الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟

الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟

يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا الفقراء والعمال اليوميون بسبب توقفهم عن العمل, ونسبة هامة من الموظفين ذوي الرواتب في المهن الحرة، إذ تقر دراسة أجراها المعهد الوطني للإحصاء أن 63% من العائلات التونسية تعتبر نفسها متضررة من الحجر الصحي الشامل الذي دام 45 يوما منذ مارس 2020.

كذلك يثير الحجر الصحي الشامل نقاشا بين الخبراء والأكاديميين في مجالي الصحة والإقتصاد بين من يراه ضرورة صحية للتصدي للجائحة ومن يراه عائقا إقتصاديا للدولة ومن يرى ضرورة التوجه نحو تخفيف الحجر حتى تتحقق مقاربة عادلة بين الجانبين الصحي والإقتصادي. إلا أن فكرة الحجر الشامل في حد ذاتها لم تستند مسبقا إلى نقاش أكاديمي مكشوف لعامة الناس في تونس قبل أن تُصبح الفكرة إجراء قانونيا، كما أن قانون الحجر الشامل لم يستند إلى نقاش بين عموم السياسيين في تونس قبل تطبيقه على أرض الواقع.. لذلك بامكاننا أن نعتبر فكرة الحجر الصحي الشامل في تونس فكرة من دون طرح فكري سابق أو تمثيل سياسي جدي سابق قبل تطبيقه أول مرة في تونس.. ولعل ما جعل عموم التونسيين يقبلون في بداية الأمر بفكرة الحجر الشامل -ولو على مضض- هو عامل الهلع والخوف من الجائحة التي أصابت العالم بأكمله، هذا وإن تم تنسيب فكرة الحجر الشامل فيما بعد إلى مبررات علمية أكاديمية تخص مجال الطب.

فهل نستطيع أن نقول أن الحجر الصحي الشامل هو إجراء صحي؟

لا شك أن الحجر الشامل يساهم بصفة مباشرة في انخفاض انتشار العدوى بغض النظر عن منافع ومضار هذا الإجراء لأنه يعزل أغلب الناس عن بعضهم البعض، فمثلا بخصوص جائحة كورونا وحسب مصدر “المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة بتونس” تم تسجيل انخفاض ملحوظ لِ”معدل التكاثر الأساسي لفيروس كورونا” R0 من 3,06 قبل تاريخ 18 مارس إلى 0,85 بعد تاريخ تطبيق الحجر الشامل، ولا شك أيضا من وجود مقترحات سياسية أخرى أقل تطرفا من فكرة الحجر الشامل أو فكرة حضر التجول ومقترحات من شأنها التخفيض من انتشار العدوى، خاصة وأننا نعاين استحالة تطبيق الحجر الشامل بصفة جدية في تونس بما في ذلك اكتضاض الأسواق ووسائل النقل التي شاهدناها رغم اتخاذ السلطة قرار الحجر الشامل. وما يثير إنتباهنا بخصوص السلطة التونسية في هذا السياق أنها تنسب خطورة الوضع الصحي الحالي إلى سلوك المجتمع التونسي تجاه الإجراءات الصحية فتتبرأ السلطة من أي اتهام أو تقصير في حق التونسيين، ففي الندوة الصحفية التي انعقدت يوم الثلاثاء الفارط المقابل ل 12 جانفي 2021 وصف وزير الصحة الوضع الصحي الحالي في تونس بالوضع “الدقيق والخطير” ووصف المرحلة الحالية بمرحلة “عدوى كبيرة” معلنا أن العدد الجملي للإصابات المسجلة بفيروس كورونا في تونس تجاوز 160 ألف مع تسجيل 20 ألف حالة منذ بداية الشهر الجاري، ثم أشار الوزير إلى أن ارتفاع عدد الإصابات إلى هذا الحد “لم يكن مفاجئة” بل اعتبره متطابقا مع توقعات السلطة وحسب نظرها هو ارتفاع ناتج عن عدم تطبيق الإجراءات الصحية التي اتخذتها السلطة للتصدي للجائحة مشيرا ضمنيا إلى تقصير الناس في احترام تلك الإجراءات الصحية، فيتم الإعلان في نفس الندوة عن فرض حجر صحي شامل على كامل تراب تونس لمدة أربعة أيام على الأقل إبتداء من يوم 14 جانفي مع التنصيص على جملة من إجراءات أخرى.. هو أمرٌ في غاية الأهمية أن نفهم خطاب السلطة التونسية للتونسيين لأن السلطة هنا تتهم الشعب بالتقصير, والحقيقة أن نظام الدولة هو أول مقصر في حق الجميع خصوصا في هذه الفترة الأخيرة وهذا الظرف الحساس، فلا يغيب عن المتابع للشأن العام أن النظام السياسي هو الطرف الأساسي الذي ساهم في انتشار الجائحة بعد قرار إعادة فتح الحدود الجغرافية يوم 27 جوان 2020 مع عدم فرض عزل وقتي على بعض المسافرين وعدم فحص بعض المسافرين بتحاليل للكشف عن الفيروس، فلا يقول القارئ الكريم هنا أن الحكومة طلبت من المسافرين شهادات فحوصية من مخابر تنتمي إلى البلدان المودعة لأن مصداقية تلك الشهادات المكتوبة مشكوك فيها على الأقل نظرا لإمكانية تدليسها أو إمكانية الحصول عليها برشوة. لكنه كان الأجدر على السلطة التونسية أن تتخذ إجراءات أكثر جدية وأكثر فاعلية في هذا الظرف، ولعل أبرز إجراء قصرت فيه السلطة تجاه التونسيين هو إجراء عزل المرضى بفيروس كورونا المستجد, والحال أن المرضى بكورونا في أقسام الكوفيد غير معزولين حقيقة نظرا لأن بعض الأطباء والممرضين الذين يعملون في أقسام الكوفيد يعملون في نفس الفترة في أقسام طبية أخرى فيها مرضى آخرين غير مصابين بالفيروس، ولأنهم مطالبون بمواصلة العمل في تلك الأقسام مباشرة بعد يوم أو يومين من عملهم في أقسام الكوفيد، كما أنهم يذهبون إلى منازلهم ويحتكون بعائلاتهم في نفس الفترة نظرا لأن الدولة لا توفر لهم سكنا خاصا كي يعزلوا أنفسهم وكل ذلك مع عدم فحص بعضهم بتحاليل الكشف عن الفيروس بعد عملهم في قسم الكوفيد.. فقد كشفت الإحصائيات بتاريخ 18 ماي 2020 أن 13% من الإصابات المسجلة بفيروس كورونا في تونس كانوا من الأطباء والممرضين.

فكيف يتم عزل المرضى بفيروس كورونا دون عزل من يباشرونهم عن قرب لمدة ساعات متتالية كالأطباء والممرضين؟ فالحكومة التونسية إذا تتهرب من الإعتراف بحقيقة تقصيرها وحتى تبرئ نفسها تتهم الشعب ثم تعزله بالحجر الشامل وكأنها تعاقبه, أليس هذا عين التطرف؟

الحجر الصحي الذي يعزل الأصحاء في بيوتهم هو إجراء سياسي غير مسبوق في تاريخ الإنسان خضع له مئات الملايين من الناس، مما أدى إلى توقف حياتهم وشل الحركة الإقتصادية. فرغم أن هذا الإجراء المتشدد من شأنه أن يحد من انتشار فيروس كورونا الذي أسفر عن وفاة ما يقارب مليوني إنسان حول العالم, فإن الحجر الشامل يضل إجراء لا يحل المشكل بل يساهم في ظهور مشاكل أخرى أكثر تعقيدا من الجانب الإقتصادي والإجتماعي وحتى من الجانب الصحي. فما البديل؟ العلاج الصحيح لهذا الظرف الوبائي هو كما بينه شرع رب العالمين: روى البخاري في صحيحه أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا»، وفي حديث آخر عند مسلم أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ». فلذلك يجب على الدولة التي تحكم بالإسلام أن تتقصى أماكن انتشار العدوى وتسعى لحصر الوباء في مناطق ظهوره بإبقاء سكانها فيها مع الحجر على المرضى دون الحجر على الأصحاء، ولا يدخلون المناطق الموبوءة سكانٌ آخرون من داخل تونس أو من خارجها، وتبقى المناطق الغير موبوءة على حالتها الطبيعية دون عزل سكانها في بيوتهم .. ذلك النوع من الحجر الصحي المطلوب شرعا. كما أن الدولة التي تحكم بالإسلام تقيم المستشفيات والمختبرات وتتبنى سياسة ابتكار الأدوية واللقاحات وتسعى لتوفيرها مجانا لرعاياها عند انتشار الأوبئة المعدية أو في الحالات الطبيعية. اللهم ارزقنا بالخلافة الراشدة.

كتبه مراد معالج، طبيب مقيم، وعضو حزب التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس من عزّ الخلافة إلى ذلّ الوطنيّة والنّظام الجمهوري
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجيوش الفرنسيّة قد احتلّت تونس سنة 1881 بوصفها إيالة عثمانيّة أي ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلاميّة ،وقد ظلّت طيلة فترة ال...
مقاطعة الإعلام لحزب التحرير.. من أعطى الأمر ولماذا؟
منذ أن قالها الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي في مجلس أمنه ساخطًا متسائلاً محرضا على حزب التحرير: "ماذا نفعل في مواجهة حزب التحرير؟ هل من...
تسألون عن الحل! الحل معلوم غير مجهول، مسطور في كتاب الله وسنّة رسوله فماذا تنتظرون؟
تحوّل الأمر في تونس من العبث إلى التهريج، بل الهرج والتهارج، طبقة سياسيّة تحت خطّ العقل، لا تحسن إلا الانبطاح للأوروبيين، وفي سبيل ذلك يتخاصمون و...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة

بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع...

Close