مشروطيّة غربيّة تفرض نفسها وصيّة على الشعب التونسي

بيان سفراء مجموعة الدول السبع بتونس: مشروطيّة غربيّة تفرض نفسها وصيّة على الشعب التونسي

الخبر

أصدر سفراء مجموعة الدول السبع بتونس البيان التالي بتاريخ 6 سبتمبر:

“نؤكّدُ مجدّدا نحن مجموعة السبع التزامنا المستمر بالشراكة مع تونس وهي بصدد تطوير الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللازمة قصد الاستجابة للمطالب المشروعة للشعب التونسي حول تحقيق مستوى معيشي أفضل بالإضافة إلى إرساء حوكمة تتّسمُ بالنزاهة والفعالية والشفافية. 

ونحثُّ في هذا المضمار على سرعة العودة إلى نظام دستوري يضطلع فيه برلمانٌ منتخبٌ بدور بارز. كما نؤكد على الحاجة الماسّة لتعيين رئيس حكومة جديد حتّى يتسنّى تشكيل حكومة مقتدرة تستطيع معالجة الأزمات الراهنة التي تواجه تونس على الصعيد الاقتصادي والصحي وهو ما من شأنه أن يفسح المجال لحوار شامل حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية المُقترَحة. 

وندعو خلال تبلور هذا المسار إلى الالتزام العام باحترام الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لجميع التونسيين وباحترام سيادة القانون. 

كلّما أسرع الرئيس قيس سعيد في تحديد توجّه واضح بشأن سُبل المضي قدمًا بشكل يستجيب لاحتياجات الشعب التونسي، كلما تمكنت تونس من التركيز بشكل أسرع على معالجة التحديات الاقتصادية والصحية والاجتماعية التي تواجه البلاد. 

وستظلُّ مجموعة السبعة ملتزمة بإبقاء القيم الديمقراطية المشتركة ذات أهميّة محوريّة في علاقاتنا المستمرّة” اهـ.

التّعليق:

  1. الدّول السبعة هي ناد من نوادي الدّول الغربيّة تتزعّمه أمريكا ويضمّ أعرق الدّول في الاستعمار، (بريطانيا وفرنسا وأمريكا..)، ومعلوم أنّ هاته الدّول تسعى إلى الهيمنة على العالم، والهيمنة تعني فرض أفكارهم وقيمهم على دول العالم ولو بالقوّة، ثمّ فرض تقسيم عالميّ للشعوب فالشعوب الغربيّة هي المسموح لها بالتّصنيع والاختراع وهي التي تحدّد لبقيّة الشّعوب كيف تعيش. أي إنّه لا يُسمَح لأيّ شعب من الشّعوب أن يختار نمط عيش لا ترتضيه هاته الدّول الغربيّة، فالإسلام مثلا من المحرّمات الدّوليّة ولا يجوز لأيّ شعب مسلم أن يعيش وفق الإسلام، ولا أن يُقيم دولة إسلاميّة، ولذلك تزعّمت هاته الدّول حربا عالميّة تشنّها منذ تسعينات القرن الماضي على الأمّة الإسلاميّة ضدّ كلّ دعوة إلى العيش بالإسلام، بذريعة الحرب على الإرهاب. فكلّ دعوة إلى الإسلام هي إرهاب عندهم، وكلّ سعي إلى التحرّر من هيمنتهم هو سعيّ مجرّم يستحقّ فاعله عندهم المحاكمة بل الإعدام. ولو كان شعبا بأكمله.

  2. البيان الصّادر حول تونس بيان وقح، فيه تدخّل سافر لا فقط في الشأن الدّاخلي التّونسيّ (في بعض المسائل السياسيّة والاقتصاديّة) إنّما هو تدخّل لفرض نمط العيش الذي اختاره الغرب لتونس. فالجملة الأخيرة من البيان تهديد لتونس كلّها ومن ورائها كلّ الشّعوب المسلمة، فالعلاقات الجيّدة رهينة التزام التونسيين لا بالدّيمقراطيّة فقط بل بقيمها (عقيدتها، ومثلها العليا) بما يعني أنّ هاته الدّول لم تأت لمساعدة تونس إنّما هي جاءت تفرض على التونسيين نمط عيشهم، والعقيدة التي يجب عليهم اعتقادها والقيم التي يجب عليهم امتثالها. بما يعني أنّ العقيدة الإسلاميّة (شهادة أن لا إلاه إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله) يجب على التّونسيّ إلغاءها أو تعطيلها بتركها في المجال الشّخصي لا تتجاوزه، أمّا المجال العامّ فعلى التّونسيين أن يتخلّوا عن إسلامهم ودينهم وأن لا يفكّروا في تنظيم أمورهم بأحكام الإسلام التي اختارها لهم ربّ العالمين، وعليهم أن يأخذوا ما حدّدته الدّول الغربيّة، فإن لم يفعلوا؟ فسينظر إليهم الغرب نظرة العداء وسيقطعون دعمهم ومساعداتهم. وسيسعون إلى إجهاض كلّ محاولة يسعى فيها الشعب التّونسي (وكلّ شعب مسلم) إلى اختيار نمط عيش وفق عقيد تخالف عقيدة الغرب السياسيّة. وتاريخ هاته الدّول عريق في محاربة الشّعوب الإسلاميّة لأنّها مسلمة فقد أسقطوا الخلافة العثمانيّة التي كانت، على ضعفها، الكيان السياسيّ الجامع للشعوب المسلمة نعم أسقطوها وفكّكوا وحدة المسلمين بأن جعلوهم دويلات هزيلة ضعيفة لا تقوى على شيء، ثمّ فرضوا عليها جميعا التخلّي عن عقيدة الإسلام وأحكامه. 

  3. هذا البيان يكشف مرّة أخرى أنّ ” حريّة الشعوب في تقرير مصيرها” ليس إلا كذبة من أكاذيب الغرب المستعمر، أمّا الواقع فهيمنة فكريّة وتشريعيّة واقتصاديّة. يسعى من خلالها الغرب إلى جعل شعوبنا في أسفل السلّم، مجرّد شعوب خادمة في شركات الغرب ومصانعه، وبلادنا مزرعة له. 

  4. والمؤلم أنّ الطّبقة السياسيّة في تونس، لم تر في البيان تدخّلا في شؤوننا ولا رأت فيه تهديدا لمصيرنا، بل على العكس من ذلك فقد استقبله الجميع كنصّ حاكم ومقدّس لا طعن فيه وأنّى لهم الطّعن فيه وقد تنزّل عليهم من سفارات الغرب مجتمعين. فراح كلّ فريق يفسّر هذا النّص حسب رغباته وتوجّهاته: ففريق رأى أنّه ضدّ الرئيس ومع “الشّرعيّة” وفريق آخر رأى أنّه يدعم الرئيس وإجراءاته الاستثنائيّة.. بما يعني أنّ هذا البيان للدّول الغربيّة هو بمثابة المرجعيّة (المقدّسة) للفئة السياسيّة في تونس.

والسّؤال هنا: لماذا يحدّد الغرب طريقة عيشنا ونقبل؟  لماذا نقبل الوصاية الفكريّة على عقولنا؟ فهل نحن أمّة بلا تاريخ أو ثقافة؟ لماذا يقبل (من يحلو لهم أن يسمّوا أنفسهم نخبة) الدنيّة لأنفسهم ولشعبهم؟ أليس هذا هو الفساد بعينه؟ أن تجعل شعبا من أعرق الشعوب ثقافة وتاريخا كشعب تونس المسلم الذي كان يقود الجناح الغربيّ لدولة كانت الدولة الأولىفي العالم، شعبا كان سيّدا على البحر المتوسّط، تابعا ذليلا، أليس هذا هو الإجرام والخذلان؟ 

هؤلاء لم يعوا بعد أنّ شعب تونس المسلم قد فاتهم بأشواط وأنّه ما عاد يرضى بالوصاية والاستعمار وهيمنة الغرب عليه، وأنّه ما كانت الثّورة إلا من أجل التّحرّر الحقيقيّ من كلّ هيمنة. ولذلك ستستمرّ الثورة حتّى يكون التّحرّر الكامل فكريّا وعقائديّا وسياسيّا واقتصاديّا… ولن تستقرّ الأوضاع في تونس وفي كلّ بلاد العالم الإسلاميّ الثّائرة، بحلول وهميّة مستوردة يشترطها المستعمر.

أ, محمد الناصر شويخة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

إلى المراهنين على الرّئيس قيس سعيّد: (لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال (لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين) أي لا ينبغي ولا يجوز أن يُخدع المؤمن الحقيقيّ ...
مسار “التصحيح”: سطحيّة الطّرح وعمق الأزمة
مقدمة يبدو أن الرئيس قيس سعيد، لم يستوعب الدرس، أو ربما هو آخر من سيستوعب الدرس، مادام متماديا فيما اعتبره مسارا تصحيحيا لا عودة فيه إلى الوراء....
حديث في أزمة "تونس"..
الأزمة، الخروج من الأزمة، الإصلاح، تصحيح المسار، تحقيق أهداف الثّورة... كلمات سيطرت على العناوين وشغلت العقول والقلوب. وكثر فيها القيل والقال. وف...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في حرب المفاهيم والقيم: حاجة الأمة إلى أبنائها

وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، في مقال له نشره على موقعه على الإنترنت، بتاريخ 22 جوان 2021، وهو الذي قاد...

Close