الرئاسة والحكومة والبرلمان: إيهام بالصراع لترويض الشعب ووأد الثورة
الرئاسة والحكومة والبرلمان: إيهام بالصراع لترويض الشعب ووأد الثورة

الرئاسة والحكومة والبرلمان: إيهام بالصراع لترويض الشعب ووأد الثورة

كثر الجدل في الأيّام الأخيرة عن الصّراع بين رؤوس النّظام بين رئاسة الجمهوريّة من جهة ورئاسة الحكومة ومجلس النّوّاب من جهة أخرى، وظهر الصّراع علنيّا على الفضائيّات أعلنه الرئيس قيس سعيّد في خطابه من مجلس الأمن القومي، حين وجّه انتقادات علنيّة لرئيس الحكومة هشام المشّيشي

ما طبيعة هذا الصّراع؟ ما دوافعه؟ وما هي غاياته؟ وهل هو صراع حقيقي من أجل مصلحة البلاد؟ وهل هو صراع بين من يمثّل الثورة وبين الفساد والفاسدين؟

فهل كان صراع الرئاسات حول هذا الدّستور؟

قيس سعيّد قال في بداية خطابه أمام مجلس الأمن القومي عن الدّستور أنّه وضع على المقاس وشبّهه بالحذاء، ثمّ ناقض نفسه في نهاية الخطاب وأعلن تقديسه للدّستور الموضوع على المقاس، بما يعني أنّه لا يخالف خصومه في الدّستور بل يباريهم في احترامه وينافسهم في تطبيقه. بما يعني أنّ الدّستور الموضوع على المقاس ليس هو موضع الصّراع بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والبرلمان، فعلام يتصارعون إذن؟ ورئيس الحكومة والبرلمان وكلّ الطبقة السياسيّة (من في الحكم ومن في المعارضة) يعلنون تقديسه آناء الليل وأطراف النّهار.

أمّا عن النّظام السياسيّ فالجميع متوافق على الدّيمقراطيّة، لكنّ الخلاف ظهر منذ رئاسة الهالك الباجي قايد السبسي، الذي بدأ بالدّعوة إلى العودة إلى النّظام الرئاسي، ثمّ جاء قيس سعيّد الذي يتكلّم عن نظام غامض أشبه بجماهيريّة قذّافي ليبيا، ولكنّ الخلاف حول النّظام السّياسي لم يشتدّ بعدُ، والنّاظر فيه يرى أنّه خلاف شكلي لأنّ الدّيمقراطيّة (وفصل الدّين عن الدّولة، وجعل التشريع وضعي للبشر وإبعاد الإسلام وأحكامه الربّانيّة) لا خلاف عليها عند الفئة الحاكمة، بل هم متّفقون على إبعاد الإسلام يتّحدون كلّما ذكر أو ذكرت الخلافة ممّا يعني أنّ الدّور الموكول إليهم هو إبعاد الإسلام عن الحكم والسياسة، وهم في ذلك متّحدون يظهرون للأجنبيّ التزامهم بالدّيمقراطيّة وانضباطهم التّامّ بها.

الصّراع لإزالة الفساد أم لتكريسه؟

قيل أنّ حقيقة الصراع هو حول الفساد،صراع بين رئيس الجمهوريّة ومن يسانده من المعارضة، الذين أعلنوا حربا على الفساد، وبين رئيس الحكومة ورئيس البرلمان الذين وضعوا أيديهم مع الفاسدين، فهل هو صراع بين ثوريين ضدّ الفساد والفاسدين؟

لقد كان من كلام قيس سعيّد في تبرير رفضه لتعيينات رئيس الحكومة لوزراء تحوم حولهم شبهة فساد، أنّه لن يقبل قسم الفاسدين، أمّا رئيس الحكومة فقد مضى في تعييناته ونال ثقة البرلمان بتأييد من رئيس البرلمان نفسه. هذا المشهد يصوّر في ظاهره صراعابين رئيس ثوريّ ثائر وحكومة وبرلمان طبّعوا مع الفساد، فهل الأمر كما يبدو؟

ليس هو من قبيل الصراع حول الرامج والرؤى، إنّما هو من قبيل الصراع حول الأشخاص، ومعلوم أنّ المشكلة لا تكمن في الأشخاص لأنّ أشخاص الوزراء ليست هي المحدّد الرئيسي خاصّة وأنّ الوزراء في كيان هزيل كتونس ليس حاكما بالمعنى الحقيقي إنّما هم منفّذون لمخطّطات وبرامج وسياسات من وضع المستعمر، فهشام المشّيشي كسابقيه من رؤساء الحكومات جيء به لينفّذ وهو حين يختار الوزراء لا يختارهم بضغط حزبيّ كما يدّعون إنّما يختارهم وفق مقاييس وضعتها بريطانيا بإشراف من السّفير البريطاني، وليس لهشام المشّيشي أو غيره أن يضع من يشاء في الحكومة وبخاصّة في وزارات حسّاسة كوزارة الطّاقة، فملفّ الطّاقة مثلا تتحكّم فيه بريطانيا بشكل كامل، وهذا لم يعترض عليه قيس سعيّد إنّما اعترض على شخص الوزير بذريعة شبهة الفساد، ولم ير الرئيس الفساد الحقيقيّ، أو هو تعامىعن بريطانيا التي استأثرتبثرواتنا من غاز وبترول.

يعترض قيس سعيّد ومن يُسانده على بضعة وزراء لشبهة الفساد،ألم يروا رئاسة الحكومة تسيطر عليها بريطانيا؟ ورئاسة الحكومة هنا ليست هشام المشيشي فحسب إنّما هي المؤسّسة الدّستوريّة فمنذ 2013 أنشأت السّفارة البريطانيّة شركة (أكتيسستراتيجي) لتشرف هاته الشّركة على هيكلة مصالح رئاسة الحكومة بوضع الاستراتيجيات ومشاريع القوانين وتدريب الكوادر العليا والمتوسطة، ومنذ أسابيع قليلة عقدت سفارة بريطانيا ورشات عمل ضمّت رئاسة الحكومة ووزارة الدّاخليّة ووزارة الدّفاع (وهي وزارة لقيس سعيّد عليها سلطة واسعة) ووزارة البيئة … وكانت هاته الورشات لتدريب الكوادر التونسيّة العليا بإشراف بريطاني، وقد بيّنا في حينها (مقال سابق في جريدتنا التحرير) حجم التغلغل البريطاني في مفاصل الدّولة. كلّ هذا يمرّ بسلاسة فلا يهتزّ له رئيس الدّولة ولا يغضب. أليس هذا هو الفساد بعينه؟ أليس تسليم أركان الدّولة للمستعمر جريمة؟

فالتّغاضي عن جريمة تسليم الدّولة لأعدائها يسيطرون عليها هو مشاركة في الجريمة، ورئيس الدّولة سكت عن هاته الجرائم، ألا يُعدّ مشاركا لرئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان في جرائمهم؟

رفض التطبيع مع كيان يهود أم تمريره؟

وها هنا مسألة أخرى، رئيس البرلمان راشد الغنّوشي رفض قانونا يجرّم التطبيع مع كيان يهود، وفي الأحزاب الدّاعمة لرئاسة الحكومة من يقف مع التطبيع مع كيان يهود أمّا الرئيس فبطل مقاومة، التطبيع عنده خيانة عظمى، فهل يمكننا أن نعتبر أنّ هذا هو عمق الصّراع بين المتصارعين؟

مهلا بعض تعقّل للأمور ترينا عكس ما يبدو، فرئيس الدّولة المناهض للتطبيع، كانت أوّل زيارة خارجيّة له إلى سلطنة عمان للتعزية في وفاة السلطان قابوس، السلطان قابوس قبيل وفاته استقبل بالأحضان رئيس وزراء كيان يهود “بنيامين نتنياهو”. ولكنّ رئيسنا قيس سعيّد لم ير في ذلك من مشكل ولم ير قابوسا خائنا بل رآه عزيزا فُقد ووجب العزاء. هل وقف الأمر عند ذلك كلّا، بل إنّ الرئيس قيس سعيّد رأى تطبيع الإمارات والبحرين والسّودان أمرا داخليّا لتلك الدّول لا يجوز التدخّل فيه، ولا يجوز إبداء الرأي فيه، فلم يصفه بالخيانة كما زعم.

هل وقف الأمر عند هذا الحدّ؟ كلّا، فبطل مقاومة التطبيع الرئيس سعيّد كلّف هذا الأسبوع وزارة الخارجيّة بالدّعوة إلى استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين وكيان يهود، فقد دعت تونس، خلال جلسة نقاش مفتوح بمجلس الأمن الدولي حول الوضع في الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية، إلى “تحرك دولي جامع وموحّد” لإعادة إطلاق مفاوضات “جادّة وذات مصداقية وفق جدول زمني محدّد” بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وقال محمّد علي النفطي، كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجيّة والهجرة والتونسيّين بالخارج، خلال إشرافه على جلسة النقاش المفتوح، إنّه بدفع من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي يولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية ويعتبرها قضيته الشخصية، ….من أجل استرجاع حقوقه المشروعة التي لا تسقط بالتقادم، وإقامة دولته المستقلّة ذات السيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية….”. أليس هذا اعتراف بكيان يهود المسمّى “إسرائيل”؟؟

نعم هو اعتراف رسميّ من رئاسة الجمهوريّة بكيان يهود، لينضمّ إلى جموع المعترفين أو المخفين لاعترافهم وعلى رأسهم رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان. فأين صراعهم؟ وهل هم مختلفون؟

صراع أم إيهام بالصّراع؟

فلماذا الصّراع إذن وما حقيقته؟

إذا كان الرئاسات الثلاثة متوافقين، في الخضوع للأجنبي في الدّستور والتشريعات والسياسات والبرامج، وحتّى التطبيع صار الرئيس ووزارة خارجيّته في مقدّمة المطبّعين بل المعترفين بكيان يهود. ففيم اختلافهم وما حقيقة صراعهم؟ وماذا بقي لهم ليتصارعوا حوله

هي في الحقيقة أدوار موزّعة واختلاف الأدوار اقتضى إظهار الخلاف والصّراع.

ولا غرابة في الأمر فالحكّام في تونس لا يحكمون، إنّما ينفّذون ما تضعه السّفارة البريطانيّة، ولكلّ دور في هاته البرامج:

  • فالحكومة ستنفّذ السياسات الاقتصاديّة التي فرضها صندوق النقد والبنك العالميين أمّا سياسة التعليم فتغريبيّة لا ملامح لها إلا تحطيم شبابنا وصياغتهم ليكونوا تقنيين (خدما) تهيّؤهم المدارس والجامعات للشركات الأوروبيّة.

  • أمّا البرلمان فمهمّته وضع القوانين التي تضمن تطبيق السياسات الاستعماريّة وإسباغ الشرعيّة القانونيّة عليها باسم الشعب وباسم الثورة.

  • أمّا رئيس الدّولة فدوره تلميع النّظام وتركيزه والمحافظة عليه من الانهيار. فكان أسلوب الهالك الباجي قايد السبسي أن يلعب دور الموفّق بين “القوى” السياسيّة في البلاد وقيادة الحوارات والمفاوضات، أمّا قيس سعيّد فجيء به ليلعب دور الرئيس الثوريّ الثائر، ليكون دوره جمع الثوّار الغاضبين على الحكومة والبرلمان، ولإحكام الدّور كان لا بدّ أن يظهر الرئيس في مظهر المعارض للحكومة والبرلمان ليضمن انضمام الثوّار إليه وعدم انقيادهم إلى جهة أخرى لا يستطيع المستعمر السيطرة عليها. ومن ثمّ يفتعل المشاكل الوهميّة والصراعات مع الحكومة والبرلمان فكلّما زاد غضب الشّارع، زاد الرئيس من إظهار غضبه وما أبداه قيس سعيّد في خطابه الأخير في اجتماع مجلس الأمن القومي هو تبنّي غضب الشّارع في صورة فجّة ساذجة إذ جاء خطاب الرئيس متوتّرا غاضبا غضبا تخفي تناقضاته، فالدّستور في أوّل الخطاب حذاء صنع على المقاس وفي آخر الخطاب كتاب مقدّس يمارس فيه رئيس الجمهوريّة أستاذ القانون الدّستوري هوايته في التأويل والتدريس والفتوى.

 نعم جاء خطاب الرئيس محاولة لاحتواء الشّارع التي بدت عليه علامات الغليان وينذر بانفجار كبير، ولأجل احتواء الانفجار تمّت الخطّة على مرحلتين المرحلة الأولى افتعال احتجاجات ليليّة زرع فيها اللصوص والمخرّبون ليسهل إدانتها وضربها، ثمّ تبعتها احتجاجات أخرى لإطلاق سراح المحتجّين وكلّها محاولات لجرّ الشّارع إلى احتجاجات وضعت مساراتها مسبقا، احتجاجات مطلبيّة وجزئيّة تفتّت القضيّة بل تميّعها وتشتّت الشّارع أكثر ممّا تجمعه. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ فمخرج مسرحيّة الصّراع لم يفته أن يضيف عليها بهارات هوليوديّة فجاءت حكاية الطّرد المسموم، وتعكّر صحّة رئيسة ديوان الرئيس، ثمّ دخل على الخطّ عملاء بريطانيا ليضفوا على الأمر جدّيّة مصطنعة فهاتف رئيس الجزائر عبد المجيد تبّون وفايز السرّاج رجل بريطانيا في ليبيا هاتفا الرئيس قيس سعيّد ليطمئنّا على صحّته وصدرت البيانات عن الأحزاب غيرها كلّ ذلك لمزيد

 والحصيلة إنهاك للقوى وإهدار للطاقات وتيئيس للنّاس، ومن ثمّ يأتي مشروع المصالحة الوطنيّة الشّاملة كحلّ سحريّ لإنقاذ تونس.

مخطّط مدبّر في غرف السّفارة البريطانيّة كان من مؤشّرات انطلاقه كلمة سفير بريطانيا عشيّة 14 جانفي 2012 من شارع الحبيب بورقيبة يوم أعلن الحظر الشّامل والنّاس محبوسون في ديارهم.

فهل سيمرّ هذا المخطّط؟ وإلى متى يكيدون لك يا تونس؟

 

أ, محمد الناصر شويخة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس من عزّ الخلافة إلى ذلّ الوطنيّة والنّظام الجمهوري
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجيوش الفرنسيّة قد احتلّت تونس سنة 1881 بوصفها إيالة عثمانيّة أي ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلاميّة ،وقد ظلّت طيلة فترة ال...
مقاطعة الإعلام لحزب التحرير.. من أعطى الأمر ولماذا؟
منذ أن قالها الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي في مجلس أمنه ساخطًا متسائلاً محرضا على حزب التحرير: "ماذا نفعل في مواجهة حزب التحرير؟ هل من...
تسألون عن الحل! الحل معلوم غير مجهول، مسطور في كتاب الله وسنّة رسوله فماذا تنتظرون؟
تحوّل الأمر في تونس من العبث إلى التهريج، بل الهرج والتهارج، طبقة سياسيّة تحت خطّ العقل، لا تحسن إلا الانبطاح للأوروبيين، وفي سبيل ذلك يتخاصمون و...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
المديونيّة في تونس: تشخيص الدّاء واستشراف الحلول
المديونيّة في تونس: تشخيص الدّاء واستشراف الحلول

ما فتئت تونس منذ مسرحيّة الاستقلال تغوص في وحل المديونية سنةَ بعد أخرى وقرْضًا إثر قرض إلى أن استحالت ميزانيّتها...

Close