العشر الأواخر..

العشر الأواخر.. النهاية مهمة في العبادة وفي السياسة

تعتبر العشر الأواخر من شهر رمضان أمرا مهما للمسلمين كافة ويكفي هذه الليالي شرفا أن فيها ليلة القدر وهي ليلة خير من ألف شهر, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالا يحتذي في اغتنام فضيلة هذه الأيام من خلال العمل الصالح ويكفي للتدليل على ذلك أن الفتح الأعظم كان في رمضان أي أن النبي حشد جميع فعاليات المجتمع وأجهزة الدولة من أجل كسر آخر معاقل الكفر واقتحام أخر قلاع الشرك في الجزيرة العربية.

ولعل المتأمل في حث النبي صلى الله عليه وسلم للأمة لاغتنام هذه الفرصة بمزيد بذل جهد مضاعف ليدرك أن المبدأ الإسلامي يريد من المؤمنين أن يدركوا أن النصر على الذات والنصر على العدو يتحقق بالفعل في الأمتار الأخيرة وأن العبرة تكون بالنهايات وقد خبر الصحابي أنس بن النضر هذا الأمر وكان قد تخلف عن غزوة بدر فقال والله لئن أشهدني الله مشهدا آخر ليرين ما أصنع. وبالفعل فقد فعل الأفاعيل في غزوة أحد وقوض بنيان الكافرين. وقد قال ابن رجب رحمه الله في كتابه جامع العلوم والحكم “إن الأزمان الفاضلة آخرها خير من أولها”. نعم إن العقيدة الإسلامية وما ينبثق عنها من أحكام لتستثير العقول والقلوب من أجل خوض مضمار الحياة بنفس جديد سواء في مجال العمل الفردي أو الجماعي وسواء في أعمال العبادات أو المعاملات أو مجال العمل السياسي و ذلك حتى لا تقع النفوس المؤمنة في الامتداد لأن الامتداد كما يقولون يقتل الاتجاه كما يقتل المكان والزمان ونفس الأعمال التعبدية في شهر رمضان قد تؤدي إلى الروتينية.

ومن جهة أخرى فان سوء البدايات والفتور الذي قد يصيب بعض الناس قد يبعث في النفس القبول المبدئي بسوء النهايات ومن أجل هذا رغب النبي في الاستكثار من العمل الصالح في أواخر الشهر من أجل الاستدراك وترك فسحة للأمل وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله “العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات”. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلفت نظر المسلمين في العديد من المواضع إلى الاهتمام بالنهايات وقد أوصانا مثلا بخواتيم سورة البقرة وتحديدا آية الكرسي التي جمعت من الدرر العقدية ما جمعت عن أبي أمامه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت رواه النسائي في اليوم والليلة عن الحسن بن بشر وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وأوصانا أيضا بخواتيم سورة الكهف لما فيها من الوقاية الفكرية من خطر الدجل بأنواعه الفكري والعملي والسلوكي روى مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ، وفي روايات أخرى عند مسلم قال: مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ.

كما نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهمية النهايات في العمل السياسي من خلال بث مبدأ “ولكنكم تستعجلون” حين طلب منه الخباب أن يدعو الله أن يهلك قريشا حين اشتد بطشها على الفئة المؤمنة آنذاك، ومن سنته الفعلية في العمل على النهايات تكثيف الاتصال السياسي بأهل القوة والمنعة خاصة بعد عام الحزن اثر وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها عمه أبا طالب وكذلك عقد صلح الحديبية التي سماها الله عز وجل في قرآنه الكريم فتحا رغم أن البدايات كانت تبدو للناس دنية في الدين وخضوعا للكافرين. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذاك الخطأ من خلال نشر مبدأ “إنه ربي ولن يضيعني” فان كان أساس البدايات ومنطلقها من الوحي فإن النهايات مضمونة بالتأكيد. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ بالمستقبل السياسي للأمة الإسلامية في جميع مراحله “البدايات والنهايات” وأثبت للمسلمين أن النهايات التي لابد من الكفاح السياسي في سبيلها لن تكون إلا خلافة راشدة على منهاج النبوة. وهذا ينسحب على واقع المسلمين اليوم فإن البدايات كانت بطرد الوجود العسكري للكافر الغربي ولم تنته بثورات الشعوب على الحكام الخونة وهاهي الثورة السورية رغم تكالب الغرب عليها لم تنته وهاهي جحافل الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان لم تحقق ما تصبو إليه وهاهو النظام يعود إلى تونس عبر الثورة المضادة بوجوهه الكالحة ورموزه الفاسدة لكنهم يفشلون في كل مرة وتكشف عمالتهم كل حين.. هذه الأحداث وغيرها قد توهن عزائم الثائرين خاصة وأن الطبقة السياسية في بلاد المسلمين تناور بقوة من أجل ترويض الأمة من جديد على طريقة شكسبير في مسرحيته “العبرة بالخواتيم”, وكما أقنعت الزوجة زوجها في تلك المسرحية بحاجته إليها فتحول كرهه لها إلى محبة كذلك يحاول هؤلاء الحكام وأتباعهم إقناعنا بأن الحل لمشاكلنا الحقيقية هو في ربط حياتنا بالغرب الكافر وطريقة عيشه ونظامه السياسي “ديمقراطية علمانية”. وقد خابوا وخسروا لأن هذه الأمة لا ترتبط إلا بعقيدتها وكما أن العقيدة الإسلامية هي التي لازالت إلى الآن تدفع جموع الصائمين إلى القيام فإنها ولا شك هي التي تدفعهم إلى القيام لطرد المستعمر وقطع حبائله من بلادنا. ومادامت العقيدة الإسلامية هي التي تستثير المؤمنين إلى بذل الجهد في الأيام الأخيرة من رمضان وتحفزهم بموافقة ليلة القدر, فهي التي تحفزهم إلى عدم الاكتفاء بكنس عملاء النظام فقط وإنما تدعوهم إلى تغيير النظام والقائمين عليه في الداخل والخارج وترغبهم أن يكونوا أنصار الله (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ).يقول الحسن البصري رحمه الله “أحسن فيما بقى يغفرلك ما مضى”.

محمد السحباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

مسار (إصلاح) التعليم في تونس: من العلمنة إلى الإباحيّة
في خطوة وقِحة صفيقة موغلة في الجراءة على الله ورسوله أدرجت وزارة التربية التّونسيّة مادّة (التربية الجنسيّة) في مناهج التعليم انطلاقا من ديسمبر 2...
رأي علماء المالكيّة في دفع الزّكاة إلى الدّولة
ياسين بن علي الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه نلاحظ منذ مدّة سعي جمع من المشايخ والأئمة ودكاترة الشريعة إلى إ...
الديمقراطية رأس الحربة في تركيز الاستعمار
لا تزال تونس محط أنظار الدوائر الغربية التي تسعى حثيثا لجعلها نموذجا في المنطقة للتغيير على أساس المشروع الديمقراطي الغربي، فقد أعلنت وزارة الخار...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
المروجون للانتخابات القادمة: هذا مخاتل وذاك شاهد زور

تعد الانتخابات أو تكاد الحصان الأبرز الذي يراهن عليه النظام الديمقراطي فنجاحه من عدمه يقاس بطول الطوابير أمام مكاتب الاقتراع...

Close