المصحّات الخاصة وصكوك حقّ الحياة
المصحّات الخاصة وصكوك حقّ الحياة

المصحّات الخاصة وصكوك حقّ الحياة

الخبر: طالبت النيابة العمومية بفتح بحث تحقيقي في حادثة رفض إحدى المصحات الخاصة بنابل استقبال ومعالجة القاضية سنية العريضي جرّاء إصابتها بفيروس كورونا واشترطت على زوجها مدّها بصكّ بـ 30 ألف دينار كضمان لقبولها، من أجل جريمة عدم الإنجاد القانوني، وذلك على خلفية وفاة القاضية .

وتجدر الإشارة إلى أن عددا من هياكل القضاء والمحاماة أدانت ما قالت إنه جريمة قام بها مشرفون على هذه المصحّة، ودخل القضاة التونسيون في إضراب عام عن العمل لمدة 5 أيام بداية من يوم الاثنين 16 نوفمبر ليتواصل إلى يوم الجمعة 20 نوفمبر. 

التعليق:قَالَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» هذا حديثٌ عظيمٌ فمن كانت عنده هذه الأمور الأربعة:(آمِنًا فِي سِرْبِهِ) يعني في مسكنه ومنزله ومن حوله، الصفة الثانية: (مُعَافًى فِي جَسَدِهِ) من الآفات والأمراض المقلقة والمزعجة، هذا تمتَّ عليه النعمة؛ (آمِنًا فِي سِرْبِهِ) لا يخاف من الأعداء، (مُعَافًى فِي جَسَدِهِ) من الأمراض المقلقة والمزعجة .(عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ): عنده غداءه أوعشاءه, ولكن لا يكون هذا إلاّ عند تطبيق أحكام الإسلام من طرف دولة الرعاية والعناية ولكن بتطبيق النظام العلماني علينا نفتقد اليوم لراحة البال وتجعل الكثير منا يؤمن بالقاعدة التي تقول “استمرار التفكير في آلام مرضك يزيد من الآلام”.

اليوم إن التفتنا يمينا إلى ما يسمى بـ”الصحة العمومية”لا نكاد نجد منها غير عنوانا يعاد ذكره في الاجتماعات الرسمية والتلفزات, أو بالكثير وجدنا مشاكل بلا حدود، أطباء بلا أدوات، أدوات بلا تعقيم وأحيانا مستشفيات لا تجد بها لا أدوات ولا تجهيزات تفي بالغرض، أما إن التفتنا يسارا نجد “المصحات الخاصة “.

للأسف اليوم علاقة التونسي بالمصحات العلاجية الخاصة، هي متاهة ودوران في العدم، إذ أنه يهرب من مطرقة المستشفيات العمومية وجحيمها، ليقع ضحية المصحة الإستشفائية الخاصة، ففي غياب مستشفيات عمومية، قادرة على استيعاب العدد الكبير من المرضى، إلى جانب إطار طبي عاجز عن تحمل ضغط الوافدين عليه، تبدأ رحلة المواطن التونسي الى “مصحات الاستنزاف”، حيث يتحوّل الإنسان الى مجرد علامة في معادلة الربح والخسارة لصاحب المؤسسة والطبيب المتعاون معها على حد سواء.وقد تقصد المصحات الخاصة في تونس، لأجل فحص بسيط يخبرك الطبيب أو أحد المسؤولين أن حالتك تستدعي إجراء عملية جراحية او مراقبة طويلة لصحتك، واذا قال لك الطبيب أن العملية تكلف مثلا 2000 دينار فثق أن الفاتورة النهائية ستكون ضعف أضعافها. هذا الحديث يعرفه القاصي والداني وفي الأوقات العادية، أمّا في زماننا هذا زمن الكورونا الفيروس المستجدّ، هذا الذي دخل حياتنا دون استئذان وشاركنا واقعنا المرير ليزيده مرارة، هذا الفيروس كشف الوجه البائس لمنظومتنا الصحّية التي كشفت كذب المسؤولين ونفاقهم  منذ عهد المقبور بورقيبة، فلم تعد المستشفيات قادرة على تحمّل الأعباء المنوطة بعهدتها، فاضطرّ كثير من المرضى إلى المصحات الخاصّة التي رأت في الجائحة فرصة للإثراء، وأصبحت تفرض على المريض مبالغ خياليّة (30 ألف دينار من أجل تحليل أو أنعاش أو عناية مزعومة).

في خطاب سابق وعد رئيس الحكومة هشام المشيشي بأنّ المصحّات الخاصة ستآزر جهود الدولة والقطاع العمومي في مواجهة كورونا، ويبدو أنّ المصحّات الخاصّة استجابت للحكومة، واستعدّت استعدادا للإجهاز على المرضى، لتؤازر الحكومة في نهب المواطنين أو إهمالهم وتركهم لمصيرهم فالمستشفيات لم تعد تقبل المصابين بكورونا، بل ترجعهم من حيث أتوا، أمّا المصحات الخاصة فتشترط مبالغ خياليّة ضمانا لعلاج غير موجود إن هو إلا إسعاف أو إنعاش في استغلال بشع لحالة خوف  المريض وأهله.

الليلة الواحدة في المصحّة قد تبلغ تكلفتها 3 آلاف دينارا، مقابل ماذا؟ لا شيء إلا تحليل وشيء من إنعاش بالأكسيجين.

ما تمارسه المصحّات ابتزاز وجشع بل هو جريمة ضدّ من ضيّعتهم سياسات صحيّة خرقاء وأهملهم أشباه حكام إذ تركوهم بلا رعاية صحيّة كريمة ليقعوا تحت وطأة الابتزاز والتنكيل، تنكّل بهم لوبيات الجشع والتكالب على جمع المال على حساب الأرواح.

السؤال هنا: ان كانت المستشفيات العمومية لا تقبل المرضى والمصحات الخاصة تطلب ما لا طاقة للمواطن به فأين  يعالج المصاب وإلى أين يذهب؟

تأتي اليوم وفاة القاضية سنية العريضي -والتي أثارت جدلا كبيرا على منصات التواصل الاجتماعي حول دور القطاع الصحي الخاص في هذه الأزمة –  بسبب رفض مصحة خاصة بولاية نابل معالجة القاضية الا بعد دفع مبلغ قدره 30 ألف دينار لتعرّي حقيقة المصحات الخاصة واستغلالها اللاّإنساني للمواطن التونسي وفي استهتار تام بحياة الأشخاص و بالحقّ في الحياة، يحصل هذا في سياق تخلّي الدولة عن دورها في ضمان الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية، ولكنّ أنّى لهذه الدولة أن توفّره…

إنّ رفض المصحات الخاصة اليوم قبول المرضى بكورونا إلاّ بعد دفع آلاف الدنانير مسبقا أو بشيك ضمان يعدّ استغلالا فاضحا لأزمة كورونا من أجل الربح السريع والاثراء، ولقد بلغ الأمر ببعض المصحات الخاصّة إلى احتجاز جثمان الموتى للمطالبة بخلاص فواتير مرتفعة وباهضة. هذا والدولة خرساء صمّاء عمياء لا ترى ولا تسمع ولا تتكلّم .

إن تقديم العون لمن يحتاج إليه سلوك إسلامي أصيل، وخلق رفيع تقتضيه الأخوة الإسلاميّة الصادقة، وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق، وإنّ الذي يطلب العون قد يكون مظلومًا أو عاجزًا أو مكروبًا، وفي كل الأحوال فإن إعانته وقضاء حاجته وتفريج كربته هو واجب، ولقد تكفل الله لمن فرج كربة الملهوف أن يفرج عنه كربة من كربات يوم القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام : “ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة “.

ما يحصل الآن ليس بسبب كورونا فقط بل هو نتيجة فساد وتقصير لعقود  فبدل أن يعتمد النظام المنبثق من عقيدة الأمة لرعاية شؤون الناس بالإسلام، بدل عن ذلك إعتمدالنظام الرأسمالي الجشع الذي يطمع في جيوب الناس ليسلبهم أموالهم ويزيدهم مرضا على مرضهم وفقرا على فقرهم، ما يحصل اليوم هو تعرية للواقع الحقيقي وأنّ دولة ما يسمّىبالاستقلال وبناء الدولة العصرية لم يكن إلاّ وهماكرّسوه، حتى جاءت كورونا وفضحتهم وعرّتهم، يوما ماسينتهي وباء كورونا لكن هناك أوبئة أخرى لن تنتهي ابدا – إلاّ باقتلاعها من جذورها – وهي فيروسات السياسة والأحزاب ومن يستثمرون في الأزمات والمصائب ولا يعنيهم ما يعانيه هذا الشعب بل يواصلون في غيهم الى ما لا نهاية.

محمد زروق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى من الإعلاميين. هذه الطبقة ...
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
مقدمة نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية على مفاصل الدولة في العص...
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
أين الحكومة؟  هكذا تساءل "حمّادي الجبالي" بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية، في مشهد ينطوي على مفار...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
صعود الشعبويّة واليمين المتطرّف في أوروبا: المظاهر والعوامل والتداعيات على الإسلام والمسلمين

بخطى حثيثة وثابتة، ما فتئ اليمين المتطرّف يرسّخ تقدّمه في أوروبا منذ العقد الأوّل من القرن الحالي محمّلاً بخطاب عنصري...

Close