بدأت حادثة جرجيس في منطلقها خبرا عاديّا أو قل خبرا عوّدتنا عليه وسائل الإعلام وسياسة خرقاء، ألجأت شباب تونس إلى الارتماء في البحر لا يُثنيهم خوف الموت غرقا، وتحوّلت أخبار الغرقى في البحر إلى خبر يوميّ، تتناقله وسائل الإعلام ويتحدّث عنه مسؤولو الدّولة وموظّفوها بإعلانات باردة جامدة لا روح فيها، وكأنّ الأموات ليسوا من أهلنا وشبابنا وكأنّ الأموات ليسوا بشرا. ويُدفن الموتى. وتستمرّ السياسة الخرقاء ويستمرّ الموت.

طالعتنا الأخبار بغرق قارب في سواحل جرجيس وغرق من كان فوقه من شباب جرجيس. إلى هنا كان الحدث عاديّا.

ولكن لماذا التّعجيل بدفن الشباب دون أهلهم في مقبرة مجهولة كمن لا أهل لهم ولا وطن؟ كيف مات هؤلاء الشّباب؟ هل ماتوا غرقا بالفعل أم إنّ وراء موتهم جريمة؟

أهلنا في جرجيس غرق أبناؤهم فكان مصابهم عظيما، وازداد مصابهم أن دُفن أبناؤهم دون أيّ احترام فلم تحترم الدّولة الميّتين وللميّت في ديننا حرمة وأيّ حرمة ففي الإسلام الإنسان إنسان حيّا كان أو ميّتا، ولقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:” كسر عظم الميّت ككسره حيّا”.

ولم تحترم الدّولة الأحياء، فتجاهلتهم أوّل الأمر بل إنّ من المسؤولين من اعتبر الأمر عاديّا وحمّل المسؤوليّة للموتى، (هكذا) فهم في اعتباره من ركب القارب في هجرة غير قانونيّة وهم من يتحمّلون وحدهم مسؤوليّة موتهم، وهكذا أريد للملفّ أن يُغلق كباقي ملفّات المئات من شباب تونس الذين ابتلعهم البحر. وماتوا حتف أنوفهم. فلماذا ماتوا ومن المسؤول عن موتهم؟ أهم المسؤولون أن من نظّم الرحلة أم الدّولة وسياساتها التي أعدمت كلّ أمل لشباب تونس في العيش عيشة كرية في بلدهم؟؟

كان الملفّ سيُطوى لكنّ أهل جرجيس ورجالها وقفوا وقفة الرّجال يطالبون بحقّ أبنائهم، ولم يُطالبوا بكثير، طلبوا احترام أمواتهم، الذين لم تراعى في دفنهم أبسط قواعد الإسلام “حفظ حرمة الميّت والصّلاة عليه” نعم حرموهم حتّى من الصّلاة على أبنائهم. طلبوا معرفة حقيقة ما حدث لأبنائهم، طلبوا أن يعرفوا لماذا عوملوا في بلدهم معاملة الغرباء؟ لماذا؟؟

وأمام هذا الإصرار خرج الرئيس ووزير داخليّته يعدون ويعدون، فالرّئيس خرج يخطب من قمّة الفرنكوفونيّة من المكان الذي يؤدّي فيه فروض الطّاعة والولاء إلى المستعمر القديم الجديد إلى فرنسا، من ذلك المكان خطب الرّئيس يكلّم أهل جرجيس يتملّقُهم يقولإنه “يعتبرهم شهداء لأنهم ضحايا الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية”.

ومن تسبّب في هذه الأوضاع الاقتصاديّة أليست هي التّبعيّة للمستعمر؟ أليس رهن البلاد وربطها بالأجانب الطّامعين فيها هو ما ضيّق العيش على شباب جرجيس؟ من ألجأ هؤلاء الشّباب إلى ركوب الموت؟

فهل كان الرئيس جادّا في اعتبارهم شهداء؟

ثمّ تحدّث الرئيس سعيد أنّ” قضية الهجرة غير النظامية لا يمكن حلّها في الواقع إلا بتصور مختلف عن الحلول الأمنية القديمة”، قائلاً ”الحل يجب أن يكون جماعياً مع دول الشمال الأوروبي بعيداً عن المقاربات الأمنية ويجب أن نقضي على الأسباب التي تدفع الشباب والعائلات إلى قوارب الموت”.

وهو كلام يعوّم القضيّة ويميّعها، بل يعود بها إلى المربّع الأوّل، يتحدّث عن حلّ مع دول أوروبا، فهل عند أوروبا الحلّ، أوروبا في علاقتهخا بتونس لم تكن إلا مستعمرا غاصبا قاتلا، ثمّ لصّا ناهبا سارقا لثروات البلد، هذه هي أوروبا، وأوروبا التي يلتمس منها الرئيس الحلّ هي نفسها التي أخذت معها في ستّينات وسبعينات القرن الماضي شباب تونس وجعلتهم يعملون في مصانعها وبنت بسواعدهم بلدانها، ولمّا اكتفت، غلّقت الأبواب، وسدّتها. هذه هي أوروبا الاستغلال. فانظروا إلى كلام الرئيس هل ترون من مسؤوليّة أو جدّيّة، هل ستعين أوروبا تونس وغير تونس في مسألة الهجرة؟ أوروبا أعطت بعض مساعدات وفرضت أن تُخصّص تلك المساعدات من أجل منع الهجرة إليها، ومن أجل أن تتكفّل تونس بحراسة شواطئ أوروبا الجنوبيّة، فصارت شرطة تونس الحدوديّة مهمّتها حراسة الشواطئ حتّى لا يُهاجر الشّباب.

هذه هي أوروبا وهذا ما هي سائرة فيه، فهل سيفرض عليها قيس حلولا جديدة، وأنّى له ذلك وهو المسكين الذي يبحث عن دعمها ورضاها؟؟؟

أمّا عن الحادثة فقد منعت الدّولة شباب جرجيس من التظاهر والاحتجاج في مقابل تحقيق مطالبهم بالكشف عن الحقيقة، وخرج الرئيس كالعادة يُعلن أنّ الحقيقة آتية ولا ينسى في غمرة حماسه أن يُعلن أنّ تلك الحقائق ستكون صادمة، وتنتهي قمّة العار قمّة الفرنكفونيّة “بسلام”، وبدل أن يُرسل الرئيس الحقيقة الصّادمة أرسل وفدا من الدّاخليّة يريد أن يذهب إليه وفد عن أهل جرجيس إلى العاصمة لمقابلة الرّئيس.

فهل هذه هي الحقيقة؟ “مقابلة الرئيس في قصر قرطاج. لماذا؟ أمن أجل مساومتهم على الصّمت؟

لماذا لم يكشف الحقيقة إلى الآن؟؟

مضت أسابيع كثيرة على الحادثة والرئيس وداخليّته لم يكشفوا شيئا، وفي هذا دليل على:

– العجز التّامّ، فكيف تعجز دولة عن كشف حقيقة ما جرى، أو على الأقلّ كيفيّة موت هؤلاء الشّباب. وهذا العجز هو نابع من عجز أكبر منه، عجز عن إدارة دولة وسياسة شعب مسلم، عجز عن التّفكير عجز عن اتّخاذ القرار عجز عن السّياسة.

– والدّولة العاجزة هل تُسمّى دولة؟ فتونس عاجزة في كلّ شيء لماذا؟ هل اختفت مواردنا فجأة؟ هل تنقصنا العقول والسّواعد؟

لا ينقصنا من هذا شيء ولكنّنا في بلد فقد فيه المسؤولون عن إدارته الإحساس بالمسؤوليّة، فأهل جرجيس يتألّمون كلّ يوم بل يموتون بسبب موت أبنائهم الذين قتلتهم سياسة التّبعيّة للمستعمر الذي يلقى الحفاوة وتُمهّد له البلاد تمهيدا، وفي جرجيس يُضربُ أهل البلاد بالغاز ويُطردون عن بلدهم. حتّى شبابُهم يُدفنون كالغرباء كأنّ تونس ليست بلادهم.

نقول لأهلنا في جرجيس بل لكلّ أهلنا في تونس:

مصابُكم عظيم ولا أعظم من مصيبة الموت، نعزّيكم ونعزّي أنفسنا فيمن مات من أبنائنا، ولكنّ هذه المصيبة ستتجدّد كلّ يوم، لأنّ أسبابها قائمة: نظام عميل تابع للمستعمر ومسؤولون ليسوا برجال دولة إن هم إلّا موظّفون لا يُحسنون إلّا اتّباع أسيادهم الأوروبيين، وبسبب سياساتهم مات أبناؤنا وسيموتون. لقد حوّل هؤلاء تونس من بلد كان في زمن الإسلام قائدا للجناح الغربيّ لأعظم دولة في العالم (الدّولة الإسلاميّة) حوّلوها كيانا هزيلا ضعيفا، دويلة عاجزة كسيحة. تعجز حتّى عن دفن موتى المسلمين بكرامة.

نعم مادام هذا النّظام قائما وزما دامت التبعيّة للاستعمار قائمة فسيستمرّ مصابُنا، ولن تتوقّف هذه المصائب إلّا بقلع هؤلاء الرويبضات، وقلع نفوذ المستعمر الذي وضعهم ليسيطر على بلادنا بهم.

وإنّ في وقفة أهلنا في جرجيس لبارقة أمل يدعوهم الرّئيس إلى قصره فيرفضون في إباء وعزّة، يرفضون العبث بهم وبحقوق أبنائهم، وإنّنا اليوم لفي أشدّ الحاجة إلى مثل هذه المواقف مواقف العزّ التي تأبى المساومة وترفض التّملّق والنّفاق، مواقف الرّجال التي تطلب الحقّ لا تريد سواه.

نعم نحن في حاجة إلى طلب الحقّ كاملا غير منقوص والحقّ هنا لا يقتصر على بضعة حقوق لبعض الأفراد أو الجماعات إنّما هو حقّ كلّ التّونسيين وكلّ الأمّة الإسلاميّة أن تعبد الله الذي تؤمن به وبرسوله وأن يكون تشريعها وقوانينها من دينها الذي تؤمن به وتُحبّه.

ما رأيناه في موقف أهلنا في جرجيس وفي غضبهم ورفضهم أنصاف الحلول نريده موقفا شاملا يشمل كلّ أهل تونس، وكاملا يشمل كلّ مشاكلنا وقضايانا وعلى رأسها قضيّة التّحرّر الكامل من المستعمر وقضيّة الحكم بما أنزل الله لأنّه وحده الحكم العادل الذي يُعيد إلى أهلنا في جرجيس وفي تونس وفي كلّ الدّنيا عزّهم وكرامتهم وقبل ذلك سيادتهم في العالم


x

Related Posts

مغالطات سياسيّة يصرّح بها الرئيس إثر مقاطعة الناس لمهزلة الانتخابات التشريعيّة
أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الدورة الثانية للانتخابات النيابية التي جرت الأحد 29 كاون الثاني/يناير 2023 بلغت 1...
البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
جريدة التحرير