تونس والاغتيالات السياسيّة الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع نموذجا
تونس والاغتيالات السياسيّة الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع نموذجا

تونس والاغتيالات السياسيّة الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع نموذجا

لطالما مثّلت تونس ـ لاسيّما خلال الفترة الاستعماريّة ـ مسرحا للاغتيالات السياسيّة والتّصفيات الجسديّة التي طالت كلّ من يمثّل خطرا على الوجود الاستعماريّ ومصالحه في البلاد إمّا مباشرة (أبطال المقاومة الشّعبيّة ـ المنصف باي..) أو بالتّنسيق مع عملائها بالدّاخل لتأمين انتقال مشعل الاستعمار بالوكالة إلى أيديهم الأمينة (علي البلهوان ـ الحبيب ثامر ـ الهادي شاكر ـ فرحات حشّاد..) وقد تواصل هذا التّأمين مع بداية مسرحيّة الاستقلال لتثبيت أقدام بورقيبة في الحكم (صالح بن يوسف ـ لزهر الشّرايطي..).. مع احتدام القضيّة الفلسطينيّة أضحت تونس (غرفة الإعدام) الآمنة للموساد الإسرائيلي يستدرج إليها الضّحايا التي استعصت عليه خارجها :انطلق ذلك مع بورقيبة (تصفية صقور الكوادر الفتحاويّة في حمّام الشّط) وتواصل مع بن علي (تصفية مهندس الانتفاضة الفلسطينيّة أبو جهاد) وها هو يتكرّر مع حكومات ما بعد الثّورة (تصفية مهندس الطيران الحمساوي الشّهيد محمّد الزواري).. كلّ ذلك في ظلّ صمت مريب وتواطؤ مفضوح من (الحكومات الثّوريّة) التي لم تكتف برهن البلاد والعباد والمقدّرات للكافر المستعمر بل جعلت من تونس وكرا حصينا للجواسيس ومرتعا آمنا لأجهزة المخابرات وعصابات المناولة الأمنيّة يصولون فيها ويجولون وينفّذون أجندات الإعدام الاستعماريّة بكلّ حريّة تذلّل لهم (هيبة الدّولة) كافّة العقبات وتتكتّم عليهم وتُلصق جرائمهم بالإسلاميّين وتؤمّن لهم الدّخول والخروج سالمين.. أمّا إذا ما انكشف أمرهم وألقي عليهم القبض فإنّها تتكفّل بمغالطة الرّأي العامّ وتضليل العدالة والشّعب بنكت سمجة تحوّل الأسلحة الفتّاكة إلى ألعاب ناريّة والقنّاصة المتلبّسين إلى سيّاح يمارسون رياضة صيد الخنزير في قلب العاصمة (؟؟) قبل أن تتولّى تهريبهم خارج البلاد..بهذه الكيفيّة اغتيل شكري بلعيد ومحمّد البراهمي وسمّم العميد عبد الفتّاح عمر والمحامي فوزي بن مراد وأعدم خيرة شباب تونس من ضبّاط الجيش والأمن.. 

لمحة تاريخيّة

إنّ أسلوب الاغتيال السياسيّ ليس جديدا في حقّ الأمّة الإسلاميّة إذ اعتُمِد منذ الفترة النّبويّة والرّاشدة وتواصل إلى اليوم من طرف أعداء الأمّة جيلا بعد جيل (اليهود ـ الفرس المجوس ـ الصليبيّين ـ الماسون ـ الغرب الاستعماريّ ـ الصّهاينة..) وخلال هذا الخضمّ التّاريخيّ هناك فترتان متميّزتان انزاح فيهما الاغتيال السياسيّ عن الشّكل الفرديّ المعزول ليتّخذ شكلا جماعيّا عبر استهداف الخلايا النّوعيّة بالجملة في جسد المجتمع الإسلاميّ تمهيدا لشلّه بالكامل قبل الانقضاض عليه..الفترة الأولى كانت أثناء الحروب الصليبيّة على يدي غلاة الشّيعة المارقين من الملّة وخاصّة منهم الإسماعيليّة وأخطر فرقهم (الحشّاشين) :فقد اعتصمت هذه العصابة الشّيطانيّة بقلعة (ألاموت) غربيّ إيران ومثّلت بقيادة الحسن ابن الصباح (جدّ آل الصباح حكّام الكويت حاليّا) أخطر معاول الهدم التي عرفها المسلمون أثناء الحروب الصليبيّة ،فقد انضمّوا إلى الصليبيّين وسلّموهم دمشق وحصن بانياس وحاربوا إلى جانبهم..وكانت لهم فرقة مكلّفة بالاغتيالات تسمّى (الفدائيّين) اختصّت في تصفية أبطال المسلمين وقادتهم الأفذاذ وعلمائهم وصلحائهم وحكمائهم ومجاهديهم بهدف إفراغ المجتمع الإسلاميّ من الخلايا النّوعيّة الحيّة حتّى يتصدّع ويسقط لقمة سائغة في أفواه الصليبيّين.. وممّن ذهبوا ضحيّتهم نذكر الوزير السّجوقيّ الصّالح نظام الملك وصاحب حمص جناح الدّولة وصاحب دمشق تاج الملك وشيخ الشافعيّة أبا جعفر المشّاط والأمير يوسف السلجوقيّ، بل إنّهم اغتالوا الخليفة العبّاسيّ المسترشد وتجرّؤا على البطل صلاح الدّين الأيّوبيّ ولولا دروعه المنيعة لقضوا عليه..أمّا الفترة الثّانية فقد واكبت وأعقبت المرحلة الاستعماريّة نهاية القرن 19م إلى يوم النّاس هذا وأبرز مثال عنها ما اقترفه التحالف المسيحيّ الصهيونيّ  في حقّ العراق والعراقيّين أثناء حرب الخليج الثّانية: فقد باشر القتل الجماعيّ على الهويّة وتصفية الشّباب المسلم وأعضاء هيئة علماء المسلمين، كما استهدف العقول والكفاءات العراقيّة في جميع المجالات لاسيّما الطيّارين والرّتب العسكريّة الرّفيعة والأطبّاء والمهندسين والعلماء القائمين على المشروعين الجرثوميّ والنّوويّ (اغتيال 315 عالم ذرّة) وذلك بغية تصفية القوّة العراقيّة ومنعها من إعادة بناء قدراتها العسكريّة والعلميّة وقطع الطّريق أمام إمكانيّة إعادة توظيفهم من طرف جهة إسلاميّة أخرى.. 

يوسف صاحب الطّابع

ممّا يجهله غالبيّة التونسيّين أنّ الوزير المصلح يوسف صاحب الطّابع قد قتل بطريقة شنيعة وأنّ موته يتنزّل في إطار الاغتيالات السياسيّة ضدّ كلّ من يُشتمّ فيه رائحة الخير والإصلاح والأمانة والنّصح والحقّ والوقوف بالبلاد في وجه مخطّطات الكافر المستعمر التي تُطبخ على نار هادئة في أوروبا لاقتسام تركة الرّجل المريض.. أمّا عن ترجمته فهو الوزير الشّهير أبو المحاسن يوسف خوجا ،مملوك من (البغدان) بأوروبا الشرقيّة جاء به أحد تجّار القهوة صغيرا إلى إسطمبول فاشتراه القائد (بكّار الجلّوليّ) بنيّة إهدائه لحمّودة باشا باي يوم اعتلائه لعرش الإيالة التونسيّة..وكان وسيما نجيبا نابها سريع البديهة يتّقد نشاطا وحيويّة ،فأعجب به الباي وارتاح له وكلّفه بطبع مكاتيبه حتّى لقّب بصاحب الطّابع..ولمّا ترقّى في هذه الخدمة وهذا المنصب الحسّاس انفتح بينه وبين سيّده باب المودّة فأدناه منه واستخلصه لخدمته فتدرّج في مراقي العزّ والرّفعة وتقرّب من سيّده حتّى أصبح كما وصفه ابن أبي الضّياف (عيبة سرّه وسمير نجوته وموضع شكواه وحصن أمانته يرى الدّنيا بعينه ويستطيب به لذّة الملك) وكان إلى كلّ ذلك نابها في التّجارة ذكيّا فطنا في الصّيرفة والأمور الماليّة.. وقد مكّنه سيّده من استغلال مواهبه تلك فاحتكر التّجارة الخارجيّة للحبوب والزّيت وصوف الشاشيّة والحرير والقرمز والملف والحديد والخشب ،وكان لا يرجع له شقف (سفينة) بغير غنيمة في ظلّ حالة الحرب السّائدة مع الممالك الأوروبيّة، وما أسرع ما أصبح من أثرى أثرياء الإيالة التونسيّة حيث توازي ثروته أو تكاد جباية الدّولة وتعود بالنّفع العميم والخير العظيم على البلاد وأهلها..فإذا أضفنا إلى كلّ هذا استقامته وتقواه وغيرته الشّديدة على الإسلام والمسلمين والتفاف النّاس حوله وتعلّقهم به ،فإنّه يصبح مرشّحا بقوّة لأن يكون مظنّة الوقوف ضدّ مخطّطات اللّوبيّ الاستعماري الماسوني الذي ينخر الإيالة من الدّاخل ،ودونكم التّفاصيل.. 

أبو المحاسن والخيرات

ليوسف صاحب الطّابع خلّتان معدومتان من الوسط السّياسيّ للإيالة التونسيّة آنذاك الذي جرّ البلاد إلى الوراء ومهّد الطّريق للاستعمار: أولاهما أنّه كان ديّنا خيّرا وصفه صاحب الإتحاف فقال (كان حسنة من حسنات الدّهر وبابا من أبواب الخير تقيّا عفيفا خيّرا مترفّعا محافظا على النّوافل والأذكار عالي الهمّة أبيّ النّفس كريم الطّبع يحبّ العلماء والصّالحين)..وقد تُرجمت هذه الصّفات على أرض الواقع بما عاد بالنّفع العميم على الإيالة وسكّانها ،فقد أنفق صاحب الطّابع ثروته أو كاد على أبواب الخير والبرّ والإحسان :ومن مآثره الجامع المعروف باسمه في الحلفاوين وملحقاته (كتّاب ـ ميضاة ـ مدرسة ـ خزائن كتب..) وكلّ ما يحيط به (أسواق ـ مخازن ـ وكالة ـ حمّام ـ تكيّة..) وقد حبّس عليه الأوقاف وأجرى الأموال على القائمين عليه ومشائخ دروسه وطلبته..كما أعاد بناء جامع العبيدي بالزّاوية البكريّة وجامع السّبخة بالمحمّديّة وأضاف إليهما المئذنة والكتّاب وحبّس عليهما ،ورمّم سائر ما تداعى من كتاتيب العاصمة وخصّ مشائخها وصبيانها بالأعطيات، وله قنطرة على وادي مجردة وبرج بباب الخضراء عامر بالمدافع ومبان بحمّام قربص وحبس على مارستان المرضى بصفاقس وآخر على ختم القرآن الكريم بجامع الزّيتونة كلّ يوم..كما اعتنى بتوفير مياه الشّراب بالعاصمة فبنى السّقايات بباب عليوة وباب سيدي عبد السّلام والحلفاوين وسيدي بوسعيد وجبل المنار، وقد حبّس عليها كلّها أوقافا نافعة.. وكان يبعث زكاة أمواله سرّا للعلماء ومنهم الشّيخ إبراهيم الرّياحي، وكان كثير الصّدقة لاسيّما في رمضان ومواسم الأعياد وعاشوراء، وله عناية خاصّة بفكّ ديون الغارمين وإقراض النّاس ترغيبا لهم في العمل.. فلا عجب أن أكسبه هذا النّبع من الخيريّة الفيّاض الصّيت الحسن وحبّ النّاس وأثار عليه في المقابل الحقد الماسونيّ الصليبيّ  المبثوث في حاشية الباي والمكلّف بمهمّة إنهاك الإيالة وجعلها لقمة سائغة للاستعمار.. 

النّاصح الأمين

ثاني الخلال التي تفرّد بها صاحب الطّابع ودقّت آخر المسامير في نعشه هي صدقه وأمانته وإخلاصه في النّصيحة وغيرته على الإيالة وأهلها :فقد كان كما وصفه ابن أبي الضّياف (ثابة القدم في المواقف الحربيّة ذا سياسة وأخلاق لا تصلح إلاّ للرّياسة، وقور المجلس لا يشوبه كبر ولا عجب ممزوج الدّم بحبّ البلاد كلف البال بما ينفعها غيورا على خدمة سيّده آية الله في الوفاء والإخلاص وصدق النّصيحة حتّى أنّه كان يخاشن سيّده في ذلك بما لا يسوّغه إلاّ فرط المحبّة الصّافية ،فيردّ عليه :يا يوسف لا يتحمّلك أحد غيري ولا تعيش أربعة أشهر بعدي).. فلا عجب أن حاز ثقة الباي وأضحى من أخصّ خواصّه وانفرد معه بشؤون الدّولة يسيّرها بحكمة حتّى تبوّأ المناصب الرّفيعة (فجال في ميادين السّفارة للدّولة العليّة وقاد الجنود وخفقت عليه رايات البنود وأتيح له النّصر وبسياسته الرّشيدة كفى الله المؤمنين شرّ القتال)..وإنّ شخصيّة بهذه المواصفات النّموذجيّة عقائديّا وسياسيّا وبهذه المكانة العليّة لدى هرم السّلطة وسواد النّاس لا يمكن أن تُقبل في وسط سياسيّ مصنوع على أعين الكافر المستعمر يؤثّثه المماليك الأوروبيّون المشكوك في إسلامهم وينخره الفساد والرّشوة والمحسوبيّة والاختلاس وأكل أموال النّاس بالباطل ،ويرتع فيه الجواسيس والعملاء والدّونمة واليهود وصنائع المحافل الماسونيّة.. فقد كانت الأجواء السياسيّة الدوليّة مطلع القرن 19م تدفع بقوّة نحو مزيد إضعاف الرّجل المريض حتّى تتمكّن منه العلّة فيتيسّر الإجهاز عليه واقتسام تركته ،لذلك حرص الكافر المستعمر على تنقية بطانة الحكّام وأعوانهم من كلّ من يُشتمّ منه رائحة الإسلام والإخلاص والإصلاح ،وجعلها مرتعا لأمثال اللصّ مصطفى خزندار واللّوطي مصطفى بن إسماعيل ومن لفّ لفّهما حتّى تينع الثّمرة ويحين قطافها.. فكان منطقيّا أن يوضع المصلح أبو المحاسن على رأس قائمة الاغتيالات لفرقة الحشّاشين في نسختها الماسونيّة الاستعماريّة.. 

الجريمة النّكراء

لمّا دالت دولة حمّودة باشا وآل الأمر إلى محمود باي قرّب صاحب الطّابع إليه واستوزره حتّى ينتفع بحكمته، فسار معه أبو المحاسن سيرته المعهودة في النّصح والإرشاد والإخلاص والصّدق ،فأشار عليه باستبعاد من ثاروا معه على خلفه عثمان باي ـ ومنهم العربي زرّوق ـ حتّى لا يتجاسروا عليه وعلى منصبه.. كما أشار عليه بإعفاء أخيه إسماعيل من خطّة (باي الأمحال) وجمع المجبى لأنّه مستهتر لا وقار له ولا يبالي بمقام الدّولة ويُخشى عليه من بأس العربان ،وهي نصائح ثمينة تشي ببعد نظر الرّجل وابتغائه صالح البلاد والعباد وقد أخذ بها محمود باي ،لكنّها أثارت عليه العائلة المالكة وبطانتها ،فتضافر بذلك على صاحب الطّابع الحسد والحقد والمكر الاستعماريّ الذي اهتبل الفرصة للتخلّص منه.. تولّى العربي زرّوق كبر الجريمة فاتّهم صاحب الطّابع بالتّآمر على قتل الباي وابنيه وأخيه ورشى من سانده في ذلك وشهد به،  ومازالوا بالباي يوغرون صدره عليه حتّى أمر بإحضاره ليلة الإثنين 23/01/1815م لاستنطاقه، لكنّ الزّبانية لم يتركوا له تلك الفرصة فطعنوه قبل أن يمثل بين يديه كما جاء في الإتحاف (واعتورته السّيوف فخرّ مناديا “يا أهل بدر” وأصبحت أشلاؤه ملقاة بين جامعه وسبّالته, وعاثت أيدي السّفلة واليهود في بدنه المكرّم وجرّوه مثل جيف الدّواب إلى الكنيسة وعبثوا به فقطعوا عورته وشووا من لحمه ولم يجد غاسله ما يغسّل فصبّ الماء على لحم مبدّد بدم).

فمن يجرؤ على مثل هذا التّمثيل الشّنيع بأبي المحاسن والخيرات بهذا الكمّ من الحقد غير اليهود والماسون وأعوان الاستعمار..؟؟

أبو ذرّ التونسيّ (بسّام فرحات)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
الدعوات للحوار الوطني سعي لتغيير جلد الأفعى

يمتلك القائمون على هذا النظام الوضعي في خزائنهم العديد من الخدع  وشيء من العقاقير المخدرة يلتجؤون إليها كل ما استبد...

Close