تمضي الطغاة والجبابرة وتبقى الزيتونة غرّة زاهرة وآية باهرة

تمضي الطغاة والجبابرة وتبقى الزيتونة غرّة زاهرة وآية باهرة

ليست الزيتونة مجرّد مؤسّسة تقوم بوظيفة خاضعة للنظام يلزمها بالصمت حينا وحينا آخر بالكلام، فتحرّم له الحلال وتحلّ له الحرام.لا، وألف لا؛ لأنّ الزيتونة هي مقياس الحلال والحرام وهي حاملة لواء الإسلام ومشكاة نوره، فلا تخضع لحكومة أو نظام بل يخضع الكلّ لها. فلطالما كان جامع الزيتونة – كما يقول الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في ومضات فكر – “سنيا نابيا عن الدولة، فعادت الدولة إليه”.
وليست الزيتونة اليوم طللا نقف عليه نندبه ونبكيه، فلا زال بنيانها قائما معمورا يشهد بعظمة بانيه، يذكّر روّاده بقمم علمية درست ودرّست فيه يشاهد أثر تقواهم وعبقريتهم ورجولتهم في كلّ أرجائه ونواحيه، فيطير بهم محلّقا في سماء روحه الطاهرة متعاليا عن شبح هياكله ومبانيه، ليستلهمو منه أسمى قيمه وأرقى معانيه.
فجامع الزيتونة – كما قال الشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي – “الرباط الحصين الباقي للأمة تتحصّن فيه لتصدّ غارات المغيرين، والملجأ الذي تلجأ إليه ومنه تستمد المدد لتجابه الأخطار في كل حين، والمعقل الذي صمد أيام الأعاصير، والعلم الشامخ الذي لم تطأه النعال فكان حرزا منيعا للدين واللغة الذين هما أخصّ مقومات الأمّة وحجر الزاوية التي يقام عليه صرح مجدها وعزّها. وهكذا كان جامع الزيتونة في كل العصور هو الحلقة التي تربط المستقبل بالماضي منذ نشأته إلى يوم الناس هذا… ومن ثمّ كان تعلّق الأمة به شديدا وشديدا جدا لأنها تعلم أنّ كلّ شيء من مظاهر الحياة يزول كما زالت أمثاله في العصور الماضية ويبقى جامع الزيتونة يحفظ على الأمة أعزّ شيء لديها وأسمى مقوماتها التي تحفظ لها ذاتيتها”.
ورحم الله الشيخ حسن المجيدي القائل:

زيتونة قد بوركت فتألقّت … أنوارها تهدي النهى إذ تبدو
بيت أقيم على العقيدة صرحه … فله الملائك في النوائب جند
بيت له في كلّ قلب مؤمن … ما عزّ من قيم بها يعتد
بيت له في كلّ عصر شاهد … بالفضل لم يطمس سناه الجحد
وإنّ من أسمى القيم وأرقى المعاني التي يمكن لنا أن نستلهمها من الزيتونة، رغم ما مرّت به من حوادث أليمة وتقلبات وما نالها من مصائب وويلات، حقيقة ظاهرة للعيان، متزيّنة بجواهر العبر الحسان، ليعتبر بها كلّ إنسان، ألا وهي: مضى الطغاة والجبابرة، وبقيت الزيتونة غرّة زاهرة وآية باهرة.
فأين العبيدية، وأين النرمان، وأين الإسبان، وأين الفرنسيس، وأين بورقيبة، وأين ابن علي؟ ذهب الكلّ وطواهم النسيان، وبقيت الزيتونةشامخة عامرة.
نعم، لا يرى على الزيتونة اليوم أثر العبقرية والنبوغ في العلم، ولا ضير في هذا فلكلّ جواد كبوة ولكلّ صارم نبوة، ولطالما انقطع العلم برحاب الزيتونة ثمّ عاد أقوى مما كان.ومع ذلك، فالزيتونة اليوم تؤدّي دورهاكعلامة من علامات تجذّر الدّين في هذه البلاد، تحثّنا على العمل من أجل استئناف الحياة الإسلامية ووصل ما انقطع من رسالتها. فالزيتونة اليوم هي رمز خلود الإسلام في هذا البلد، وكفى بها رمزا.

ياسين بن علي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

نظام ميانمار مستمر في عمليات الإبادة الجماعية ضد مسلمي الروهينجا
الخبر: ألقى تحليل صور الأقمار الصناعية مزيداً من الشكوك على الوعود التي تقطعها ميانمار فيما يتعلق بترتيبات من أجل العودة الآمنة والإنسانية لمسلم...
السياسة الفرنسية وكيفية مواجهتها
بالرغم من الضعف الشديد الذي طرأ على السياسة الفرنسية بعد الاتفاق الامريكي الروسي سنة 1961 على تصفية الاستعمار القديم في اسيا وافريقيا، والمتمثل ف...
مات السبسي، ولم يمت المسؤول الكبير... فماذا في ملفات المترشحين؟
مات "الباجي قايد السبسي" ولم يُجب على سؤال كبير, عن سؤال ظلّ لغزا عند الكثير من أهل تونس.  ذلك  السؤال هو: من المسؤول الكبير الذي عاتبه؟ من ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في القبح السياسي: حين تضحّي النّهضة والنّداء بأصنامهما على مذبح انتخابات 2019

حدّث أبو ذر التّونسي قال: من المؤسف حقًّا أنّ السياسة بمفهومها الرأسمالي الميكيافيلي المتداول اصطلاح مثقل بالأدران والمخازي يئنّ تحت...

Close