Welcome to جريدة التحرير- تونس   Click to listen highlighted text! Welcome to جريدة التحرير- تونس
التّعليم في تونس ومأزق الخرّيجين وأصحاب الشّهائد العليا
التّعليم في تونس ومأزق الخرّيجين وأصحاب الشّهائد العليا

التّعليم في تونس ومأزق الخرّيجين وأصحاب الشّهائد العليا

حدّث أبو ذرّ التونسي قال: في توارد للخواطر مع موضوع الأسبوع الفارط أودّ أن أتناول في هذه المقالة مسألة ملتبسة بنزيف العقول والكفاءات متداخلة معه في علاقة سببيّة تلازميّة بحيث تؤشّر عليه وتفضي إليه في الغالب الأعمّ، ألا وهي كثرة النّاجحين وخرّيجي الجامعات والحائزين على الشّهائد العلميّة: فمن يقل هجرة الكفاءات يقل بالضّرورة كثرة الكفاءات وامتهانها وفقدانها لقيمتها الأكاديميّة وتحوُّلها إلى بضاعة مهرّبة في سوق النّخاسة العالميّة السّوداء لمن يدفع أكثر…فمن المفارقات العجيبة والغريبة التي (يُعاني) منها التّعليم في تونس وتنوء بحملها منظومتنا التربويّة، هذه الطّفرة في نسب النّجاح والتخرّج والجرعة الزّائدة لحملة الشّهائد الجامعيّة العليا في مختلف التخصّصات: فقد أضحَوا عبءًا على الدّولة يُثقل كاهلها ويرهق ميزانيّتها، ممّا اضطرّها إلى وضع سياسة تعليميّة (تُفرملُ) هذا الانفجار الدّيموغرافي للأدمغة والعقول، وتُحدّدُ نسبًا معيّنة للنّجاح لا تتعدّاهَا وسقفًا معلومًا للتّوظيف لا تتجاوزُه ـ بصرف النّظر عن الكيف والمستوى ـ عَساها تتمكّنُ من استيعاب هذا الكمّ الهائل من الخرّيجين المتحمّسين المطالبين بحقّهم في العمل ولقمة العيش الكريمة…

منطق مقلوب

هذه الوضعيّة المخالفة للمعلوم من المنطق بالضّرورة وللسّائد في التّعليم بالبداهة تُحدث لدينا انقلابًا كليًّا في سلّم القيم: فالأصل في وفرة حملة الشّهائد العليا أنّها ظاهرة صحيّة إيجابيّة سواء على مستوى الفرد أم الجماعة أم الدّولة، لكن ما راعنا في التّجربة التّونسية إلاّ والنّجاح يصبح مؤشّرًا على الفشل، والإيجابي يستحيل مُكرّسًا للسّلبي…وتتعمّق المفارقة في هذا البلد الذي يُعدُّ فيه الإفراط في التّفكير جريمة يُعاقب عليها القانون: إذ فشل هذا الفائض في الأدمغة والعقول والتضخّم في خرّيجي الجامعات ـ فشلاً ذريعًا ـ في إنهاض المجتمع والارتقاء بتونس إلى مصافّ الدّول المتقدّمة…فهذه (الطّهمة والصّابة) في الكفاءات والشّهائد العُليا ارتدّت (زمّة وعجرودة) على مستوى النّهضة والتقدّم والرُّقي وضغثا على إبّالة المجتمع التّونسي زادت طين تخلُّفه وتبعيّته وانحطاطهِ بِلّةً…هذا رغم أن الكفاءات التّونسيّة (الزّائدة عن النّصاب) والعاقر في الدّاخل، تَبيَّن أنّها خصبة في الخارج مطلوبة بإلحاح، تُقرصَنُ وتُحوَّلُ وجهتها يوميًّا إلى أكثر الدّول الغربيّة تقدُّمًا لتكون وقودًا لازدهارها ونهضتها…

رصد الظّاهرة

قبل الانطلاق في حلّ لغز هذه المفارقة والنّبش في أسبابها ومآلاتها وحلولها، من المفيد للبحث أن نستنطق الأرقام ونُسائل النّسب، فهي ناطقة بنفسها ومُعبّرة بوضوح عن مأزق قطاع التّعليم وأزمة الخرّيجين وحملة الشّهائد العليا: فتلك الأرقام تعكس نسبًا تساوي ـ بل تتجاوز أحيانًا ـ نظيرتها المسجّلة في أكثر بلدان العالم تقدّمًا ورُقيًّا…فنسبة التّمدرس في تونس أوروبيّة بامتياز، فهي تُراوح بين (98/99%) بحيث ليس بالإمكان أفضل ممّا كان…ونسبة النّجاح في السّنوات النّهائيّة تُقارب 85% ، وهي جديرة بالمعاهد النّموذجيّة الأوربية…كما تُعدّ مؤسّسات التعليم العالي التّونسيّة وَلودًا خصبة بحيث تضخُّ في سوق الشّغل سنويًّا ما يُناهز 100 ألف خرّيج مُزوّدين بأرقى الشّهائد العلميّة في شتّى الاختصاصات، لكن عوض أن تعود بالخير والنّفع العميم على البلد وأهله كما يفترض منها، إذا بها تتحوّل إلى قنابل موقوتة تُؤرّق الدّولة وتهزّ استقرارها وتُهدّد مستقبلها وذلك مكمن المفارقة…ففي مقابل خصوبة جامعاتنا المفرطة فإنّ سوق الشّغل في تونس عاقر عقيم ترزح تحت ثقل أفواج المعطّلين المتراكمين فيها سنة بعد أخرى: فكما أنّ نسب التخرّج عالية فكذلك نسب البطالة بين حاملي الشّهادات العليا، إذ بلغت سنة 2017 ربع مليون خرّيج عاطل مُوزّعين حسب الاختصاصات التّالية (45 ألف تقني سامٍ ـ 40 ألف مجاز في الإنسانيّات ـ 45 ألف مجاز في الحقوق والاقتصاد ـ 40  ألف مجاز في العلوم الصّحيحة ـ 45 ألف مجاز في الطبّ والصّيدلة والهندسة ـ 35 ألف مجاز في تخصّصات أخرى) وهي أرقام مهولة كفيلة لوحدها بتطوير العالم العربي برُمّته لو توفّرت لها القيادة الرّشيدة التي تحتضنها وتُسخّرها لمصلحة الأمّة…وحسبُنا فيما يلي أن نقف على جذور ظاهرة (الكثرة وقلّة البركة) ونفسّر فشلها في الرُّقيّ بالمجتمع التّونسي وإنهاضِه…

تعليم استعماري

إنّ أوّل الأسباب المكرّسة لظاهرة الطّفرة في حاملي الشّهائد العليا ـ وأهمّها ـ مرتبط أساسًا بطبيعة المنظومة التّربوية التونسيّة في علاقتها بالكافر المستعمر ومشاريعه الهدّامة المستهدفة للشّعب التونسي عقيدةً وثقافةً ومقدّرات: فالتّعليم في تونس كما في سائر العالم الإسلامي ليس تعليمًا سياديًّا مُستندًا إلى عقيدة الأمّة يهدف إلى إرساء الشّخصية الإسلاميّة في المتلقّي وتزويدها بالمهارات التي تُمكّنها من حسن استغلال محيطها بما يؤدّي إلى نهضة المجتمع والدّولة…بل هو على العكس تمامًا، تعليم تبعيّة واستعمار ومسخ ومحاربة لله ورسوله، مُسخّرٌ ـ مضمونًا ومناهج وأهدافا ـ لطمس معالم هويّة الشّعب وبتره عن جذوره الحضاريّة وترسيخ الثّقافة الغربيّة وإفراغ النّاشئة من (السّميق) العقائدي المتوارث وتوظيفهم لإحكام السّيطرة على البلاد والعباد والمقدّرات…وهو بهذا الشّكل ليس مظنّة النّهضة والتقدّم والرُّقي بقدر ما هو معدن التّبعية والتخلّف والانحطاط، ولا عجب في ذلك، فهو امتداد للتّعليم الاستعماري الذي أرساه سنة 1883 الفرنسي (لويس ماشويل) …من هذا المنطلق حرص الكافر المستعمر بعد مسرحيّة الاستقلال على تكريس هكذا تعليم ونشره على كافّة شرائح الشّعب التونسي (تعميمًا للفائدة)، وقد أوكل هذه المهمّة القذرة لخادمه المطيع (بورقيبة) الذي انخرط فيها (بقلب بربّ) وسخّر موارد الدّولة لإنجازها: فأرسى بنية تحتيّة حديثة وعمّمها على المدن والبوادي والجبال النّائية وجهّزها أفضل تجهيز واستدرج لها سواد النّاس بجميع وسائل الإغراء، حتّى أنّه وفّر الأدوات المدرسيّة والملابس والأحذية بل والأكل للدّارسين (كُنتيلاَ)… فكانت نسبة التّمدرس في تونس منذ الاستقلال من أعلى النّسب في العالمين العربي والإسلامي…وقد تدعّم هذا التمشّي المستهدف للثّقافة الإسلاميّة والمُكرّس للحضارة الغربيّة بفرض إجباريّة (التّعليم المختلط) إلى حدود ختم التّعليم الأساسي، بحيث يضمن الكافر المستعمر حدًّا أدنى من التمييع لناشئة المسلمين والتسميم لأفكارهم وتشكيكهم في عقيدتهم وتحييدهم عن صراعها مع الأمّة الإسلاميّة…هذه هي (اللّوبانة) التي ما فتئ (المجاهد الأكبر) يلوكها ويتشدّق بها ويتبجّح صباح مساء: فحِرصُه على نشر التّعليم وإجباريّته لم تكن حُبًّا في الشّعب التّونسي أو رغبةً في تطويره والنّهوض به بقدر ما كان التزامًا حرفيًّا بأوامر أسياده ومحاربةً منه ومنهم لله ورسوله…وقد آتت هذه السّياسة ثمارها المسمومة على أحسن وجه، ولكنّها في المقابل أفرزت جرعة زائدة من حملة الشّهائد العلميّة الجوفاء…ولو تركَنا بورقيبة على جهلنا وتخلًّفنا وتسلّحنا بإيمان العجائز لكان أفضل لنا وأحفظ لعقيدتنا وهويّتنا…

العلم للوظيفة

ثاني الأسباب المُكرّسة لظاهرة التضخّم في حملة الشّهائد العُليا مرتبط بطبيعة الشّعب التّونسي في علاقته بالتّعليم عمومًا: فهذا الشّعب ذو الأصول المتواضعة التي تغلب عليها البداوة والفقر في الغالب الأعمّ، اكتشف بعد المجهودات البورقيبيّة الجبّارة أنّه لا مندوحة له من التشبّث بتلابيب التّعليم لتحسين وضعيّته الماديّة والاجتماعيّة…فالشّهائد العلميّة في تونس كانت بمثابة (حمار الفقراء القصير) الذي يفتح لهم الباب على مصراعيه أمام التدرّج في السُلّم العلمي والترقّي في المرتبة الاجتماعيّة…هذه العقليّة التّواكُليّة في التّعامل مع التّعليم التي استشرت بين التلاميذ والأولياء على حدّ السّواء، كانت أيضًا ثمرة لسياسة ارتجاليّة مغلوطة انتهجتها السّلطة فجر(الاستقلال) ثمّ أضحت تتخبّط للانفكاك منها دون جدوى، وتتمثّل في الرّبط الآلي بين الدّراسة والوظيفة والتّكوين والتّشغيل…وهي سياسة كانت مجدية ومبرّرة في مرحلة تأسيس الدّولة في ظلّ الفراغ المؤسّساتي وقلّة الكوادر وندرة الكفاءات، إلاّ أنّها بمرور الزّمن وتحقُّق الاكتفاء الذّاتي والاستعاضة عن الكمّ بالكيف، أضحت عبءًا ثقيلاً على كاهل الدّولة ومأزقًا حادًّا يعسُر الخروج منه: فقد كرّست نظرة مصلحيّة منفعيّة براجماتيّة للعمليّة التّربوية وعقليّةً أنانيّةً تواكُليّة شعارها (العلم من أجل العمل والشّهادة من أجل المنصب) بصرف النّظر عن النّهضة والرُّقي والشّخصيّة الإسلاميّة…وقد أفضى ذلك أيضًا إلى جرعة زائدة من حملة الشّهائد الجوفاء ـ أساتذة ومعلّمين وأطبّاء ومحامين ومهندسين ودكاترة وخبراء في شتّى الاختصاصات ـ فاقت احتياجات الدّولة وأثقلت كاهل الوظيفة العموميّة وأزمة منظومة التّأمين…ثمّ سرعان ما ألقت بظلالها وضلالها على العمليّة التّربوية نفسها في شكل حلول ارتجاليّة ظرفيّة آنيّة ومخارج جانبيّة تؤجّل المشكلة وتؤخّرها دون أن تحُلّها، وذلك عبر إطالة أمد الدّراسة أكثر ما يمكن والإكثار من العراقيل والعقبات أمام التخرّج والشُّغل…فتضخُّم المقرّر الدّراسي وتضاعفت قائمة الامتحانات والمناظرات (الكاباس…) وظهرت شعب ما أنزل الله بها من سلطان لتصريف الفائض من الطّلبة (تربية الحلزون ـ رياض الأطفال…) وكثُرت الشّهائد الجوفاء الفاقدة للقيمة العلميّة (نظام أمد)، وكُلّما تميّعت شهادة تشبّث الطّلبة بالتي تليها (الباك ـ الأستاذيّة ـ الكاباس ـ التّبريز ـ الماجستير ـ الدّكتوراه…) بحيث يُفني الطّالب زهرة شبابه في التّعلم قبل أن ينضمّ إلى صفوف المعطّلين عن العمل أو يضطرّ لإخفاء شهائده العليا للمشاركة في مناظرة للقيّمين أو الإداريّين الصّغار، هذا إن لم يكتف بفتح (حانوت حمّاص) يسترزق منهُ…

بسام فرحات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

هل يمكّن "نظام العتبة" أحزاب السلطة من خدمة المستعمر
       أقرّت لجنة النظام الداخلي والقوانين والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية بالبرلمان لدى اجتماعها الخميس 15 نوفمبر 2018 للتصوي...
هل عادت الأعمال الإرهابية مع السنة الانتخابية ؟
        يبدو ان تونس دخلت مبكرا في الأجواء الانتخابية قبل بداية  السنة الإدارية الجديدة, كما يظهر ان "بارونات السياسة" بدؤوا بتحريك بعض الدمى في ...
كفاكم استغباء للناس... فمن المستفيد من الإرهاب؟!
منذ الدقائق الأولى لوقوع عمليّة التفجير التي استهدفت يوم الاثنين دوريّة الأمن وسط العاصمة وقبل انتظار أي تحقيق لمعرفة دوافعها ومن يقف وراءها، انخ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تقرير أمريكي يؤكد وجود قاعدة عسكرية أمريكية في تونس ومركز تدريب

نشر موقع شبكة الإعلام الأمريكية تقريرا صادرا عن معهد أمريكي نشر خارطة الانتشار العسكري الأمريكي في افريقيا. ووفق الخارطة تظهر...

Close
Click to listen highlighted text!