تونس، هي بلد صغير من حيث حجمه وعدد سكانه، كبير من حيث عطائه وخيراته إذا حكمه رجال قادرون على توظيف ثرواته البشرية والطبيعية وقواه الحيّة إلى معادلة سياسية تفرض نفسها إقليميّا، عند تبني فكرة حضارية تكون أساسا للنهضة، فتعيد للأمة مجدها وللإسلام بريقه ولشمال إفريقيا إشعاعها الذي عاشته زمن فتح الأندلس، بل أكثر وأوسعبإذن الله.

إن العبث العلماني بتونس وأهلها في ظل غياب سلطان الإسلام قد بلغ طيلة هذه العقود كل مبلغ، فلم يكتف الاستعماربسلخ هذا البلد عن جسد الأمة، وإنما استطاع إيصال حكام ظالمين وفرض دساتير وضعية تقطع مع الإسلام في الحكم والتشريع قطعا نهائيا، وتعيق مسار التحرر من التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية، وتمدد بقاء النظام الرأسمالي جاثما فوق صدورنا ينهب خيراتنا ويوظف طاقاتنا لصالح القوى الغربية المتكالبة على بلاد المسلمين، والأخطر من ذلك، أنه نجح في صناعة الأزمات، ثم حصرها في أشخاص الحكام السابقين، ونعتهم بالفساد دون النظام الذي يغيّر جلده ويخرج من قفص الاتّهام في كل مرّة ينتفض فيها أبناء الشعب ضدّه.

ثلاث عقود نجح خلالها بورقيبة في تدجين جيل كامل، تلاها عقدان أو تزيد من حكم بن علي الذي فرض على الجميع الدخول إلى بيت الطاعة والعيش تحت سقف هذا النظام الفاسد والسكوت عن طبيعة الأزمة الحضارية التي يعيشها هذا الشعب المسلم، بفصل دينه عن جميع أنظمة العيش، حتى صار التفاعل مع قضايا الأمة الإسلاميّة في عهده من المحرّمات.

ثم لما فرض الشعب معادلة سياسية جديدة بوعي شبابه ودماء شهدائه، سارع الغرب إلى تقديم روّاد السفارات الأجنبية لاختطاف الثورة، مع الاستعانة بورقة الإرهاب، ليصنع توافقا سياسيا مغشوشا ومشهدا سياسيا متعفنا، صار يعرف اليوم بالعشرية السوداء.

أما رمز البياض الناصع والطهر الخالص والصعود الشاهق قيس سعيد، فقد جعل من هذه العناوين غطاء لمشهد أشد قتامة وسوادا، وأسرع نسقا في تقديم أبناء هذا الشعب قرابين لمصاصي الدماء من أرباب الرأسمالية العالمية ومؤسسات النهب الدولي، والعودة بتونس إلى أحضان الكافر المستعمر بما يقتضيه التقرب إلى الأسياد من تطبيع مع طغاة الملك الجبري ومع كيان المسخ يهود.

وإنّ الحرص على توظيف القوات المسلّحة، وإبرازها في الصورة عند كل خطاب متشنج من خطابات الرئيس، يعكس نفسيّة منهزمة تحاول تأكيد وجود مساندة لهذا المسار الأعرج المتهاوي، خاصة بعد العزوف الواعي الذي مارسه الشعب تجاه المحطات السياسية المعلنة، ليس آخرها مهزلة الانتخابات التشريعية. وقد كان حريّا بالرئيس وهو يتوعد خصومه بالتطهير أو التصفية وينعتهم بأبشع النعوت أن يلاحظ التفاعل الباهت لمن أحاط بهم نفسه، ممن لم يقفز بعد من سفينة 25 جويلية، فكيف بمن يتجرعون يوميّا مرارة غياب الدولة الإسلامية وحكمها العادل، ويذوقون وبال الحياة في بلد فُصل فيه الدّين عن أنظمة العيش وعُوقب شعبه جماعيا على ثورتهم.

إن ما يجب الوعي عليه في ظل هذه الأزمات المتراكمة، هي أنها جميعها من صنع الاستعمار الذي لا يزال يقود المرحلة عالميا، في ظل حالة الفراغ السياسي التي تعيشها أمّة الإسلام منذ سقوط دولة الخلافة. فصناعة الأزمات من اختصاص الاستعمار للحفاظ على نفوذه، مثلما أنّ صناعة “النهضات” المشروطة أيضا من اختصاصه، وليس أدل على ذلك مما تسير فيه بعض الدول على غرار قطر وتركيا والمغرب، من “نهضات” قُطريّة مغشوشة لا تقوم على أساس فكريّ متين، إنما على أشكال مدنيّة وتطور ماديّ وتطاول في البنيان لا يكترث للأمة ولحضارتها ولعقيدتها ولدينها ولكيانها ولمستقبل أبنائها، بل هي “نهضة” تلغي مفهوم الجهاد في سبيل الله ومفهوم السيادة وتمُرّ عبر جسر التطبيع مع أعداء الله فتقتل فيها العزيمة والإرادة.

ولذلك فإن حصر الصراع في تونس، بين رئيس يُفقّر شعبه ويتسول على أعتاب الكفار المستعمرين ثم يتهم خصومه بصناعة هذه الأزمة، وبين معارضة تستمدّ سبل بقائها في المشهد السياسي من استهداف شخص الرئيس دون النظام المولّد للأزمات، لهي خطة غربية ماكرة، تتنافس على تمريرها عواصم الغرب، لإحكام قبضتها على هذا البلد، وعلى خيار الإعراض عن شرع الله بكل ما جلبه لنا من أزمات وما أنتجه من ظلمات.

وليس أدل عن ذلك، من إعلان المعارضة استعدادها للتعامل مع صندوق النقد الدولي، وأنها لا تعارض الرئيس في هذا التمشي لأن فيه –بزعمها- مصلحة تونس، كما لا تمانع من المرور إلى حوار شامل، يشمل من يعتبرونه سبب الأزمة، وكلّه تحت غطاء التضحية في سبيل تونس، وأيّ تضحية. بل ليس أدل عن ذلك، من أن تُطلّ أمريكا برأسها وتدلي بدلوها هي الأخرى، وهي من يعتبر تونس حديقة خلفية لتسيير الملف الليبي سياسيا وأمنيّا وعسكريا، فهل يكون خلاص تونس في مسايرة ما تطلبه عواصم الغرب وتقاسم جرم خيانة الله ورسوله والمؤمنين؟

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – قال: أقبل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم.رواه ابن ماجه في سننه.


x

Related Posts

مغالطات سياسيّة يصرّح بها الرئيس إثر مقاطعة الناس لمهزلة الانتخابات التشريعيّة
أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أنّ نسبة الإقبال على التصويت في الدورة الثانية للانتخابات النيابية التي جرت الأحد 29 كاون الثاني/يناير 2023 بلغت 1...
البؤســـاء
سنة 1869، فرضت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، تشكيل لجنة مالية دولية بتونس، سميّت بالكوميسيون المالي، وذلك على خلفية الأزمة المالية التي استحال ...
جريدة التحرير