حكومة "الجملي" ابتلعها الثقب الذي مِنه كانت ستمُر

حكومة “الجملي” ابتلعها الثقب الذي مِنه كانت ستمُر

بعد مخاض عسير وطويل, والأصح بعد جدال رتيب وممل رفع الستار عن مصير حكومة “الحبيب الجملي”. وكما كان متوقعا فورَ خروج النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية والتي أفرزت خليطا هجينا لا يمكن أن ينتج عنه تشكيل أية حكومة بسبب حالة التشتت والتشرذم التي اتصف بها البرلمان الجديد, والمقصود بالتشرذم والتشتت هنا هو تعدد الولاءات وتنوع الأجندات وعدم مسك دفة التسيير وأخذ القرارات من طرف مسؤول كبير واحد. فتفرق المطامع بين المسؤولين الكبار كان حتما سيعرقل ميلاد حكومة يكون حولها إجماع ولهذا لم تحظى حكومة “الحبيب الجملي” بثقة أعضاء مجلس نواب الشعب. وكما كان منتظرا تأجل الحسم في أمر الحكومة إلى جولة أخرى, فالمعركة لم تنتهي بعد, وقد استعد لها الجميع كما يجب, رغم أنها لم تشهد دخول أسلحة الجديدة, فالأسلحة المستعملة في هكذا معارك معتادة ولم تتغير منذ ستة عقود, وهي خدمة مصالح أي مسؤول كبير كان مع اللهث وراء ما يجود به من فتات مع ترك هامش ضيق لتصرف الذاتي لا يمس من مصالح القوى الفاعلة الحقيقية في تشكيل المشهد وأخذ القرار.

إذن, سقطت حكومة “الحبيب الجملي” وكانت الغلبة لأنصار ما يسمونها بحكومة الرئيس ومعناها أن الرئيس “قيس سعيد” سيكلف شخصية أخرى تتكفل بتشكيل حكومة جديدة ثم تعرض على أعضاء مجلس الشعب لنيل ثقتهم أو تسقط كما سقطت الحكومة التي قيل أنها مستقلة وتعجّ بالكفاءات التي لم يجد الزمان بمثلها, وكما أقسم رئيس الحكومة المكلف “الحبيب الجملي”بأغلظ الأيمان بأن حكومته تنبض بالكفاءة  وتتنفس الاستقلالية عن الأحزاب ولم يصَدّقه أحد إلا الذين احتموا بذات المسؤول الكبير الذي احتمى به هو. سيجد من يكلفه الرئيس ” قيس سعيد” نفسه مجبرا على الاجتهاد في القسَم على أن حكومته حكومة كفاءات وخبرات, وأن أعضاؤها لا يشق لهم غبار في مجال السياسة والاقتصاد, ولا يمكن لأحد أن يضاهيهم في حب تونس, ولا يمكن مجاراتهم في السهر والكد والجد من أجل مصلحة البلاد وأهلها. وسوف لن يصدقه أحد إلا الذين هم يدينون بالولاء لنفس المسؤول الكبير الذي خسر معركة منح الثقة لحكومة “الحبيب الجملي” فالثقب الذي ابتلع هذه الحكومة هو ذاته الذي كانت ستمر من خلاله, وهو الثقب ذاته الذي مرت منه الحكومات السابقة. كما أنه ابتلع أخرى ولم تقوى على الصمود, كحكومة “حمادي الجبالي” أو حكومة “علي لعريض” أو” الحبيب الصيد” رغم أن هذه الحكومات جميعها كان مرورها من خلال هذا الثقب. فالثقب ثابت لا يتغير ولكن المرور من عدمه متوقف على المسؤول القائم عليه. فمن يمر اليوم قد يجد الصد غدا, ومن يبتلعه الثقب اليوم قد يجد الطريق سالكة في قادم الأيام, وهكذا دواليك حركة  متغيرة لا تستقر على حال رغم أن الثقب ثابت لا يطرأ عليه أي تغيير.

ولمعرفة هذا الثقب يكفي الاطلاع على ما دار في الجلسة العامة الأخيرة لمجلس نواب الشعب والتي خصصت لمنح الثقة للحكومة الجديدة حيث شهدنا تخاصم أهل البرلمان ورأينا كيف انخرط الجميع في موجة عارمة من الشتم والثلب. فكل كتلة تلعن أختها وكل نائب يصف من يخالفه بالعمالة والارتهان لجهات أجنبية. ثم ترد الجهة المقابلة الفعل وتعكس الهجوم. الكل يطعن في إخلاص الكل، والكل يتهم الكل بخدمة المصالح الشخصية واللهث وراء المكاسب والمغانم على حساب مصلحة البلاد والعباد. والحقيقة أن كل ما سمعناه هو من قبيل الحق الذي أريد به باطل, وكل التهم الموجهة لهذا الطرف أو ذاك صحيحة وليس هناك أدنى شك في أن تخاصم أهل البرلمان يشبه إلى حد كبير تخاصم أهل النار, حيث لا يوجد شخص يحب الآخر رغم أن جميعهم يأتون الآثام نفسها ويتبعون الخطى ذاتها وهي خطى المستعمر, يتبنون أفكاره ويحملون مفاهيمه ويلتقون كلهم في نفس الجب الذي غرّهم من قبل فدخلوه خانعين خاضعين ثم سجنهم وسط ظلمته وضيقه, وحين فرقتهم الأطماع والمآرب تخاصموا وتشاكسوا, رغم أن جميعهم سخّر نفسه وحزبه وكتلته لخدمة المسؤول الكبير. وكم تمنوا لو كانت له جنسية واحدة حتى لا تتفرق الجهود وبتفرقها يمكن أن تتضاءل وتتقلص الغنائم. فالمسؤول الكبير موجود في أكثر من قوة استعمارية وهذه القوى غير متكافئة من حيث النفوذ ومدى سيطرتها على غيرها من الدول المتخلفة مثل الدولة التي ابتلينا بها هنا في تونس. وكما هو حال سائر بلاد المسلمين.

لذا فالقبول بولوج ذلك الثقب قد لا يكفي, فالمرور والاستمرار, والبقاء على الساحة متوقّفٌ على مدى قوة المسؤول الكبير ومدى نفوذه, وهذا الذي حصل مع حكومة “الحبيب الجملي” وابتلعها الثقب الذي كانت ستمر منه, فالأتباع والمتبعون كثر مما شتت الجهود لكثرة المسؤولين الكبار وتعدد الأجندات, فكان السقوط أمرا محتوما في انتظار حكومة أخرى قد تمر وقد يبتلعها الثقب هي أيضا. وسواء مرت أو تلاشت فالأمر سيان, ما دام الثقب الأكبر لم يتم ردمه وطمسه نهائيا وجذريا ستستمر هذه العناصر الضارة تتناحر على ولوجه, ولنا في إفرازات الانتخابات الأخيرة والتي سبقتها خير مثال. نعم مادام هذا النظام الديمقراطي الوضعي جاثما على صدورنا لن يكون حصادنا غير الخسران ولا شيء سواه..

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

استئصال الفساد المالي من الدولة
نقصد بالفساد المالي ما أصبح مألوفاً في هذه الأيام وفي كل دول العالم تقريباً وعلى مستويات متعددة ابتداءً من سرقة الأموال العامة على أيدي الحكام وك...
على خطى منظّمة الصحّة العالميّة: مركز دراسة الإسلام والديمقراطيّة يتولّى البناء الدّيمقراطي للمساجد
بعد أن فرضت علينا وزارة الشّؤون الدّينية هيئة تباعديّة بدعيّة باطلة للصّلاة على مذهب منظّمة (السّقم العالميّ) وكبّلت المساجد بكرّاس شروط كفيلة بت...
نعم، الفلاحة هي من سُبل تعزيز سيادتنا وتنمية اقتصادنا ولكن، أين هي السيادة حتى نعزّزها؟
من البديهي أنّ الفلاحة عمود أساسيّ من أعمدة اقتصاد أيّ بلد فهي المسؤول عن توفير الأمن الغذائي، وقد عدّتها الدّول التي تحترم نفسها وشعوبها من أمنه...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
أسئلة سياسية حول واقع الدّولة التّونسيّة

ياسين بن علي  _ الهدف من هذا المقال، طرح جملة من الأفكار السياسيّة المتعلّقة بواقع الدّولة في الفكر السياسي والقانوني...

Close