ثورة 17 ديسمبر ومَكر الدوائر الغربية

ثورة 17 ديسمبر ومَكر الدوائر الغربية

عشر سنوات مرت عن ثورة الأمة التي انطلقت من مدينة سيدي بوزيد الأبية التي أطاحت بأعتى الأنظمة الإستبدادية في المنطقة وكانت بحق فرصة تاريخية للتحرر من النفوذ الغربي وأدواته المحلية، عشر سنوات والمنطقة تغلي ضد الإستعمار وعملائه مقابل مكر كبير من الغرب لترويض هذه الأمة واحتواء ثورتها.

مؤتمر دوفيل كان فارقا في الثورة التونسية

تآمر الغرب على مطالب الشعوب العربية بإسقاط النظام كان سريعا، فقد تم استدعاء مصر وتونس من طرف الدول الكبرى لحضور مؤتمر دوفيل في شهر ماي 2011، حيث طلبت هذه الدول من رئيس الحكومة المؤقتة آنذاك الباجي قايد السبسي بأن تلتزم الدولة التونسية بالاتفاقيات الدولية بما فيها الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، أي أن تبقى تونس تحت الوصاية الغربية.

مقررات مؤتمر دوفيل كانت فارقة في الثورة التونسية، فقد كشف التقرير السري المسرب عن البنك المركزي الصادر سنة 2016 أن كل السياسات والخيارات الإقتصادية ومشاريع القوانين والورشات الإستشارية التي وقعت وسارت بحسبها الحكومات المتعاقبة تم التنصيص عليها بالتفصيل في مؤتمر دوفيل بفرنسا.

وفي هذا الإطار جاء مشروع القانون الأساسي لاستقلالية البنك المركزي الذي صوت عليه مجلس النواب في أفريل 2016 ليصبح البنك المركزي الذي يمثل السلطة النقدية في البلاد مستقلا عن السلطة التنفيذية، لكنه في حقيقة الأمر غير مستقل عن إرادة الدوائر الغربية، حيث اعترف البنك المركزي بوجود أجانب في لجنة قيادة الدراسات الاستراتيجية لبناء وتنمية الاقتصاد التونسي التي شُكلَت في 2014 وتظم السفير الفرنسي ومبعوث الاتحاد الأوروبي وإدارة الخزانة الفرنسية وبعض المنظمات الأوروبية.

ووفق توصيات مؤتمر دوفيل سارت حكومة الحبيب الصيد ومن جاء بعده في مفاوضات لتوقيع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي التي تُعرَف باتفاقية الأليكا وهي توسيع لاتفاقية الشراكة التي أبرمها الرئيس السابق بن على سنة 1995 لتشمل الفلاحة والخدمات، أي بعد تدمير الصناعة بسبب اتفاقية 1995 يُرَادُ اليوم تدمير الفلاحة وتهديد الأمن الغذائي التونسي.

الاصلاحات الكبرى وصندوق النقد الدولي

وقد فتحت الدول الكبرى المجتمعة في مؤتمر دوفيل الملف التونسي لأَذرعها المالية: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فكانت رسالة النوايا الأولى والثانية سنتي 2012 و2016 اللتان التزمت من خلالهما الدولة التونسية تجاه صندوق النقد الدولي بالسير في الإصلاحات الكبرى وعلى رأسها خصخصة القطاع العام، أي التفويت في المؤسسات العمومية للرأس المالي الأجنبي وتسليم ما تبقى من مقدرات الشعب التونسي للغرب بعد تسليم الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومعادن للشركات الاستعمارية الغربية.

المُحَيَّر أنه بالرغم من الثروات الهائلة التي تتمتع بها البلاد التونسية في مجال الاراضي الخصبة والمناخ المتنوع والثروات الطبيعية الهائلة والقوة البشرية المتعلمة والموقع الإستراتيجي والبحر الممتد، نجد أن الدولة عاجزة عن استخدام هذه الثروات وكأن جهة ما تمنعها من ذلك وتدفعها للاقتراض والجباية كخيار أوحد لتعبئة الموارد المالية، وهو ما نتج عنه مشكلة في الموازنة السنوية وعجز في المؤسسات العمومية الحيوية التي أصبحت محط أنظار الشركات الغربية الرابضة في الساحات لالتهامها عندما تحين الفرصة بعدما تعالت الأصوات المشبوهة للتخلص منها لصالح القطاع الخاص، الذي لن يكون إلا غربيا بحكم الوفرة المالية التي تتمتع به المؤسسات الغربية.

دستور الـتأسيسي الذي أقصى الإسلام عن الحكم والتشريع

أما من ناحية سياسية فقد كان الغرب حريصا على إقصاء الإسلام عن الحكم والتشريع فجاء دستور التأسيسي الوضعي الذي أشرف عليه اليهودي الأمريكي نوح فيلدمان ليؤكد على مدنية الدولة حتى لا تنجرف المنطقة نحو التغيير الحقيقي المنتج على أساس الإسلام.

ومن شدة لؤم الدوائر الغربية أن جعلت مطالب الناس بالتغيير لا تطال إلا أشخاص الحكم، في حين تبقى منظومته التشريعية فوق النقد والمحاسبة، فمدنية الدولة والنظام الجمهوري الديمقراطي من المقدسات التي لا يطالها التغيير، فالإخفاقات والسياسات المدمرة للبلاد هي نتيجة سوء إدارة من أشخاص الحكم اللذين يمكن تغييرهم عبر الانتخابات بحسب الموروث الفكري الغربي. 

لقد حذر حزب التحرير مرارا وتكرارا من الانتخابات الرئاسية والنيابية في ظل التسلط والقهر والتبعية التي تعاني منها بلادنا، فما دامت بلادنا محتلة فإن معركة الحكم ضمن آليات الغرب وتحت إشرافه لا تأتي إلا بموظفي الدوائر الغربية والحسم فيها لا يكون بالانتخابات وإنما بالدعم الخارجي، والمعركة الحقيقية تدور في أروقة السفارات بينما تكون الانتخابات مجرد غطاء، وعنصر تغلف به عملية صناعة القرار لتبدو محلية وشرعية، ومن لا يقين عنده بهذا فعليه أن يراجع تقرير محكمة المحاسبات حول التمويل الخارجي للحملات الانتخابية وإدارة الماكينات الإعلامية في انتخابات 2019.

فالانتخابات في النظام الرأسمالي لا تنتج الا حكومات تصريف اعمال، لا تملك إلا تنفيذ الأوامر الخارجية.

موظفون لدى الغرب وليسوا حكاما

فهذا رأس الدولة قيس سعيّد يصف الاحتلال الفرنسي الذي فتك بأهلنا وقتَّل رجالنا واغتصب نساءنا ونهب خيراتنا بأنه يندرج ضمن اتفاقية حماية وليس استعمارا كما حال الجزائر.

أما البرلمان الفضيحة، فبالإضافة لجريمة التشريع من دون الله فإنه قد مرّر المعاهدات الخيانية على غرار الاتفاقية مع المنظمة الفرنكوفونية التي تجعل من أرض تونس قاعدة متقدمة لأهم الركائز الاستعمارية في شمال افريقيا، بعدما اسقط لائحة اعتذار فرنسا عن جرائمها في تونس في مفارقة عجيبة غريبة. 

أما الحكومات المتعاقبة فقد جعلت مسئولي الوزارات والإدارات والبلديات يتتلمذون على يد بريطانيا حتى لا تخرج البلاد من قبضتها.

دون أن ننسى الاتفاقيات العسكرية التي جعلت من أرضنا وقواعدنا العسكرية مرتعا للجيش الصليبي الأمريكي، والاتفاقيات المناقضة للإسلام والتي تستهدف العائلة آخر قلاع المجتمع كاتفاقية سيداو واتفاقية اسطنبول.  

ثم بعد ذلك يزعمون أنهم حكام وأن بلادنا مستقلة ثمّ يشغلوننا شهورا بصراعاتهم التي رذّلت المشهد السياسي وجعلت الناس يندمون على خروجهم ذات شتاء يطالبون بإسقاط النظام والعيش الكريم.

الثورة لم تقطع النّظام

إن تدهور الأوضاع بعد الثورة عما كانت عليه قبلها يؤكد أن النظام الذي ثار عليه الناس بقي بكل أشكاله وأركانه ورموزه، حيث استطاع الغرب بالتضليل الى أخذ الناس خلف قيادات تابعة لمشروعه الحضاري، واستخدم لأجل ذلك آلة إعلامية هائلة همشت القيادات المخلصة وسلطت الضوء على القيادات التي يرضى عنها الغرب، فلم يتغير من الواقع إلا أشخاص الحكم دون المساس بالنظام الغربي سبب البلاء وأس الشقاء.   

تحصين الثورة

بالرغم من مكر العابثين بالثورة وأحلام الثائرين، يظل الشعب التونسي متحفِّزا للتغيير، ولن يطول الوقت حتى يقلب الطاولة على الإستعمار وأدواته المحلية، وهو ما يستوجب تحصين الثورة بعوامل ثلاث لتصل إلى مبتغاها في التغيير الجذري والعيش الكريم: 

أوَّلها أن تتسلّح بمشروع سياسي ينبثق من عقيدة الأمة، ويحررنا من الهيمنة الغربية.

 وثانيها أن تتّخذ قيادة مخلصة وواعية على ألاعيب الغرب، تقودنا نحو التغيير الحقيقي المنتج على أساس الإسلام.

 وثالثها أن يقف في صف الشعب الثائر أهل القوة القادرين على نصرة أهلهم وعلى قطع أيادي الغرب من بلادنا.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الدكتور الأسعد العجيلي، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير/ولاية تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في ذكراه العاشرة: الرّبيع الإسلاميّ بين الثّورة والثّورة المضادّة

ما إن اندلعت ثورة الأمّة من بؤرتها الأولى ـ تونس ـ ذات 17 ديسمبر 2010 حتّى جُنّ جنون الغرب الاستعماري...

Close