ياسين بن علي

لم تعد المطالبة بتغيير النظام = في العرف السياسي والجماهيري = بدعا من القول أو تهمة إجرامية تستوجب متابعة ومحاكمة بل أصبحت = بعد الثورات = مطلبا شعبيا وسياسيا قابلا للنظر والبحث، لا تثريب على قائله ولا غرابة في الدعوة إليه. وفي هذا السياق، نجد في تونس أصوات متعدّدة متنوعة، منها أصوات رجال الحكم أنفسهم، تطالب بتغيير النظام (نظام الحكم أو النظام الانتخابي) الذي أقرّه دستور ما بعد الثورة؛ فكان هذا مطلب الباجي قائد السبسي الرئيس السابق، وهو مطلب الرئيس الحالي قيس سعيّد، ومطلب مجموعة من السياسيين منهم على سبيل الذكر لا الحصر: عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع السابق ومرشّح الرئاسة، ومحسن مرزوق، وعبير موسى، وناجي جلّول، وسميرة مرعي، ومبروك كرشيد وغيرهم.

وقد أكّد جوهر بن مبارك أستاذ القانون الدستوري هذا الأمر معتبرا “أنه لا يمكن اليوم أن نخفي أو ننكر أن الدعوات التي تطالب بإعادة كتابة الدستور أو تعديله وتغيير النظام السياسي الذي تم إقراره لم يعد اليوم صوتا نشازا بعد أن خرجت هذه الدعوات إلى الشارع وإلى الإعلام وأصبحت قضايا تتداول في مقرات الأحزاب السياسية ويتبناها بعض السياسيين ورموز الطبقة المثقفة، فمطلب تنقيح الدستور وتغيير النظام السياسي الذي نسب في وقت ما إلى الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية قد أضحى اليوم قضية حارقة خرجت من قصر قرطاج لتتحول إلى قضية رأي عام تشغل الجميع شعبا ونخبا وإعلاما وسياسيين” (نقلا عن الصريح أونلاين، 07/05/2019م).

ويبدو أنّ طبقة العلماء في تونس، من مشايخ ودكاترة وأساتذة مختصّة في علوم الشريعة، مستثناة من النخب المعنيّة بالأمر؛ فلم نسمع إلى الآن عن أحد منهم طالب = كما يطالب البقيّة = بتغيير النظام الحالي العلماني واستبداله بنظام إسلامي في شكله ومضمونه. ولا أدري متى يتخلّص العلماء من عقدة الماضي التي كبتت صوتهم وحصرت دورهم في الوعظ والإرشاد وحبست عملهم بين جدران المساجد والمعاهد الدينية؟

ليعلم العلماء أنّ العالم الربّاني = كما قال الإمام مجاهد بن جبر = هو “الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم”. فليس العالم من حفظ المتون وأكثر الرواية وطلب الأسانيد العالية، أو من تلقّب بالألقاب العظيمة وجمّع الشهادات وأثرى المكتبات بالمصنّفات، أو من شغل النّاس في المطالبة بجزئيات منفصلة عن كلّياتها؛ إنما العالم الربّاني الحقّ هو الذي يهتمّ بشؤون أمّته، ويتتبّع قضاياهم ويدرك مشاكلهم ويعي على واقعهم ويقدّم المعالجات والحلول الجذرية المنبثقة عن عقيدته والمنسجمة مع أمانته التي كلّف بها.فلا يكون العالم من ورثة الأنبياء إلّا إذا كان من {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)} (الأحزاب). ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل القائل: “إذا سكت الجاهل لجهله، وأمسك العالم تقيّة، فمتى تقوم لله حجة؟”.


x

Related Posts

مغالطات سياسيّة يصرّح بها الرئيس إثر مقاطعة الناس لمهزلة الانتخابات التشريعيّة
أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الدورة الثانية للانتخابات النيابية التي جرت الأحد 29 كاون الثاني/يناير 2023 بلغت 1...
البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
جريدة التحرير