الحوار الوطني.. طاولة الفاشلين والمرتهنين للتجَمّلِ بالكذب من جديد

الحوار الوطني.. طاولة الفاشلين والمرتهنين للتجَمّلِ بالكذب من جديد

   أي رجاء ينتظره عاقل بعد اليوم من منظومة سياسية يعترف رأس النظام فيها بأنها “هي نفسها لم تتغير وهي كجائحة كورونا تطورت وأنتجت سلالة جديدة”؟ يأتي إقرار قيس سعيد واعترافه هذا، بهذه الطامة، في مناسبة كان يفترض في عُرف زمنهم السياسي هذا أن تكون مناسبة بارقة أمل وقبضة نور تُهدى إلى أسرى يرنون إلى ساعة فرج وانعتاق على يد من انتخبوه

    تشي غربة رئيس الدولة بين هذه المنظومة السياسية والتي عبر عنها بكونه صار “يشعر أنه من كوكب آخر حين استمع إلى المغالطات والافتراءات ومع ذلك بقي صامدا بالرغم من الشعور المستمر بالألم وازدياد الوضع تعقيدا مع التلاسن وأحداث العنف في قصر باردو عن عدم إدراك وتقدير لعبقريته السياسية فضاعت بين “جَهَلةٍ ” ومتآمرين وتعطلت مبادراته السياسية الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها والوصول بها إلى بر الأمان

   فلولا أن الصلاحيات السياسية التي منحه إياها النظام السياسي المعتمد دستوريا كانت قاصرة فأعاقته عن تقديم مبادراته التشريعية، لكانت مبادرته المبشرة بإنشاء مؤسسة “فداء” الخاصة بعائلات الشهداء والجرحى من العسكريين والأمنيين وعائلات جرحى الثورة أو المبادرة التشريعية الأخرى المتعلقة بالصلح الجزائي كفيلة بالقضاء على أوجاع التونسيين وآلامهم ولكفتهم همومهم  ولبوأتهم مكانة تليق بهم بين الأمم الرائدة بل ولهيأتهم للقيادة الحضارية لإنسان اليوم.

      أيّ ذنب اقترفه أهل تونس حتى ابتلوا بهذا البلاء، فصار إنشاء مؤسسة لرعاية فصيل من الناس بينهم، عجزت ديمقراطية مغتصبي سلطتهم أن تجد لهم كفالة، دليلا على خصم سياسي أو حجة يتبجح بها مدعيها ويتطاول بها سياسيا على خصومه، وحلا لثورة أطلقها شعب يبحث عن طريق الخلاص من عبء نظام فرض عليه.

      ولتكتمل فصول الملهاة التي تدار أمام أعين الأهل في تونس، تتنادى الطبقة السياسية مرة أخرى وبعد عشر سنوات من الخيبات، إلى ما يسمى بالحوار الوطني والذي أعطي للاتحاد العام التونسي للشغل، نفخا للروح فيه من جديد، مهمة أداء هذا الدور، وهو الهيكل الذي لم يعد هناك مبرر لوجوده في حياة الناس، ليضيف قيس سعيد لهذه “الخلطة السمجة” ضرورة إشراك الشباب، “حتى لا يكون كما الحوارات السابقة ويكون حوارا وطنيا والمشاركة تكون فعلية في صياغة الحلول”، وعلى هذا يكون قيس سعيد قد حقق بزجّه بالشباب في مهزلة الحوار الوطني قد أقام الدليل على أنه أنجز مشروعه في الديمقراطية المباشرة والتمثيل الشعبي بديلا عن التمثيل النسبي ويكون بذلك قد وفر كل أسباب “تصحيح مسار الثورة التي تم الانحراف بها عن مسارها الحقيقي الذي حدده الشعب منذ عشر سنوات” ألا وهو الشغل والحرية والكرامة الوطنية” ، ليردفه رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، بشرط أن تكون المشاركة الشبابية من منتسبي الهياكل والمنظمات الناشطة والفاعلة على الساحة على غرار هياكل الشباب الطلابي ـ “كالاتحاد العام التونسي للطلبة مثلا” ـ  وغيرها من المنظمات النشطة، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوّة من هذا الحوار”. وهكذا تكتمل دورة نقاهة الحياة السياسية في تونس  حين يصدع الاتحاد الموقّر ـ بوصفه أكبر قوة في البلاد ـ الأذان بحتمية اجراء الحوار الوطني فيستجيب الفرقاء للنداء ويُشغل الجميع بترتيب انعقاده وظروفه والعناصر المشاركة فيه، على حقيقة البحث في معضلة أهل تونس الوجودية، بعد أن تمت الموافقة على اتفاقية تأسيس شراكة بين الجمهورية التونسية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية وملاحقها، المُوقعة بلندن في 4 أكتوبر 2019. دون أن يعلم أحد أبوابها وفصولها، ولكن نعلم أهدافها، فقد ضمنت بريطانيا بهذه الاتفاقية استفادة، شركاتها والمستهلكين (هكذا)، من استمرارية دخول أسواق البلدين بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتوفر لها هذه الاتفاقية مزايا تجارية من بينها تجارة المنتجات الصناعية بدون رسوم جمركية، إلى جانب تحرير التجارة في المنتجات الزراعية والمواد الغذائية الزراعية والمنتجات السمكية، لتكون تونس ومختلف طاقاتها، رافدا من الروافد التي هيأتها لموقعها في السياسة الدولية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. ففيما حواركم وقد انكشف تذاكيكم؟

     إلا أننا نخاطبكم ونخاطب فيكم إسلامكم، ونحن نرى استسلامكم لمبدإ فصل الدين عن الحياة، وتسليمكم به، وهو ليس عبقرية منكم وإنما هو نبت نكد نشأ في غير أرضنا ليعالج ورما لم ينبت في جسمنا، “الحق الإلاهي” الذي تمثله كنيستهم، فعولج عند أهله بسرطان أخبث منه، فصل الدين عن الحياة، فسُلبت السلطة و”مقام الربوبية ” من طبقة رجال الدين والملوك وأسندت إلى الآلهة الجدد، البورجوازيون، فطالنا رجسُهم، وتسعون اليوم لتثبيته فينا، مع اليقين الجازم أنه لن يجد بيننا مستقرا ولن تقبل به أمتنا…

   ها إنكم أضعتم على الناس عشر سنوات تشرَّبت فيها أعناقُهم إلى يوم العز والمنعة فلم ينالها منكم إلا الجحود والعقوق، وأمامَكم، دولتكم دولة الإسلام الأولى، وقد كفتها ست سنوات لأخذ المبادرة السياسية إقليميا من دار الندوة، بصلح الحديبية، وأن تفرض وجودها في الموقف الدولي بإرساله صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأرض، في حين عجزتم عن رعاية من استأثرتم دونهم بلعاعة من الدنيا أبقاها لكم خسّة من رضيتم أن تتخذوه لكم سيدا.

  فالعقبة الكؤود اليوم ليس في غياب الحوار ولا إجراؤه، إذ لا ينفع الدليل مع من لا عقل له، إلا إذا حدد أمرين لازمين لإنسانيته:

1 ـ المرتكز الفكري الذي تُبنى على أساسه عقول الناس، وعلى أساسه تُهذب مشاعرهم، وليس ذلك إلا لعقيدة “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله” فليس في سواها خير.

2 ـ الغاية التي تُراد من الناس، فتُفح بصائرهم عليها فيتخذونها قضية لهم.

إن أهل تونس ليسوا أنعاما تُرتادُ بها المراعي فيُضيّقُ أُفقُهم بحقوق هي لهم بداهة، بل هم كرام أعزاء أكرمهم رب العزة مع إخوانهم في الإيمان بحمل رسالته إلى خلقه، والسعي إلى نوال رضوانه.

أ, عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
إرتفاع نسب الإدمان على المخدرات, ماذا يحاك لشبابنا الذين هم عماد التغيير؟
لقد أصبح انتشار الإدمان في صفوف التلاميذ من الأمور الخطيرة جدا التي صارت منتشرة بشكل كبير في مجتمعنا وتهدد سلامة التلاميذ ومستقبلهم, إذ لا شك أن ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
فيما تتخبّط في وحل العنصريّة وتستعبد العالم بأسره: الولايات المتّحدة الأمريكيّة تحيي ذكرى إلغاء الرقّ

في مفارقة وقحة أحيت الولايات المتّحدة الأمريكيّة هذه الأيّام ذكرى حظر الرقّ على أراضيها: فبتاريخ 18 ديسمبر 1865 وبعد انتصار...

Close