونس فرصة للتدخل المباشر في شؤون بلدنا، ومن تهافت القائمين على شؤونها على الدعم الخارجي أداة ضغط، لتبديد مخاوف “المانحين” بشأن الديمقراطية، وحرية التعبير، و”انشغال” الولايات المتحدة بمستقبل تونس، و”دعمها” القوي للاقتصاد التونسي والذي تعمّقت أزمته بسبب “الاعتداء الروسي على أوكرانيا”، وليس بسبب النظام الرأسمالي ذاته..فبعد أن أوصلت القوى الاستعمارية وأخطبوطها الذي تلتف أصابعه السامة حول رقبة كل من أسلم قياده لإرادتهم وبرامجهم، أوروبا التي تعتبر تونس ومنطقتنا كلها حديقتها الخلفية، أو أمريكا المستعمر الجديد الذي يتعاظم نهمه على مقدرات الشعوب والذي يرى أن المستعمر القديم قد شاخ وأن عليه أن يعترف بأحكام التاريخ وعليه أن يقبل بنتائجه، وأن أمريكا هي الأحق اليوم برسم الجغرافيا السياسية للعالم، وبتوزيع الأدوار على مختلف اللاعبين.

وإن المتابع للحياة السياسية في بلادنا، يجد أن مختلف الفرقاء ومهما اختلفت مواقعهم السياسية، فإنهم أجمعوا على أن لا مخرج لمعضلة البلاد الاقتصادية إلا بالتوجه إلى صندوق النقد الدولي وروشتاته، والوقوف على أبوابه لتسوّل لعاعة يمن بها عليهم كهنة معبدها، بعد أن رضي الجميع بوجهة النظر التي انبنت عليها جملة المؤسسات الناهبة لدماء الشعوب، فصل الدين عن الحياة

       فإذا كان رئيس الدولة يرى أن “بلاده لا يمكن أن تقبل بـ”حلول مفروضة”، وأن “إيجاد حلول لمشاكل تونس لا يمكن أن يتم فقط من خلال الأرقام”، وأنه “لا يمكن لأيّ طرف أجنبي أن يفرض علينا حلوله أو بدائله الخاصة بمشاكلنا “، فإنه لا يمكن فهم هذا الموقف وحكومته هي التي انفردت برسم فصول برنامج الإصلاحات وهي التي اختلت بالفريق المفاوض لصندوق النقد الدولي، إلا في إطار المزايدة الداخلية والحال أن ٍرهان الانتخابات التشريعية تحتل الأولوية على جدول أوقات قيس سعيد فاحتاج إلى مناورة سياسية قد لا تكون الجهات المانحة في منأى عن هذا المكر، خاصة وأن تأخير موازنة أهل تونس لا يعني لهم الكثير. فانتظار نتائج مسرحية الانتخابات التشريعية، قد يدعم المواقف، خاصة وأن التفويت في المؤسسات العمومية، تسيل كثيرا من اللعاب فلا يضير أن يُغالى في مهرها…

     وأما معارضي سلطة الأمر الرئاسي عدد 117 والمتعلق بالتدابير الاستثنائية، فإنهم لا يرون في ارتماء حكومة الرئيس في أحضان صندوق النقد الدولي، ولا في ضغوط الصندوق وتمنّعه عن تقديم بعض ما قد يرونه هم إصلاحا لما أفسدته السياسة المالية للنظام الذي ارتضوه بديلا عن النظام الذي ينبثق عن عقيدة أهل تونس، فلم يروا في سياسة الاستعمار والمستعمرين من ضرر علينا وعلى الناس وإنما الخطأ عندهم، وكل الخطإ، في كونهم لم يُشرَكُوا في الأمر، وفي “الانقسام السياسي الحاد الذي تشهده تونس منذ انقلاب جويلية”، و”غياب التشاركية مع الأطراف الاجتماعية”، و”الانفرادية في تناول الملف الاقتصادي”.

” أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا “

 إن الإصرار على العمى، والتمادي في إنكار الحقائق الدامغة لا يزيد الأمر إلا سوءا. فالحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن ما ينوء به أهلنا في تونس وفي سائر بلاد الإسلام، بل وفي سائر المعمورة، أن ضنك العيش الذي تعانيه البشرية ليست قضية اقتصادية، ولا هي قضية شعب دون آخر، بل المسألة، هي قضية الإنسان من حيث هو إنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب، وعلاج أدوائه علاج مبدئي، لا يكون إلا بما ارتضاه له خالقه. ومضت سنة الله في خلقه أن يرسل الرسل مبشرين ومنذرين رحمة للعالمين، يدفع الله عن خلقه، بمن أسلم له وجهه ورضي بشرعه وسننه في خلقه: (ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (251) ـ البقرة ـ فالقضية اليوم قضية صراع حضاري تحوّز قصب السبق فيه اليوم، حضارة شاذة تتبناها دول، شقي الإنسان بها حين طغى سلطانها عليه، وتجاهدها وتعمل على قطع دابرها وتخليص الإنسان من شرها، عقيدة لا إلاه إلا الله محمد رسول الله، والحضارة المنبثقة عنها، تحت ظل دولتها، دولة الخلافة على منهاج النبوة . فمن صدق في دعوى دفع الأذى عن قومه، فلا تكون وجهته أحضان العدو، ولا يكون سلاحه إلا عبوديته لله رب العلمين، وأي جهد على غير هذا النهج هدر للطاقة وإضاعة للوقت ولن تكون له نتيجة، ولا يتحقق به رجاء.


x

Related Posts

مغالطات سياسيّة يصرّح بها الرئيس إثر مقاطعة الناس لمهزلة الانتخابات التشريعيّة
أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الدورة الثانية للانتخابات النيابية التي جرت الأحد 29 كاون الثاني/يناير 2023 بلغت 1...
البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
جريدة التحرير