"الفخفاخ" يخاتل ويتوعد

“الفخفاخ” يخاتل ويتوعد

عصفت الثورة بعرش “بن علي” وأربكت النظام الديمقراطي الوضعي وشياطينه. وكانت قاب قوسين أو أدنى من قلعه ونسف بنيانه بالكامل. ولكن وفي غفلة من جميع من ثاروا على المخلوع امتدت إليه الأيادي المرتعشة وانتشلته وأنقذته من التلاشي والاضمحلال  بعد أن ستغل أصحابها حسن ظن الناس بهم ومكنوه من مواصلة الضغط على رقابنا وكتم أنفاسنا بل أصبحوا هم الأداة التي يستعملها المستعمر في سلخنا وتقطيع أوصالنا.

مضى عقد تقريبا على فرار “بن علي” وما زال المستعمر يجوس خلال ديارنا. بعد أن استبد بالناس وهم اسمه التغيير عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية. كل حكومة تأتي تلعن سابقتها وتوغل في الارتهان للمستعمر وتسارع في تحقيق أطماعه وتعمل كل ما في وسعها ليحكم قبضته على البلاد ومقدراتها عبر  أذرعه ومؤسساته الناهبة بزعامة صندوق النقد الدولي. أنهكوها وأهلها بالاقتراض وأثقلوا كاهلها بالديون إلى أن خارت قواها ولم تعد قادرة على النهوض. ولما ملأ أنينها الأرجاء ولم يعد بمقدورهم التستر على  إجرامهم في حقها, لبسوا ثوب الناصحين وتبرؤا مما اقترفت أيديهم, بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك, فقد راحوا يحملون المفقرين والمعطلين عن العمل والجياع مسؤولية فقرهم وبطالتهم وجوعهم ثم يهددونهم بما هو أشد وأمر إن لم يقفوا لتونس، ويبشرونهم بمزيد من الألم والوجع, وتصبح املاءات صندوق النقد الدولي إصلاحات موجعة على الجميع تحملها دون تأفف ولا تذمر.. فعلها رئيس الحكومة السابق “يوسف الشاهد” والذي سبق له أن عمل في السفارة الأمريكية بتونس ومن قبله “المهدي جمعة” الوافد علينا من شركة “طوطال” الفرنسية فهو أول من بشرنا بمزيد من الألم, وها أن رئيس الحكومة الحالي “لياس الفخفاخ” يسير على نهج من سبقه، علما أنه هو أيضا نبت زرعه  في فرنسا ويحمل جنسيتها.

ففي حوار له مع إحدى القنوات الخاصة ساير كل من ترأسوا الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وأخبرنا -كأننا لا نعلم- أن الوضع الاقتصادي بلغ مرحلة خطيرة جدا وأن وضعية المالية للبلاد حرجة جدا. أبدع في وصف واقع البلاد وأطنب في الوصف وكأنه غير معني بتقديم الحلول وطرح البدائل لما هو موجود. ومن أين له أن يقدم الحل فهو سليل نظام امتص دماءنا طيلة ستة عقود ولولا الثورة لقال أن تونس  أنتهت للتو من ترسيم اسمها في سجل الدول المصنعة والمالكة لأعتى الأساطيل وذات سيادة مطلقة على ثرواتها وقراراتها, وأن شعبها يشكو من تخمة التقدم العلمي والتطور التكنلوجي. هذا وبعد أن أنهى “الياس الفخفاخ” الفصل الأول والذي حمل عنوان اللطمية، شرع في الفصل الثاني وقد خصصه للدجل والمخاتلة حين قال: “إن الحكومة قررت عدم اللجوء إلى التداين الخارجي والتعويل على موارد الدولة الخاصة” هكذا فجأة استجابت حكومة “الفخفاخ” إلى أحد أهم المطالب وهو الكف عن استجداء مؤسسات القوى الاستعمارية ثم الخنوع لإملاءاتها وشروطها القاسمة للظهر. فجأة  خالفت الحكومة الحالية مسار كل الحكومات منذ عهد “بورقيبة” إلى اليوم وأعلنت رفضها التذلل على أعتاب صندوق النقد الدولي وباقي أذرع الاستعمار, وستعتمد على موارد الدولة الذاتية ولن تريق مستقبلا ماء الوجه وتحافظ على كرامتنا وسيادتنا.. إنه قرار محمود لو أنه نابع عن إرادة وعن اقتناع بوجوب عدم الارتهان للخارج والاعتماد على مواردنا وثرواتنا بعد المحافظة عليها وعدم جعلها ملكا مشاعا يتصرف فيه المستعمر متى شاء وكيف ما يشاء. ما أعلنه رئيس الحكومة خداع ومخاتلة, والحقيقة أن ما يسمى بالمانحين الدوليين هم من قرروا عدم إقراض تونس لأنهم منحوا أموالهم للقيام بإصلاحات وهذا لم يحدث وما على هذه الحكومة إلا الانصياع التام لشروطهم وإملاءاتهم, وقد عبر “الفخفاخ” عن استعداد حكومته للرضوخ لطلباتهم وجاء ذلك في شكل تهديد بخفض أجور الوظيفة العمومية والمتقاعدين، إلى جانب إجراءات أخرى سبق وان وصفها سلفه “يوسف الشاهد” بالإجراءات المؤلمة.

رئيس الحكومة الحالي حاول أن يسوق صورة مغايرة لحكومته, وأراد أن يتقمص دور الحريص على مصلحة البلاد لكن فاقد الشيء لا يعطيه ولا يمكن لسليل النظام الديمقراطي أن يقدم الدواء الناجع لعلل استوطنت البلاد منذ أن أسس “بورقيبة” ما يسمونه بدولة الاستقلال حيث جيء به لتكون تونس تحت وصاية القوى الاستعمارية وتكون على الدوام شأنها شأن سائر بلاد المسلمين عرضة لسطوة تلك القوى بضمانة النظام الديمقراطي الوضعي الذي لا ينتج ولا يخرج نباته إلا نكد ولا ينتج إلا بيادق أقصا ما يقدرون عليه هو الدجل والمخاتلة..

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

استئصال الفساد المالي من الدولة
نقصد بالفساد المالي ما أصبح مألوفاً في هذه الأيام وفي كل دول العالم تقريباً وعلى مستويات متعددة ابتداءً من سرقة الأموال العامة على أيدي الحكام وك...
على خطى منظّمة الصحّة العالميّة: مركز دراسة الإسلام والديمقراطيّة يتولّى البناء الدّيمقراطي للمساجد
بعد أن فرضت علينا وزارة الشّؤون الدّينية هيئة تباعديّة بدعيّة باطلة للصّلاة على مذهب منظّمة (السّقم العالميّ) وكبّلت المساجد بكرّاس شروط كفيلة بت...
نعم، الفلاحة هي من سُبل تعزيز سيادتنا وتنمية اقتصادنا ولكن، أين هي السيادة حتى نعزّزها؟
من البديهي أنّ الفلاحة عمود أساسيّ من أعمدة اقتصاد أيّ بلد فهي المسؤول عن توفير الأمن الغذائي، وقد عدّتها الدّول التي تحترم نفسها وشعوبها من أمنه...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
ثقافة القوّة وثقافة الوهن والعجز

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه الثقافة هي مجموع ما لدى الإنسان من معارف...

Close