الدساتير الوضعية شجرة خبيثة ترعاها أيادي آثمة
الدساتير الوضعية شجرة خبيثة ترعاها أيادي آثمة

الدساتير الوضعية شجرة خبيثة ترعاها أيادي آثمة

بالأمس القريب كان عنوان فخر ومبعث اعتزاز لا حدّ له, خاصة بعد أن نثر أكثر من مسؤول كبير صكوك الرضا على رؤوس صانعيه وبعض من الفتات تحت أقدامهم. ظلوا يرشدون كل باحث عن حياة كريمة ولقمة عيش غير مغموسة في الذل والهوان إلى فصوله المكتنزة بحقوق لا توجد إلا بين دفتيه وعلى أرض الواقع لا أثر لها. قالوا هو من أفضل دساتير العالم بل هو أفضلها وأحسنها, حتى أن أحدهم قال أنه أكثر قداسة من القرآن الكريم.

سنوات ودستورهم هذا ينعم بالتبجيل والتعظيم إلى أن ظهرت على الساحة فئة تتعارض مصالحها مع تلك التي صاغت الدستور وخطته تحت إمرة أحد عرابي الخراب “نوح فلدمان”، تخاصموا على تقاسم الغنائم فبدت لهم سوءة دستورهم وطفق كل فريق يكيل له التهم ويعدد مثالبه ونقائصه وتحول فجأة من مفخرة لتونس إلى مصيبة كبرى حلت بها وبأهلها. أما سبب هذا الانقلاب المفاجئ على الدستور فهو ينحصر في التناحر والتصادم الحاصل الآن بين ما يعرف بالرؤساء الثلاثة –رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان- مما أوجد فوضى عارمة غير مسبوقة  وخلق أجواء مشحونة غطت أو تكاد على أزمات عدة وصرفت الأنظار عن معاناة الناس وأصبح الحديث منصب عن صلاحيات هذا الرئيس أو ذاك مع زخم هائل من الجدل والشد والجذب لم يفض إلى إيجاد حل تنتهي بمقتضاه حرب الصلاحيات بين رئيس الدولة “قيس سعيد” ورئيس الحكومة “هشام المشيشي” ورئيس مجلس نواب الشعب “راشد الغنوشي” ف “قيس سعيد” لم ترضيه الصلاحيات التي منحها الدستور لرئيس الدولة ويرى فيها استنقاصا من مكانة الرئاسة ويريد أن يفرض تصوره وقراءته للدستور بالشكل الذي يلبي رغباته ينتقده تارة ويمجده تارة أخرى لا يكاد يستقر على رأي واضح يميل حيث تكمن مصلحته, شأنه في ذلك شأن رئيس مجلس نواب الشعب “راشد الغنوشي” الذي تفوق على الجميع في استثمار هلامية الدستور وفصوله الفضفاضة التي غلب عليها التلفيق والترقيع ومنطق الترضيات السياسية كما جاء على لسان “عبد الرزاق المختار” أحد خبراء القانون الدستوري كما أقر بأن صياغة فصول الدستور لم تتبع مطلقا منطق كتابة النص بالجودة الدستورية المطلوبة مما أنتج نصوصا غاب عنها التناسق مما يجعلها غير قادرة على تجاوز الأزمات وهذا ما يحصل الآن.

إذن, لقد أقر الجميع بأن الدستور الذي كتب على أعين القوى الاستعمارية وبتوجيه منها هو المشكلة, وقد ذهبوا إلى أكثر من ذلك واعتبروا من ساهموا في التأسيس هم عملاء للاستعمار ومن أذياله لا لشيء إلا لكونهم صاغوا دستورا يراعي مصلحة فئة على حساب أخرى وجاء في سياق يختلف تماما عما نحن فيه الآن, وهم ينادون بضرورة تعديله ولما لا تغييره برمته واختزلوا المسألة في نظام تحديد السلطات وتوزيعها بين ما يسمونها بالسلطات الثلاث, والحال أن المعضلة لا تكمن في من صاغ الدستور ومن المستفيد من خروجه بذلك الشكل, فالمعضلة الكبرى والطامة العظمى أنه دستور صاغته الأهواء البشرية ونازعت فيه العقول البشرية المحدودة العاجزة الخالقَ عزّ وجلّ في حق التشريع. فمسالة التشريع تماما كمسألة الخلق من عدم ومسألة تعاقب الليل والنهار, خاضعة كليا لإرادة المولى غز وجل ولتدبيره, وما على الإنسان إلا الخنوع لتلك الإرادة, أما أن ينصب نفسه إلاها يشرع ويسن القوانين حسب تعليمات هواه ووفق ما تمليه عليه شهواته وغرائزه فذلك يؤدي حتما إلى الشقاء والخسران, فالدستور الذي يلعنه الجميع اليوم هو باطل كغيره من الدساتير الوضعية السابقة واللاحقة مهما بذل صانعوها من جهد كي تكون قادرة على رعاية شؤون الناس وتضمن لهم حقوقهم وتحدد واجباتهم, فما بني على باطل فهو باطل, والشيء ذاته ينطبق على الاتهامات الموجهة للدستور اليوم فهي باطلة والدعوة لصياغة دستور جديد باطلة لأنها لم تخرج من جحر الضب الذي حشرهم فيه الكافر المستعمر وهو التشريع من دون الله. فمن يتهم صناع دستور 2014 بالعمالة هو أيضا غارق في مستنقع العمالة من رأسه حتى أخمص قدميه مادام المصدر هو ذاته العقل البشري والهوى وما توسوس لهم به شياطين الكافر المستعمر. فكل ما زرعوه وما سيزرعونه خارج إرادة الله عز وجل والمتمثلة في أحكام الإسلام وطبق أوامره ونواهيه هو نبات خبيث فاسد مفسد, وكل يد تزرعه و ترعاه هي يد آثمة خاطئة كما هو حال هذا الدستور وحال المدافعين عليه والداعين إلى تغييره على حد السواء.

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس من عزّ الخلافة إلى ذلّ الوطنيّة والنّظام الجمهوري
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجيوش الفرنسيّة قد احتلّت تونس سنة 1881 بوصفها إيالة عثمانيّة أي ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلاميّة ،وقد ظلّت طيلة فترة ال...
مقاطعة الإعلام لحزب التحرير.. من أعطى الأمر ولماذا؟
منذ أن قالها الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي في مجلس أمنه ساخطًا متسائلاً محرضا على حزب التحرير: "ماذا نفعل في مواجهة حزب التحرير؟ هل من...
تسألون عن الحل! الحل معلوم غير مجهول، مسطور في كتاب الله وسنّة رسوله فماذا تنتظرون؟
تحوّل الأمر في تونس من العبث إلى التهريج، بل الهرج والتهارج، طبقة سياسيّة تحت خطّ العقل، لا تحسن إلا الانبطاح للأوروبيين، وفي سبيل ذلك يتخاصمون و...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
مذبحة ساقية سيدي يوسف: حين يسدّد المسلمون في تونس والجزائر ضريبة الصّراع الدّولي على الجزائر
مذبحة ساقية سيدي يوسف: حين يسدّد المسلمون في تونس والجزائر ضريبة الصّراع الدّولي على الجزائر

مرّت بنا هذه الأيّام الذّكرى الثّالثة والستّون لأحداث ساقية سيدي يوسف الدّموية الأليمة ـ باهتة باردة خجولة ـ في ظلّ...

Close