الحكومة, المعارضة واتحاد الشغل: الشركاء المتشاكسون

الحكومة, المعارضة واتحاد الشغل: الشركاء المتشاكسون

قبل هروب “بن علي” كان اللون البنفسجي هو المهيمن على الحياة السياسية في تونس وكانت الجوقة “النوفمبرية” تحتكر العزف ولا يمكن لغيرها أن يصدر صوتا ولو همسا. الجميع في تناغم وانسجام, حكومة ومعارضة واتحاد الشغل. فالمعارضة كانت تعلن مساندتها ل “بن علي” ولا تعارض إلا نفسها,  والاتحاد العام للشغل جند كل طاقاته وإمكانياته لمساندة المخلوع والإشادة بإنجازاته ومناشدته لتمديد إقامته بقصر الرئاسة وقيادة البلاد لأطول فترة ممكنة. لم يكن هنالك في تلك الحقبة ما يعكر صفو الحكومة ما دام الجميع ينال نصيبه من الكعكة حكومة ومعارضة واتحاد الشغل.. والاهم من هذا, النظام الديمقراطي غير مهدد ف”بن علي” لم يدخر أدنى جهد في الذود عن دولة الحداثة ومحاربة الإسلام وخدمة المسؤول الكبير فذاك كان ديدن الجميع ولا فرق بين من في الحكم ومن خارجه، وبهبوب رياح الثورة اهتز بنيان النظام الديمقراطي وتصدعت جدران المعبد وأصبحت الدولة التي وضع لبنتها “بورقيبة” في مرمى وعي الناس, ولاحت في الأفق بوادر تغيير النظام، وهذا يعني  ذهاب ريح شركاء الأمس وتلاشي مصالحهم مما دعاهم إلى إعادة الانتشار وتبديل المواقع كي لا تضيع المغانم من أيديهم,  فتبرؤا من “بن علي” وجرائمه, وركبوا قطار الثورة وانحازوا ظاهريا للشعب.

هذا بالنسبة لشركاء “بن علي” أما الذين حرموا من لذائذ السلطة قبل الثورة رغم انتمائهم لمعبد الديمقراطية فقد استفادوا من رفضهم الشكلي لسياسة “بن علي” فاستحوذوا على ثقة الناس وانتقلت السلطة إلى مرابضهم وأصبحوا شركاء لأعداء الأمس وفي الوقت نفسه منافسين على نيل المغانم ومتصارعين جدد على تحقيق المصالح والمكاسب التي تختلف باختلاف جنسية المسؤول الكبير والقوة الاستعمارية التي يمثلها. فقادة الاتحاد العام للشغل كانوا زمن حكم “بن علي” يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان نتيجة موالاتهم له, فلم يكونوا في حاجة ليزايدوا عليه بمعاناة الناس وعذابهم فهم وقتها في غنى عن الاحتجاجات والإضرابات وتعطيل الإنتاج في القطاعات الحيوية كالفسفاط ونحوه حيث يكفي عقد تجمع يشيد فيه الأمين العام للاتحاد بالمكاسب والانجازات التي تحققت بعد السابع من نوفمبر حتى تنهمر عطايا “بن علي” على قيادة الاتحاد من كل صوب, وبما أن ذلك العهد ولى وانقضى لم يعد المديح يمكّن من جني العنب, غيّر اتحاد الشغل وجهته نحو الأوضاع الكارثية التي تعيشها البلاد وكانت تعيشها زمن “بن علي” ليضغط بها على الحكومة ويجبرها على تنازلات تعود على أعضائه ونقاباته بالنفع, هذا دون المساس بمركز الشراكة وهو مدنية الدولة وعلمانيتها. فلما يئس الناس من جدوى هذه الدولة ونظامها بعد تواتر فشل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة رغم تعدد الوجوه وتنوعها ولما ضاق على كهنة الديمقراطية هامش المناورة بل انعدم أو يكاد وجد “الباجي قائد السبسي” ضالته في اتحاد الشغل وكانوا له وللمسؤول الكبير يدعون انتشلت النظام الديمقراطي من التلاشي حين شاركوه في حركته البهلوانية والمتمثلة في مبادرته المسماة ب ” حكومة الوحدة الوطنية” وكان اتحاد الشغل أحد الأضلع الأربعة الراعية للحوار, وجيء بحكومة رئيسها الموظف السابق بالسفارة الأمريكية بتونس “يوسف الشاهد” وانطلت الحيلة على الناس وضنوا أن تلك الحكومة هي المنقذة للعباد وللبلاد, وحين استتب الأمر ومرت العاصفة عاد الاتحاد لمزايداته  مطالبا بإسقاط حكومة “الشاهد” وكأنه لم يساهم وبقسط كبير في قدومها. المشهد نفسه تكرر مع أحداث الكامور حين احتدمت احتجاجات المعطلين في مدينة تطاوين وارتفع سقف مطالبهم ليبلغ حد المطالبة بحقهم في الثروات المنهوبة من قبل الشركات الأجنبية المنتصبة هناك مما وضع الحكومة في مأزق، أنقذها منه اتحاد الشغل بمبادرة أطلقها أمينه العام “نور الدين الطبوبي” والتي تضمنت تشغيل فرد من عائلة الفقيد أنور السكرافي” إضافة إلى عدم تتبع المعتصمين في الكامور وفي كل أنحاء الولاية وقبول 64 نقطة التي أعلن عنها “يوسف الشاهد” لفائدة ولاية تطاوين ثم وقع تخدير المحتجين بإبرام اتفاق مع الحكومة ضمِن اتحاد الشغل تنفيذه اتفاقٍ تنصلت منه الحكومة السابقة والحالية مما أشعل فتيل الاحتجاجات مؤخرا وأجبر الاتحاد على ركوب الحدث كعادته بإعلانه عن إضراب عام بتطاوين في محاولة منه لامتصاص غضب الأهالي وتخفيف الضغط عن الحكومة والمزايدة عليها في الآن نفسه وظهوره بمظهر المنحاز لمطالب الناس.

هذا ولا يختلف الحال مع ما يسمون بالمعارضة فهم شركاء  الحكومة في دفاعهم المحموم عن النظام الديمقراطي الرأسمالي وصدهم للإسلام وأحكامه, وفي المقابل يشاكسونها إذا تضاربت مصالحهم مع مصالح أعضائها, فولاؤهم أولا للمعبد وثانيا للمصالح الحزبية والشخصية وهذا هو المجال المسموح فيه للتصارع والتطاحن. فخدمة المعبد تجمعهم والأطماع الحزبية والشخصية تفرقهم, يتشاكسون في ما بينهم  ويزايد كل طرف على الآخر, والسلاح المرفوع من هذا الحزب أو ذاك هو فقر وجوع وبؤس الآلاف ممن سحقتهم مطحنة هذا النظام الذي تذود عنه الحكومة ومن يعارضها والمنظمات الرافعة لواء الدفاع عن المسحوقين زورا وبهتانا بزعامة الاتحاد العام التونسي للشغل.

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس... إلى أين؟
منذ هروب الرئيس المخلوع عمل رجال الأعمال الفاسدون ومصّاصو دماء الشعب القدامى على تحصين أنفسهم من خلال انخراطهم في المشهد السياسي الجديد حتى باتوا...
المال السياسي القذر الذي أفسد الحياة السياسية والإعلامية في تونس
في إطار الحديث عن الصعوبات المالية التي يعيشها الإعلاميون، قال الإعلامي برهان بسيس منذ أسبوع في مداخلة له على أمواج إذاعة اي اف ام في برنامج "راف...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
قراءة وتنزيل العدد 298 من جريدة التحرير

Close