حوار مع رئيس المكتب السياسي لحزب التحرير ولاية تونس, الأستاذ عبد الرؤوف العامري
حوار مع رئيس المكتب السياسي لحزب التحرير ولاية تونس, الأستاذ عبد الرؤوف العامري

حوار مع رئيس المكتب السياسي لحزب التحرير ولاية تونس, الأستاذ عبد الرؤوف العامري

منذ أن انطلقت الثورة من أرض تونس سالت في نهرها مياه كثيرة, كدّرت صفوها الأوساط السياسية بخضوعها للضغوط الخارجية وخذلانها لتطلعات الجماهير الثائرة.

في هذه الأجواء تفرد حزب التحرير بمواقفه المغايرة لمختلف الفرقاء السياسيين, فهو يرفض الديمقراطية ولا ينخرط في صراعات الأحزاب, بل يصارع الجميع ولا يرى من حل إلا في الإسلام وإقامة دولته: الخلافة على منهاج النبوة.

في هذا السياق كان لنا حوار مع رئيس مكتبه السياسي, الأستاذ عبد الرؤوف العامري.

السؤال: بمناسبة الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة، وتحديدا من تونس، ما هي حقيقة المشهد العام في بلادنا ثم في باقي البلاد العربية؟

الجواب: للإجابة على هذا السؤال لابد من التذكير أنّه منذ أن استطاعت الدول الغربية فرض ما سمي بعهد الأمان على تونس، في أواسط القرن التاسع عشر، عملت القوى الاستعمارية المتفوقة يومها، على إيجاد وسط سياسي يحمل أفكارها ومفاهيمها، ثم تكرست التبعية الفكرية السياسية مع فرض دستور 1861، حتى ترسخت، هذه التبعية، طيلة الحقبة الاستعمارية المباشرة، فلم نعد نرى في الصفوف الأولى من المهتمين بالشأن العام أو الفاعلين فيه، ساسة أو مثقفين ينظرون إلى الحياة وقضاياها من خلال عقيدة الإسلام عقيدة أهل البلاد. فكان من السهل على الاستعمار، وهو يقاوم حركة الأمّة التي رفضت وجوده في ديارها من أول يوم، أن يضللها بأن مكّن لطبقة من “السياسيين” ربّاهم على عينه وزوّدهم بثقافته وأفكاره، حتى صاروا لا يرون الحياة إلا من خلال عيون هذا الغرب المستعمر، وعلى أساس تفكيره. وصار الوسط السياسي المهيمن على بلادنا صدى للعقل الغربي وحارسا يدافع بشراسة على مصالحه على حساب قضايا أهل البلاد، مما مكن للاستعمار بشكل كامل، فكانت الهيمنة السياسية على تونس للبريطانيين بعد أن استسلم الجنرال ديغول لمساومة تشرشل. ثمّ جيء ببورقيبة المعروف بانبهاره إلى حدّ العمى بالثقافة الغربية، وحماسه الشديد على تغريب أهل تونس وفصلهم عن الأمة الإسلامية، فكان حربا على الإسلام وأحكامه من أوّل يوم، وظنّ هو بغروره وعجرفته أنّه قادر على تغريب تونس وإلحاقها بأوروبا، ولكنّ التونسيين خيّبوا ظنّه، فكانت فترة حكمه كلها قلاقل وهزات رغم محاولات التزيين الكاذبة. ويكفي للتدليل على ذلك التذكير بأحداث 62 وهزّات ما يسمى بالمرحلة الاشتراكية وما بلغته من احتقان، حد حمل السلاح. أو اضطرابات السبعينات، أو مهزلة الوحدة مع ليبيا أو أحداث جانفي 78 وسقوط مئات الضحايا برصاص بوليس بورقيبة، أو أحداث قفصة جانفي 80 ، أو جانفي 84 وأحداث الخبز وسقوط مئات الضحايا مرة أخرى… كلّ هاته الأحداث جاءت في إطار مقاومة التونسيين للهيمنة الاستعماريّة التي مثّلها بورقيبة، ومن أهمّ سمات هاته المقاومة أنّها كانت تزداد قوّة وحدّة في كلّ مرّة، وأمام غليان الناس وحركتهم التي قد تقلب الوضع لفائدتها وتستعيد إرادتها، اضطرّ المستعمر المهيمن على البلاد والمتحكم بمفاصل السلطة إلى المسارعة بإيجاد البديل فجاءت ببن علي، الذي سار في الناس بأفظع مما كان في عهد بورقيبة فاتسمت فترة حكمه بطغيان مفرط تأذى منه خاصة كل من عمل أو سعى إلى إيجاد الإسلام مطبقا في حياة الناس، فاستأثر بالسلطة ومكن لأقاربه وحاشيته من رقاب الناس وزج بما يزيد عن 30 ألف شخص في السجون بدعوى التطرف والإرهاب، إرضاء للقوى الاستعمارية في حربها على الإسلام. ورغم سياسته الإرهابيّة فإنّ الناس في تونس لم تستسلم فقد تميزت سنوات الألفين بتعاظم التململ الشعبي ليبلغ أوجه مع أحداث الحوض المنجمي، لتكون حادثة البوعزيزي الشرارة التي فجرت الغضب المكبوت، ما أنذر بانفلات الأمر من بين أيدي الاستعمار، الذي سارع  برفع الحماية عن عميله بن علي، “القصر أصبح غير آمن”، وتخلت عنه  وأوكلت إلى رجال الظل بالتحايل على القوى الشعبية الثائرة وجرها إلى فخ المحافظة على النظام الذي تنادت إلى إسقاطه، فكان الالتفاف على الثورة والثائرين، في غياب الوعي الحقيقي، باستعمال الفصل 56 من دستور بن علي والذي يعطي الوزير الأول حق شغل مهمة رئيس الدولة في حال الشغور الفعلي فكان في هذه الحال محمد الغنوشي وهو الأمر الذي رفضته ساحات الثائرين وسارع بعض المندسين بالمناداة بتفعيل الفصل 57 فانطلت الخدعة على الجميع ووُضع “فؤاد المبزع” على رأس السلطة بوصفه رئيس البرلمان وهكذا أحكمت السفارات الخارجية، وتحديدا البريطانية منها، الطوق حول مسار الثورة ودفعت برجالها الكامنين في الصفوف الخلفية ليتبوؤوا قيادة مسار الثورة، وأرجعت من كان منهم في المهجر ليتسلّلوا إلى مراكز السّلطة من خلال الانتخابات الديمقراطيّة. وهكذا تواصل النّظام في حلّة ثوريّة مزيّفة.

سؤال: هل يعني هذا أنّ الثورة فشلت؟

الجواب: لا نقول ذلك إنّما هي جولة أولى تتلوها جولات، نعم لقد استطاع المستعمر أن يتدارك الصدمة الأولى، فأتى بعملاء جدد ليواصل هيمنته لكنّها هيمنة قلقة لم تجد مستقرّها بسبب رفض التونسيين لهذا النّظام وللقائمين عليه بما يعني أنّ الصّراع ما زال متواصلا، وأنّ الثورة مستمرّة.

سؤال: يكثر حزب التحرير من الكلام عن الاستعمار وهيمنته ألا ترى في ذلك مبالغة؟

الجواب:

حزب التحرير وضع الإصبع على حقيقة المشكل، فمشكلة تونس هي مشكلة جميع المسلمين في العالم أنّ الكافر المستعمر أسقط دولتهم ومزّق بلادهم الواحدة إلى 52 مزقة وضع على كلّ منها عميلا، فصار وجود المستعمر خفيّا وظلّ حزب التحرير يكشف خطط المستعمر وخيانة العملاء حتّى صار وجوده ملموسا مكشوفا يراه جميع النّاس ويتكلّمون عنه، ولكم في تحرّكات السفراء وبخاصّة سفراء بريطانيا خير دليل. فحركته اتّسمت بفرض اتّفاقيّات وشراكات مشبوهة مع وزارات السيادة في تونس حيث تمكّنت بريطانيا من الإشراف المباشر على تسيير الدّولة في تونس، وهذا الأمر معلوم غير مجهول يراه الجميع.

سؤال: هل يعني كلامك هذا أنّ الاستعمار هيمن. فأين الثورة إذن؟

الجواب: الثورة قائمة وتتمثّل في الصّراع الذي تخوضه الأمّة ومنها تونس مع هذا المستعمر ذلك أنّ الثورة على بن علي هي في الحقيقة ثورة على أسياده الأوروبيين لكنّها في البداية (2011 وما قبلها) لم تكن على وعي تامّ بحقيقة العدوّ أمّا في السنوات الأخيرة فقد اتّضح الوجود الاستعماري وبان للثائرين والمحتجّين حقيقة الطّبقة السياسيّة التي خانت الأمانة.

سؤال: تتحدّث عن معركة مع الاستعمار فما مظاهرها؟

الجواب: نعم القوى الاستعماريّة تخوض معارك مع أهلنا في تونس، كانت المعركة الأولى التي خاضتها القوى الاستعمارية مع حراك الأمة، في تونس، المتطلعة إلى الانعتاق من ربقته والتخلص من أذنابه هي معركة “الهوية” وسلاحها الدستور الذي يراد صياغته للبلاد فتجندت القوى الخارجية كمنظمة برنامج الأمم المتحدة للإنماء، ومختلف هياكل الاتحاد الأوروبي، دوله وسفاراته ومنظماته، وكثير من الشخصيات مثل الأمريكي نوح فيلدمان أو الألماني الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي مستعملة أسلحة الفوضى، والاغتيالات السياسية، والعمليات الإرهابية للهجوم على الخصوم السياسيين ولإشغال الناس بالهم اليومي ومقايضته بأمنه للوصول إلى تكريس إبعاد الإسلام عن الحياة. ولذلك صدر الدستور في صيغة علمانية، لا يختلف في شئ عن دستور مع 1959 مع ما حف به من ضغوط من قبل صندوق النقد الدولي…

    أمّا المعركة الثانية ففرضتها الاحتجاجات الاجتماعية التي لم تتوقف، وتفاقم الوضع الأمني والسياسي عقب الاغتيالات السياسية، في خطة التحكم في حراك الناس، فكانت المسرحية سيئة الإخراج لما سمي ” بالتوافق ” بين الباجي قائد السبسي، الذي أتي به من أرشيف الوسط البورقيبي وراشد الغنوشي الذي عاد من لندن بمهمة السيطرة على تحركات الناس والحفاظ على الهيمنة الأجنبية، بافتعال المعارك بينهما، وذلك بالدفع نحو ما سمي بالمصالحة الوطنية، بمقايضة ضحايا الاستبداد، من أجل تبرئة أركان نظام بن علي، بتعويضات مالية تولت هيئة الحقيقة والكرامة وخاصة رئيستها مهمة أداء هذا الدور المشبوه تحت اسم العدالة الانتقالية، من أجل تثبيت القوة الخارجية الراعية لمختلف الفرقاء ومما ساعد على الالتفاف على إرادة الجماهير وإدخالها في متاهات المطلبية الضيقة، كان الاعتماد على مسرحية الحوار الوطني الذي تكفلت به أربع منظمات جازتها القوى الاستعمارية بجائزة نوبل رضا بالعمل الذي قامت به. ورغم أن الأوضاع العامة في البلاد لم تتغير بل ازدادت تأزما نجد مختلف الفرقاء تتنادى مرة أخرى إلى فصل ثان من مسرحية الحوار الوطني إيهاما بأنّ الخلاص من الهوة التي أردوا البلاد فيها، متوقف على إجرائه. وعلى هذا ورغم عدد الحكومات المتورم والمجالس المتعاقبة والانتخابات المتتالية فالثورة لا زالت تراوح مكانها فلا الناس اطمأنوا لمن استولوا على الحكم، الذين ظلوا يعادون مسألة اتخاذ نظام الإسلام منهجا للحياة بل ظلوا حريصين على استمرار إقصاء أحكامه عن واقع حياة الناس… وأصروا على اتخاذ العقيدة العلمانية – فصل الدين عن الحياة – منهجا للحياة وطريقة عيش وعقيدة في الحكم والاقتصاد والاجتماع.. فكانت التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للكافر المستعمر حيث التآمر على الأمة وقضاياها وحاضرها ومستقبلها.. ولا هؤلاء الحكام استطاعوا رعاية شؤون الجماهير التي ثارت على هذا النظام الذي فرض عليهم بالحديد والنار.

السؤال: الثورة لم تحقق أهدافها بعد، ومحاولة إجهاضها لازالت مستمرة رغم مرور عشر سنوات، فأين حزب التحرير وما دوره في الثورة وفي هذه المعركة، في تونس؟

الجواب: حزب التحرير حزب سياسي مبدؤه الإسلام، يعمل بين الأمة ومعها لتتخذ الإسلام قضية لها، وليقودها لإعادة الخـلافة والحكم بما أنزل الله، إذ لا يخفى على مسلمٍ أن الله عز وجل إنما جعل العقيدةَ الإسلامية هي أساس الترابط بين المسلمين.

 كان عمل الحزب في تونس سابقا لانطلاق أحداث الثورة، وهنا يمكن أن نشير إلى البيان الذي أصدره الحزب سنة 1980 محذرا بورقيبة من المس بحملة الدعوة، يومها، من أبناء الاتجاه الإسلامي بعد أن قضت محكمة أمن الدولة بإعدام البعض منهم، وكذلك البيان الذي أصدره الحزب إثر استيلاء بن علي على السلطة عام 1987 والذي أبرز فيه أن العملية الانقلابية التي قادها المخلوع يومها لم تكن تغييرا للنظام وإنما هي عملية تغيير وجوه تمت بإشراف القوى الاستعمارية المهيمنة. وعلى ذلك وبوصفه حزبا اتخذ من الإسلام مبدأ له، فهو ينظر إلى الأحداث والقضايا من زاوية الإسلام فكان همه إفهام الأهل في تونس وهم يصارعون النظام المتسلّط الظّالم، أن الحل لمجمل قضاياهم وتفاصيلها، لا يكون إلا في شرع الله سبحانه وتعالى وأن يتخذوه نهجا وحيدا في حياتهم، فأطلق حملة واسعة لتبيان خطر الدستور الذي تكفل المجلس التأسيسي بمسرحية إخراجه، وتبيان الظروف التي حفت به، فقام بحملة توزيع للآلاف من نسخ مشروع الدستور الذي أعده الحزب حتى يطلع الأهل في تونس عليه ويناقشوه، وأطلق كذلك حملة لإبراز خطر الارتهان للعدو الأجنبي والتوعية على أهمية فك الارتباط معه وقطع يده التي تمسك برقابنا وتمنعنا من أن نحرر إرادتنا، وقد أطلق أيضا حملة تبين واقع الثروات التي تضع الشركات الاستعمارية يدها عليها بالكلية وأنها ملكية عامة للأمة وأن ريعها يعود لها وحدها شرعا. وقد أصدر الحزب مئات النشرات لضرب الأفكار الهدامة التي استطاع المستعمر دسها على عقول المسلمين وقدمها على أنها لا تخالف الإسلام، وكشف في الكثير منها خيانة الحكام وخضوعهم لأعداء الأمة، علاوة على مؤتمراته السنوية والتي تعاملت معها وسائل الإعلام بتجاهل تطبيقا للسياسة المتبعة رسميا تجاه حزب التحرير حتى لا تصل آراءه وأفكاره ومواقفه إلى الناس.

السؤال: أنتم ترفضون الحكم الديمقراطي وترفضون المشاركة المباشرة في الحياة السياسية بامتناعكم عن التقدم للانتخابات في مختلف مراحلها، ألا ترون أنّكم عزلتم أنفسكم عن الحياة السياسيّة؟

الجواب: النظام الديمقراطي هو أصل البلاء، وآلام الناس ومعاناتهم متأتية من تسلط الجبابرة عليهم وتنصيب أنفسهم أربابا من دون الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله، وما ثورة الناس ومطالبتهم بإسقاط النظام لما عانوه من ظلم وطغيان إلا دليل على فساد هذا النظام، بل ها نحن نشاهد ثورة الشعوب الغربية على فكرة الديمقراطية والمناداة بدفنها رغم أنها وليدة بيئتهم. أما فيما يتعلق بالانتخابات ومسألة المشاركة فيها، فلابد من تبيان أن الانتخاب من حيث المبدإ جائز شرعا، بل هو الوسيلة الشرعية لتبيان الحائز على حق مبايعته لتولي أمر الناس بالرئاسة العامة، أو التقدم لعضوية مجلس الأمة أو مجالس الولايات، فذلك أمر لا مراء فيه. أما المشاركة في العملية الانتخابية تحت سلطان الحكم الوضعي، فلا يكون إلا لإسباغ المشروعية على النظام القائم، الواجب إسقاطه، وتضليلا للناس عن الحلول الجذرية، وإطالة لعمر الفساد، زيادة على انعدام المكاسب السياسية من وراء هذه المشاركات. فلابد من الإصرار على إفهام الناس أن نظام الإسلام هو الأصلح لبلادنا وللأمة ولعموم البشر في العالم. وأننا نعبد الله بإقامة شرعه إيمانا به وتسليما إليه.

السؤال: هناك من يقول أن بلدنا إمكانياته ضعيفة والسلطة لا تتوفر أمامها كثير من الحلول فلا مناص من التعاون مع الاتّحاد الأوروبي وأمريكا ريثما تتوفر لها أسباب المنعة فتغير مواقفها وتتخذ الإجراءات المناسبة حينها فما ردكم في حزب التحرير على ذلك؟ 

الجواب: الموضوع ابتداء ليس موضوع توفر إمكانيات من عدمها، على أهميتها، وإنما هي مسألة أفكار وتصورات وحلول لقضايا مركزية ووجودية، والقائمون على أمر الناس اليوم من حكام ومعارضة ومثقفين استسلموا للعدو وأصبحوا أسرى لأفكاره ومفاهيمه عن الحياة، وصاروا يعقلون الوجود بعقليته وطريقة تفكيره حتى غدوا حراسا شرسين لهذه الأفكار الضالة ولمصالحه، على حساب عقيدة الناس ومفاهيمهم عن الحياة وعلى حساب مصالحهم. فالمواقف لا تؤخذ مخادعة بل إيمانا، والحقوق تسترد مغالبة. أما الإمكانيات فهي متوفرة في بلادنا، ونحن نسير أعمالنا بالأحكام الشرعية، فطاقتنا وإمكانياتنا لا تحددها حدود سايكس بيكو، وإنما تضبطها أوامر الله ونواهيه، والأمة حباها الله من الكنوز ما لا تحتاج معها إلا إلى الرجال.

السؤال: أمام الأزمة السياسية الخانقة التي تردت فيها البلاد والأجواء المشحونة بين مختلف الفرقاء والعجز الفاضح للقائمين على الشأن العام لإيجاد الحلول لها وآثارها المدمرة على الناس تتعالى الأصوات اليوم داعية إلى ما أسموه بالمصالحة الوطنية فهل أنتم مع مثل هذا الطرح وهل ستشاركون فيه وما موقفكم من هذا الحل؟

الجواب: الأزمة السياسية الخانقة التي تردت فيها البلاد،كسائر الأزمات التي تتخبط فها أمتنا قاطبة لأكثر من قرن هي نتيجة منطقية لسياسات النظام الرأسمالي المطبق علينا قهرا، فلا رجاء في أن يكون لها حل مع بقاء النظام، ولا يرجى من القائمين على شؤون الناس خيرا، إلا باقتلاع هذا النظام من جذوره وطرد هؤلاء الرويبضات ومحاسبتهم، وإقامة نظام الإسلام بإقامة دولة الخلافة. أما موضوع المصالحة الوطنية فلا يعدو الأمر أن يكون خدعة مكررة يعتمدها الاستعمار، من أجل تمديد النظام القائم في البلاد، حيث يصور للشعوب أنه لا حل لاستقرار البلاد ونجاح الثورة إلا بالتطبيع مع النظام القائم بجميع رموزه والتصالح النهائي معه، وكأنه لا وجود لخيار إسقاطه وإقامة دولة الإسلام على أنقاضه، مع أنه هو الواجب الشرعي والحل العملي المخلص لأمة الإسلام بل للبشرية جمعاء من هذه الأزمة العالمية وهذه الجائحة الحضارية التي تهدد إنسانية الإنسان.

السؤال: في صلة بالحوار الوطني يرى الكثيرون وخاصة من عانوا أكثر من ظلم الدولة في عهدي بورقيبة وبن علي أنه لابد من تحقيق العدالة الانتقاليّة كشرط لطيّ صفحة الماضي، فما هو موقفكم من “العدالة الانتقاليّة”، وهل هذا المفهوم يسهم فعلا في حل قضية البلاد؟

الجواب: مصطلح العدالة الانتقالية مصطلح غربي رأسمالي بامتياز أُتي به لتجاوز العقبات الكبرى التي  تعترض النظام الرأسمالي العالمي والالتفاف على عقده، فهو ليس مصطلحا تونسيا قطعا، حتى يقال أنه حل لأزمة بلدنا، وأوّل ما استعمل لمعالجة نتائج الحرب العالمية الثانية ثم في جنوب القارة الأمريكية للالتفاف على ثورة اليساريين على النظام الرأسمالي وفظاعات بينوشي وأضرابه، واستعمل في جنوب إفريقيا للتضليل عن مآسي الميز العنصري ولتثبيت المستعمرين الأوروبيين في بلدان جنوب إفريقيا، فكان له ذلك، بعد أن ساوم الضحايا ببعض التعويضات المالية وشيء من المنافع. أمّا في بلادنا فقد تولت السلطة بمختلف مستوياتها، ومثقفيها، وإعلامها من جهة، ومن جهة أخرى هيئة الحقيقة والكرامة، دور الالتفاف على نضالات الساعين إلى التغيير الجذري للنظام الرأسمالي وإقامة نظام الإسلام بحصر الموضوع في الانتهاكات الجسدية وتحميل ذلك لبعض المسؤولين وبعض منسوبي الجهاز الأمني، والدفع نحو القبول بالتعويض المالي الذي جُعِل ورقة ضغط بل إذلال لمن تصدى لطغيان العملاء. ولما لم يستقر الأمر للمستعمر وظل الناس في حالة ثورة ولم يسلموا قيادهم للوكلاء الجدد، بقيت مسألة العدالة الانتقالية ورقة مساومة وتهديد بالحرمان من استرداد بعض الحقوق، وقد يجزل “العطاء” إذا كان ذلك يحقق الغاية بالحفاظ على النظام وتطهير أذنابه.

السؤال: في عام 2013 أُسندت لأربع منظمات هي: الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الهيئة الوطنية للمحامين،الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام التونسي للشغل، مهمة رعاية حوار سياسي، بين الحكومة الانتقالية، برئاسة الباجي قائد السبسي يومها، وجبهة أحزاب المعارضة، ممّا أدّى إلى ما قيل يومها، وفاق شامل جنب البلاد الدخول في حرب أهلية. وفازت إثره هذه المنظمات بجائزة نوبل للسلام عام 2015. واليوم ترتفع الأصوات بالمطالبة بإعادة تجربة “الحوار الوطني” فا رأيكم في هذه المسألة؟ وهل سينجح الحوار؟

الجواب: الجميع يعلم، أن الحوار الوطني السابق، كان مآله الفشل السياسي، وهو مقدمة للوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد اليوم، والأصل ألا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. والفوز بالجائزة دليل نجاح للغرب وليس للفرقاء السياسيين ولا للبلاد والعباد، فقد أرسى به الدستور الذي أراده لنا المستعمر وثبت به إقصاء الإسلام عن الحياة. وما العودة إلى تجربة الحوار الوطني إلا برهان قاطع على اعتماد المستعمر الغربي على عملاء، عجزوا على تحقيق غايته بترويض الناس وإيجاد الإستقرار الذي ينشده حفاظا على النظام.والملاحظ هنا أن الأصوات التي ترتفع لإعادة تجربة الحوار الوطني، هي ليست أصوات أبناء الشعب، بل لا يكاد يخطر ببال أحد الدعوة إلى ذلك، وإنما هو رجع صدى لنفس الفرقاء الذين يتبادلون الأدوار في مختلف وسائل الإعلام، ولذلك فالنظام لم يعد يجد من مخرج سوى مزيد التخبط في حلول ثبت بالكاشف فشلها.

 السؤال: إذا كان الحوار الوطني مطلب جميع الفرقاء ففيم التناحر بينهم؟

الجواب: إذا كانت السياسة هي رعاية شؤون الناس داخليا وخارجيا، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عمليا والأمة هي التي تحاسب بها الدولة، فإن مهمة الرعاية الحقة لم يوكلها الاستعمار لأذنابه وإنما أبقى كل الشؤون بيده يصرفها بحسب ما تقتضيه مصالحه العليا، عن طريق الإدارة ورؤساء المصالح، فالتشريع بيده ولا يسمح إلا بما يضمن هيمنته، واقتصاد البلاد وثرواتها تحت بصره وفي مدى يده، وكذا النواحي الاجتماعية وسائر مناحي الحياة. ما أبقى لأذنابه إلا عملية التناحر على المواقع ومهمة تنفيذ ما يطلب منهم وذاك هو المسموح لهم به حتى يقال عنهم أنهم سياسيون ويمارسون العمل السياسي، فلا وفاق بينهم ولا اتفاق إلا العمل على إقصاء الإسلام عن الشأن العام ولو كان الأمر لمجرد الشبهة.

السؤال: أمام هذه الأوضاع التي تزداد سوءا ويتحمل الناس أعباءها أكثر فأكثر ما هي الحلول التي ترونها؟

الجواب: سبب سوء الأوضاع معلوم غير مجهول، هو استمرار تحكم الكافر المستعمر في البلاد وبقاء الوسط السياسيّ العلمانيّ في خدمته. فالقضيّة اليوم هي قضيّة نظام الحكم الذي لن يكون عادلا إلا بالإسلام، ولن نستردّ كرامتنا إلا بالإسلام، ولن يكون لنا شأن بين الأمم إلا بالإسلام، ولن يرضى عنا ربّنا إلا بالإسلام، ولن ننال شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة إلا بالإسلام.

أمّا الواجب الذي أوجبه الله علينا وأمرنا به رسولنا الكريم ﷺ فهو:

1-    أن تتوحّد الجهود وراء قيادة مخلصة لربّها متمسّكة بشرعه، مدركة لأصل القضيّة، تعرف العدوّ وأحابيله.

2-     أن نطرد العدوّ الجاثم على صدورنا، ونقطع أيادي تدخّله العابثة ببلدنا ومصيرنا.

3-     أن نقيم دولة الحقّ دولة الخلافة الرّاشدة على منهاج النبوّة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

السؤال الأخير: والناس يسمعونكم ويرون فعل الحكام وتخبطهم والوسط السياسي وتناحره بل عبثه، ما هو موقف الرأي العام منكم وممّا تدعونهم إليه؟

الجواب: مع انكشاف كامل الوسط السياسي في ضعفه وعجزه عن إدارة الشأن العام، وتعري من التحفوا برداء الإسلام لينتخبهم الناس من باب إحسان الظن بهم، وسرعان ما انفضوا عنهم، بات لا يخفى على الملاحظ المنصف مكانة حزب التحرير فهو المعبر الحق عن حقيقة الأمة التي أدركت صدقه وثباته على الحق  فكان بحقّ الرائد الذي لا يكذب أهله. والأهمّ من كلّ هذا أنّ المعيار عند حزب التحرير هو مرضاة الله سبحانه وتعالى فنحن نطلب رضا الله ونقوم بالفرض الذي فرضه علينا عبادة وتقرّبا ونقول للمسلمين هذا طريق الحقّ الذي تعرفونه ولا نطلب منهم رضاء ولا شكرا إنّما نذكّرهم بحقيقتهم فهم مسلمون وواجب كلّ مسلم طاعة ربّه وحده لا شريط له وأوجب الواجبات اليوم هو إقامة الإسلام بإقامة الخلافة التي فرضها ربّ العالمين والتي هي استئناف للدّولة التي أقامها رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم أوّل مرّة في المدينة. هذا هو الواجب في عنق كلّ مسلم، وما نراه اليوم في تونس بل في كلّ العالم الإسلامي أنّ المسلمين بدؤوا يتطلّعون إلى الخلافة القادمة قريبا بإذن الله إذ لم يبق لقيامها إلا أن يقف أصحاب القوّة في صفّ أمّتهم ودينهم فيتركوا حماية العملاء خدّام الاستعمار وينصروا دينهم وأمّتهم. وليس ذلك ببعيد. و(لكلّ أجل كتاب).

حاوره: أحمد بنفتيته

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
إرتفاع نسب الإدمان على المخدرات, ماذا يحاك لشبابنا الذين هم عماد التغيير؟
لقد أصبح انتشار الإدمان في صفوف التلاميذ من الأمور الخطيرة جدا التي صارت منتشرة بشكل كبير في مجتمعنا وتهدد سلامة التلاميذ ومستقبلهم, إذ لا شك أن ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
ما المطلوب من تونس في مجلس "الإرهاب" الدولي؟
ما المطلوب من تونس في مجلس “الإرهاب” الدولي؟

ترأس قيس سعيد لجلسة مجلس الأمن الدولي تحت عنوان "تحديات الحفاظ على السلام والأمن في البلدان الهشة أو المتأثرة بالصراعات"،...

Close