تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم

تصارعوا… فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم

لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى من الإعلاميين. هذه الطبقة تفردت في المتعارف عليه من سياسة الشعوب، بإهمال القضايا الحيوية للبلاد والعباد، وتعمد الانشغال والإشغال بسفسافها، والتضليل عن معاليها، سعيا إلى الحفاظ على تسلطهم على رقاب الناس. كل ذلك رُغم الأذى الذي يلحقونه بهم، ورُغم عجزهم المفضوح عن رعاية أي شان من شؤونهم على الوجه المرجو من أي حاكم جدير بهذه الصفة. والغريب تبريرهم لهذا الفشل، بأن عشر سنوات من العنت والضنك، في عمر الشعوب، أمد غير ذي بال، بل ويدعونهم إلى التصبر آمادا أخرى، فغيرهم من الشعوب احتاجت ثورتهم لمائة سنة حتى تزهر وتثمر.

     جاءت إشارة الهاروني “الكسيحة” بدعوته ”أبناء الحركة” إلى النزول إلى الشارع لمعاضدة جهود الأمن في فرض النظام وحماية الممتلكات الخاصة والعامة, في إشارة إلى ما شهدته بعض الأحياء والمناطق من تحركات إحتجاجية، بقطع النظر عن ماهية هذه التحركات وأسبابها، لتكون خشبة الإنقاذ “لحركات سياسية” فقدت أي مبرر لوجودها بين الناس، بعد أن تعرت أمامهم وأبانت عن غربة مطلقة عن هموم الناس بل وخطرها الشديد عليهم، ولتعطيها مادة للحديث والظهور بمظهر الرحيم بهم والحامل لهمهم. تأتي صحوة هؤلاء الذين نبذهم الناس حتى في انتخابات كان حزب التحرير قد نبه إلى خطر إجرائها في ذلك المناخ، وأنه لن يكون من نتيجة لها سوى تكريس النفوذ الأجنبي في بلادنا. فأعادتهم تلك التصريحات ليتمسحوا بالسياسة من جديد بذريعة التصدي للتعدي الصارخ على الدستور وحق الدولة في احتكار مهمة حفظ الأمن، والذود عن وحدة الدولة والسلم الأهلية، والحفاظ على الحق في التظاهر السلمي وحرية إبداء الرأي.

       فكانت الفرصة المثلى للمناكفة السياسية، وإشغال الفضاء بالضوضاء، وتصديع الأذان بالصراخ الأجوف، وذلك  بمطالبة قيادة حركة النهضة بالتراجع فورا عن هذه التصريحات والاعتذار، ومطالبة رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة لتوضيح موقفه من هذه التجاوزات الصادرة عن “حزامه السياسي”، لإحراجه والضغط عليه، ودعوة الجهات القضائية إلى التحرك وتحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية في حماية الأمن العام والنظام الجمهوري، والقيام بالإجراءات القضائية المطلوبة في تتبع رئيس مجلس شورى النهضة وحزبه في ما ارتكبه في حق البلاد وأمنها، بل ودعوة القوات الأمنية والعسكرية لحماية مؤسسات الدولة وحماية القوات الحاملة للسلاح من “عقلية الأمن الموازي”. وبلغ الأمر حد تأليب الفئات المجتمعية ضد بعضها البعض بالدعوة للتجند من أجل مواجهة هذا السلوك وحماية أمن البلاد وحق الاحتجاج والتظاهر. فلم يشفع لحزب حركة النهضة كونه الفاعل الرئيسي، طيلة سني الثورة العشرة، في تثبيت النظام العلماني الذي ثار عليه الناس، لدى مختلف الفرقاء السياسيين ومنظمات ما يسمى بالمجتمع المدني حتى يقبل بينهم، لصلة له، كمكون سياسي، بالصبغة الإسلامية، فكانت مناكفته ومصارعته عنوان التصدي للدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية وإيجاد نمط العيش الذي يفرضه الإسلام.

  أشغلت الساحة السياسية في تونس بهذا “التصريح” وبحت الأصوات جراه، وراجت بضاعة سوق السياسة لدى ساسة الحداثة، حتى ليخيل للمشاهد العابر أن هموم تونس والتونسيين توقفت عند حدود التصدي لانتهاك الهاروني “المحرمات” وتعديه على الدستور وتهديده بتصريحه ذاك لحق الدولة في احتكار مهمة حفظ الأمن وتوابعه. والتبعة بذلك تقع على مؤسسات الدولة أن تؤدي دورها وتريحهم من هذا “الحشري”، حتى تبلغ تونس ما يعدها به “أبناؤها البررة” هؤلاء من هناء ورغد عيش.

 إلا أن هذه الآذان المرهفة التي لا تفلت أي وشوشة تعكر المزاج العام، وهذه الأنفس المتيقظة لكل من يتربص بالبلاد شرا، أو يهدد وحدة الدولة والسلم الأهلية، لم يلامس مجساتها تصريح لسفير لدولة أجنبية تمطى ذات 14 جانفي 2021 بقلب شارعهم الرئيسي في عاصمتهم في يوم “عيد” لهم، تبوؤوا فيه سدة الحكم وأرائك المعارضة، في يوم حالوا دون الناس ومشاركتهم فرحتهم وتهنئتهم بوثير المتكئات، خوفا عليهم من الجائحة، وليعلمهم ذاك السفير أن ثورتهم التي سمح لأحداثها أن تمضي حتى يغادر البلاد من انتهت مهمته لديهم، وجاءهم مع الساعة الثانية زوالا، وحيدا في الميدان، تحت نظر وزير الداخلية ـ رئيس الحكومةـ ومنظوريه، بعد نظره وتفكره في نتائج سياسته وقراراته التي رتبها لذلك اليوم وانتهى إلى وجاهتها، جاء  يهنئهم بنجاح الثورة ولم يبقى إلا تطلعه للفريق الجاد الذي سيطبق السياسة التي رسمها له. لم يرف لذلك ( ال…) جفن حاكم تربع على سدة الحكم ولم يستفز مناكف له يتربص الفرصة ليحل مكانه، فغابت الأخطار ولم يعد  للتعدي الصارخ على الدستور معنى، ولا لحق الدولة في احتكار مهمة حفظ الأمن مفهوم، ولا للذود عن وحدة الدولة والسلم الأهلية أهمية، ولا للحفاظ على الحق في التظاهر السلمي وحرية إبداء الرأي جدوى. استمرت وتيرة الصراخ حول  تصريح الهاروني “الخطير” في ارتفاع، وتتالت المنتديات الحوارية، ووجد الإعلاميون فيه مادة لزجة فأبحروا فيها.

لا بل لقد عميت أبصار و بصائر “الحكام” المباشرين والمعارضين الأشاوس وإعلامهم، أن يروا ذاك السفير نفسه ” إدوارد أوكدن ” وهو يجتمع  بمجموعة متنوعة من المنظمات غير الحكومية لمناقشة التحديات المتبقية، بما في ذلك: الشباب الذين يتركون المدرسة في وقت مبكر، والأمية، وحماية البيئة، حتى احتفل معهم بالآثار الجديدة لحرية التعبير على الثقافة والفن المزدهر في تونس وناقش معهم السبل العملية التي يمكن للمجتمع الدولي من خلالها دعم الديمقراطية التونسية.

كل ذلك ولم يشكل تصريح السفير البريطاني، ولا إقحامه أنفه في أدق خصوصياتنا أي خطر على بلدهم، فأعادوا أذهان التونسيين إلى نفس المربع، وأغرقوهم في نفس المستنقع، مستنقع المناكفات الدونكشوتية والعنتريات الفارغة، نأيا بأنفسهم عن التحرش بمن ليسوا في حجمه، مصارعة عدو حقيقي، تضليلا للناس عبر متاهة عبثهم السياسي. ها قد كفاكم، المسؤول الكبير ذاك، مؤونة تحديد موقعكم في الحياة وثني بتفصيل جزئيات حياتكم، وأعد خلفاءكم من شبيبتكم التي أسلمتموها له. فتنافسوا لتفوزوا برضاه، ليوكل للفائز منكم مهمة ما رتب لكم.

   ألم يئن الوقت أن ندرك أنه علينا أن لا نلدغ من نفس الجحر مرة أخرى، وأن خداعنا بأعراض الداء وانشغالنا بها مَهلَكَة، وأن هؤلاء الساسة هم جزء من مشكلاتنا، وأن ترك أمرنا بأيديهم انتحار! فالقضية التي تكاد تفقأ الأعين هي الاستعمار وأن إرادتنا ليست بأيدينا، وعلينا يقع فرض استعادتها. فلن تستتب السلم الاجتماعي ولن يتحقق تشغيل، ولن تتفرغ طاقات شبابنا للإبداع … ونحن تحت نفوذ القبضة الاستعمارية، نتبنى فكره، ونمتثل لأمره. نناديكم ولا نمل، بوصفكم أبناء هذه الأمة الكريمة، مخلصين لنا ولكم النصح، أن صعيد النظر، ورأس المعالي اليوم، أمران لا ثالث لهما:

    ــ الانعتاق من الهيمنة الاستعمارية ورفض كل تدخل له في أي من شؤوننا، واستعادة إرادتنا من عدونا

     ــ اعتمادنا، ونحن نخوض الحياة، على وجهة نظرنا في هذه الحياة وفهمنا لحقيقتها، أي على عقيدة “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله”، على أساسها ننظّم يومنا، ووفقها تتحدد طبيعة علاقاتنا بغيرنا. بدون هذا العقل للحياة وتفاصيلها، لن يكون لنا شأن ولن يقام لنا وزن بين الأمم.

عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس من عزّ الخلافة إلى ذلّ الوطنيّة والنّظام الجمهوري
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجيوش الفرنسيّة قد احتلّت تونس سنة 1881 بوصفها إيالة عثمانيّة أي ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلاميّة ،وقد ظلّت طيلة فترة ال...
مقاطعة الإعلام لحزب التحرير.. من أعطى الأمر ولماذا؟
منذ أن قالها الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي في مجلس أمنه ساخطًا متسائلاً محرضا على حزب التحرير: "ماذا نفعل في مواجهة حزب التحرير؟ هل من...
تسألون عن الحل! الحل معلوم غير مجهول، مسطور في كتاب الله وسنّة رسوله فماذا تنتظرون؟
تحوّل الأمر في تونس من العبث إلى التهريج، بل الهرج والتهارج، طبقة سياسيّة تحت خطّ العقل، لا تحسن إلا الانبطاح للأوروبيين، وفي سبيل ذلك يتخاصمون و...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟

مقدمة نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية...

Close