تعويم العملة أم ربطها بالذهب و الفضة

تعويم العملة أم ربطها بالذهب و الفضة

في ظل الأزمة السياسية و الاقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد تروج أخبار حول سعي الحكومة لتعويم الدينار استجابة لأوامر صندوق النقد الدولي. وكان الصندوق قد ربط منح القرض الممدد بقيمة 2.9 مليار دولار بإصلاحات اقتصادية عدة منها تخفيض قيمة الدينار التونسي.
وبالرغم من أن سعر الدينار قد خسر مقابل الدولار أكثر من 50% من قيمته في أربع سنوات، حيث خسر هذه السنة وحدها ما يقارب نسبة 20% استجابة لأوامر روتر بيورن رئيس وفد صندوق النقد الدولي بتونس الذي طالب في شهر أفريل 2018 بزيادة تخفيضه ليبلغ النسبة المذكورة، إلا أن الحكومة عازمة على السير قدما في تعويم العملة، و ذلك بشكل تدريجي عوض القيام بها دفعة واحدة كما حدث في مصر.
وتعويم العملة يعني عدم تدخل البنك المركزي في تحديد سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية، و ترك تحديد سعر صرفه من خلال آلية العرض والطلب، وتتخذ الدول، خاصة النامية إجراء خفض العملة والتعويم لتحقيق ثلاثة أهداف هي تقليل الواردات وزيادة الصادرات، وتخفيض العجز التجاري، والتخلص من تبعات الدين المنوطة بالعملة المحلية للدولة كفوائد الدين وخدمة الدين والتي عادة ما تدفع بالعملة المحلية.
ومن المعلوم أن تونس لديها عجز هائل في الميزان التجاري بلغ حوالي 8.5 مليار دينار نهاية السداسية الاولى لهذه السنة، ما يشكل ضغطا كبيرا على احتياطي تونس من العملة الصعبة.
لقد أخطأت دولة الاستقلال في ربط قيمة صرف الدينار بسعر معين مقابل الدولار أو غيره، لأن ذلك يضر بسيادة البلد و يضعف الاقتصاد ويجعل الاستيراد من الخارج مقدما على الإنتاج المحلي والتصدير، و يجعل قيمة العملة تخضع إلى تذبذبات سعر الصرف و تلاعب الدول الكبرى. ثم إن المحافظة على سعر صرف معين يقتضي من البنك المركزي العمل على شراء العملات الأجنبية ولو بالدين والاقتراض من أجل تسهيل الاستيراد. وبالتالي فإن ربط الدينار بالدولار أو الاورو كان ولا يزال عملا خاطئا وكان من المفروض على الحكومات المتعاقبة على حكم تونس أن تلغي هذا الترابط من قبل أن يفرض عليها صندوق النقد ذلك.
ومع أن تعويم العملة في أي بلد وعدم ربطها بأي عملة خارجية من حيث القوة والضعف هو عمل ضروري لجميع الدول، إلا أن ترك العملة في مهب الريح وفي ظل غياب ثروة صناعية و اقتصادية سيؤدي إلى:
• ارتفاع أسعار السلع محليا، بسبب انخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية. لأن تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار يجعل فاتورة الاستيراد أعلى بكثير، وهو ما ينعكس سلبا على كلفة الانتاج و بالتالي على الأسعار، وقد تزداد هذه الفاتورة كثيرا إذا استمر الدينار بالانخفاض مقابل الدولار.
• عدم الاستفادة من انخفاض العملة في منافسة الصادرات التونسية للبضائع الأخرى في الأسواق الدولية، بسبب قلة هذه الصادرات.
• بيع طاقات وثروات البلاد بسعر زهيد.للشركات الأجنبية التي تتحين الفرصة لالتهام المؤسسات العمومية.
• تضخم الدين الخارجي و بالتالي زيادة العجز في ميزان المدفوعات
لقد كان الأحرى بالحكومة أن تفك ارتباط الدينار التونسي بالدولار الأمريكي و أن تجعل عملتها مرتبطة بشيء ثابت مستقر لا يجعل لأمريكا ولا لصندوق النقد هيمنة ولا سيادة عليها. ولا يوجد في الدنيا أشد ثباتا وقوة من الذهب والفضة التي فرضها الله تعالى لتكون هي وحدها نقد المسلمين وغطاء نقدهم. وربط الدينار بالذهب يحفظ للدولة سيادتها من جهة ويقلل أعباءها، ومن جهة أخرى يحفظ للشخص العادي ماله ومقدرته الشرائية.
فلو كانت الحكومة تملك سيادتها و تريد حقا معالجة مشكلة النقد، لنقلت الدينار من غطاء الدولار إلى غطاء الذهب و الفضة بدلا من أن تسعى إلى تعويمه وجعله في مهب الريح، تعصف به وبشعب تونس مضاربات المرابين و وحوش المال الفاسدين.
وإن من أول الاجراءات المالية التي يجب اتخاذها هو فك ارتباط البلاد بالمؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي و صندوق النقد الدولي، حتى لا يكون لهما تأثير على سياسة البلاد النقدية. ثم بعد ذلك فك ارتباط الدينار التونسي بالدولار الأمريكي و اتخاذ الذهب و الفضة نقدا للبلاد و ربط الدينار بهما، ما يقضي على التضخم لأن الدولة لا تستطيع صك النقد الا حسب كمية المعدن الموجود، وهو محدود بخلاف الاوراق النقدية حيث تقوم الدولة بطباعة أي كمية شاءت لسرقة جهود الناس وثرواتهم.
ولا شك أن مثل هذه الاجراءات لن تكون بمعزل اجراءات كثيرة لا بد من اتخاذها، كالضغط على الإيرادات بتوفير ما يلزم الناس من الطاقة و الغذاء، فعوض أن ندفع بالعملة الصعبة لشركة أجنبية ما تنتجه أرضنا من الطاقة، نستخرج بأنفسنا ثرواتنا و نقوم بتحويلها، و عوض أن نستورد القمح و نصدر القوارص والعنب، نوفر لأنفسنا الاكتفاء الذاتي في الزراعة الاستراتيجية كالقمح، و أرض الخضراء قادرة أن تغنينا كما أغنت روما في الزمن الغابر.
إن هذه الخطوات هي أول الإجراءات المالية التي ستتخذها دولة الخلافة فور قيامها والتي ستجعل من عملة دولة الخلافة بمجرد صدورها عملة صعبة تنافس الدولار الأمريكي و الفرنك السويسري، بل ستجعل من عملة دولة الخلافة مقياسا لكل العملات، و ذلك للثقة التي يتمتع بها المعدن الأصفر عند شعوب العالم، وهو ما يبين لنا مقدار عظمة الاسلام وروعته في نظرته الى النقود وجعله الذهب والفضة فقط اساس للعملة عند المسلمين بما يحققه هذا النظام النقدى من استقرار ورخاء عام في الشؤون الاقتصادية للرعية ويحميها من تحكم الأجنبي الخبيث في مقدارتها كما هو عليه الحال حتى الان.

د. الأسعد العجيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تراشق.. فتوافق.. فإرضاء المسؤول الكبير
لن نأتي بالجديد إن قلنا أن السياسة في النظام الديمقراطي تقوم على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة, والغاية عندهم هي السلطة وغنائمها وملذاتها ومكاسبها, أ...
الجدل حول الحكومة تعدّدت العناوين والخيبة واحدة
جمعهم الثبات على المفاهيم الغربية والتشبث بالنظام الوضعي والعض عليه بالنواجذ، ومشاقّة الله ورسوله وشن" الحرب تلوى الأخرى على أحكام الإسلام. هذا م...
المفاصلة السياسية حتميّة مبدئية
حين يطرق حملة لواء الحقّ والخير والمعروف باب المجتمع مبشّرين بدعوتهم داعين إلى فكرتهم، ناقدين لعلاقات المجتمع بأفكاره ومشاعره وأنظمته، متفاعلين م...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تحت اسم الثقافة والانفتاح والحداثة يُخدش الحياء
تحت اسم الثقافة والانفتاح والحداثة يُخدش الحياء; في إطار ما يسمى بمهرجان “قرطاج” المسرحي

بيان صحفي تحت اسم الثقافة والانفتاح والحداثة يُخدش الحياء في إطار ما يسمى بمهرجان "قرطاج" المسرحي أيام تصرف فيها الدولة...

Close