رسالة من الأرض المباركة فلسطين إلى أهل الخضراء إلى أهل الزيتونة والقيروان بتونس الخضراء

رسالة من الأرض المباركة فلسطين إلى أهل الخضراء إلى أهل الزيتونة والقيروان بتونس الخضراء

رسالة من الأرض المباركة فلسطين إلى أهل الخضراء إلى أهل الزيتونة والقيروان بتونس الخضراء

الأستاذ المحامي جندل صلاح
الحمد لله رب العالمين، القائل “وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ”
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، الذي قال الله فيه “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”
وبعد:
الحضور الكريم.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، تحية طيبة نبرقها من فلسطين المحتلة ومن مدينة جنين القسام إلى الأرض الخضراء، تونس القيروان شعلة الثورات وموقظة الأمة في زمن الجبر والهوان ..
انه لشرف عظيم أن يكتب الله لي مخاطبتكم في هذا العمل المبارك، وأن أحل ضيفا عبر الأفق على إخوة وأخوات نشتاق لرؤيتهم في باحات الصخرة الشريفة وهي محررة عما قريب بإذن الله .. عسى الله أن يكتب لأحفاد عقبة وأشاوس تونس أن يكون لهم مدد يوم التحرير العظيم، فيجمع الله زيتون القيروان بزيتون القدس بعد فراق طويل ..
الحضور الكريم: نبدأ الكلام من زبدته .. فأقول:
إن المسلمين هم أساتذة البشرية في القانون.. هذه حقيقة لا أخشى فيها نكيرا، فلا يوجد امة اشتغلت بالصياغة التشريعية الأصولية كما اشتغلت الأمة الإسلامية.. فالبشرية قبل المسلمين لم تعرف المنظومة القانونية ولا الصياغة الدستورية، وإن حاول المؤرخون الإشارة إلى تشريعات لدى اليونان والإغريق وحمورابي وغيرهم؛ لكن كل ما ذكر وغيره لا يعدوا أن يكون لوائح عقوبات بدائية وفرمانات قيصرية لا ترقى لمستوى التسمية القانونية في شكلياتها وموضوعاتها.
فإنه كان مما تفضل به الإسلام على البشرية أن علمهم كيف يبنون منظوماتهم القانونية، وكيف يصوغون دساتيرهم، واختصار لوقتكم؛ يكفيني أن أشير إلى حالة أعدائنا التاريخيين، فهذا فريدريك الثاني ملك صقلية وإمبراطور جرمانيا يصوغ قوانينه من كتب الفقه الإسلامي وهذه فرنسا تبني دستورها الحديث وقانونها المدني على محاكاة كتب السادة المالكية، وهذه ألمانيا تبني دستورها محاكاة للسير الكبير لمحمد الشيباني، واعتبروه رجل القانون الأول، وهذه أمريكا تؤسس دستورها ومحكمتها العليا تحت ظلال كتب المسلمين، وخلدوا ذلك بتطريزه جدارية تصف نبينا محمد عليه السلام بأعظم المشرعين في التاريخ، بل حتى عندما أراد الغرب تأسيس محكمة للجنايات الدولية؛ لم يجدوا مفرا من اعتماد كتب فقه الجنايات الإسلامية كمصدر أساسي لبناء قوانينهم، لذلك فعندما نقول أن المسلمين هم أساتذة البشرية في القانون والصياغة القانونية فنحن نعبر عن حقيقة ثابتة لا سبيل لإنكارها… ثم بعد ذلك ننظر إلى ما يسمى دساتير في بلادنا لنجدها عمليات محاكاة لدساتير أوروبا، مما يثبت أن مشكلتنا الرئيسية تكمن في هذه الفئة الفاسدة الموصوفة بالسياسيين والمشرعين، فكيف لمن كان بستانه يانع الثمار أن يشحذ كسرات الخبز على أبواب الأغراب، إلا أن يكون فاسد العقل والقلب..
لذلك فعندما نتحدث عن العمل الدستوري في بلاد المسلمين فإن أول مشكلة تواجهنا، هي أن من يصوغون هذه الدساتير مضبوعون بالغرب فاقدوا الثقة بدينهم وأمتهم ولا يليقون بصياغة دستور لأمة بحجم الأمة الإسلامية.
ولعل أكبر إثبات على فساد الفئة المكلفة بصياغة الدساتير في منطقتنا الإسلامية، هو ضرب الحالة التونسية كمثال عملي؛ فلا أحد يستطيع أن ينكر أن ما سمي دستور الثورة لعام 2014 لم يكن أكثر من مجموعة اتفاقيات مصالح، أي أن دستور الثورة الذي من المفروض أن يكون خلاصة التضحيات، لم يكن سوى نتاج مساومات مراكز القوى الداخلية والخارجية؛ وإلقاء الضوء على المخاض الذي خرج منه دستور الثورة يعطينا صورة واضحة عن نوعية المطابخ التي تخرج منها الدساتير في بلادنا، دستور يستمر العمل فيه 4 سنوات وتُرفض صياغته أربع مرات متوالية على مدار سنتين وبعدها يتم تشكيل أول لجنة توافقات وتفشل وثاني لجنة توافقات وتفشل وأخيرا تشكل لجنة توافقات استثنائية مخالفة لكل المعايير القانونية والدستورية، وما تخلل ذلك من تلاعبات الترويكا والمعارضة وما يسمى (الرباعية) وما رافق ذلك من اغتيال شخصيات وأعمال شغب ولغط لتنتهي المعمعة في جانفي 2014، وتصدر مجموعة فصول أطلقوا عليها اسم دستور، ثم جاء قيس سعيد بجرة قلم ليعلن تعليق الدستور والعمل بالمادة 117 وكأن شيئا لم يكن، وأعلن انه سيقوم بنفسه بصياغة دستور جديد لتونس مع بعض الاستشارات غالبها الكترونية، بهذه الطريقة من العبث والاستخفاف بالعقول يتم صياغة الدساتير في بلادنا، مجموعة من أصحاب المصالح المرتبطون بالغرب والمنقطعون شعوريا وفكريا عن أمتهم، يصوغون مجموعة فصول يلزموننا بها على أنها دستور مقدس يجب أن نموت في سبيله، لنفهم أن مشكلتنا الرئيسية هي في من يصوغون الدستور قبل أن تكون مشكلتنا مع مضمون الدستور نفسه.
الحضور الأكارم: الواجب على الأمة قبل التفكير في صياغة دستورها أن تحدد من هي الفئة الصالحة للقيام بهذه المهمة، وأن يستبعدوا منها كل مهزوم ومضبوع وصاحب أجندات، تماما كما فعل طالوت عندما فصل الجبناء والمنافقين قبل مواجهة جالوت.
ثم عندما نتحدث عن صياغة الدستور في أي دولة وعند أي أمة؛ فإن أي دستور يدور حول ركيزتين أساسيتين وما تبقى تابع له:
الركيزة الأولى (تحديد سيادة الدولة) أو ما نسميه نحن المسلمون (الأمان) فمهمة الدستور الأساسية تثبيت سيادة الدولة (أمان الدولة) هذا الأمر الذي نجده مفقودا في كل دساتير المنطقة الإسلامية، فمثلا دستور الثورة التونسي ومثله بقية الدساتير العربية تصرح في فصلها الأول بالقول (تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة) بهذه الكلمات العامة الفارغة من أي مضمون قانوني واضح، والتي لا يتبعها أية لوائح إجرائية واضحة، يتم تعويم أخطر شيء في حياة الشعب والأمة (السيادة/الأمان)، لذلك فإنه يجب أن نفهم أن الدساتير القائمة في بلادنا كلها تجعل منا أمة بلا سيادة، وأمة غير قادرة على تطبق مفهوم السيادة على ذاتها وأرضها، لذلك لا تستغربوا عندما تخضع مؤسسات التعليم والقضاء لإملاءات المؤسسات الدولية، ولا تستغربوا عندما تنهب الشركات الغربية ثرواتنا، ولا تستغربوا عندما تكون جيوشنا لا تملك عقيدة عسكرية مفهومة.
أما الركيزة الثانية لأي دستور في الدنيا هي أن يكون منبثقا عن عقيدة أهل البلد وثقافتهم وأعرافهم وتاريخهم، فبالرغم من أن دستور الثورة مثلا في التمهيد قبل البدء بالفصول قال ما نصه “.. واستلهاما من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا ..” نجد انه فارغ من أي شيء له علاقة بالحضارة الإسلامية، بل كله تثبيت وترويج للحضارة الغربية الاستعمارية، وهذا واضح وضوح الشمس في غالبية المواد الدستورية في بلادنا، كلها ترسخ لوجهة النظر الغربية للحياة، وكأن واضعي الدستور يظنون أنهم يستطيعون خداع الناس بعبارة افتتاحية عن تمجيد الرصيد الحضاري، في حين أن الدستور ينبذ كل الرصيد الحضاري لأهل تونس وللأمة الإسلامية، ويجبرون المسلمين على أن يعيشوا وفق وجهة النظر الغربية، أي أن الدساتير القائمة، دساتير (غريبة) ثقافيا وحضاريا عن الجماهير والشعوب، ولا تحترم رصيدها الحضاري ولا تحترم عقيدتها وثقافتها.
فمن ناحية الأساس الشكلي: إذا كان الدستور لا يكفي لتحديد معالم سيادة الدولة وإذا كان الدستور ليس منبثقا من عقيدتنا ورصيدنا الحضاري؛ فهذا كافي لكي ننبذه ونحاربه.
أما من الناحية الموضوعية: فإذا دخلنا في مضامين النصوص الدستورية، نجدها ليست أكثر من عبارات لائكية، كأنها شعارات تسويقية، باهتة من المضمون القانوني، وعند التدقيق تجدونها مضطربة، مما يعني أن أثرها القانوني سيكون عبارة عن فوضى على أرض الواقع، وهذا ما نعيشه اليوم، وهذا تجدونه واضحا في المواد التي تتحدث عن الصلاحيات والحقوق ودرجات القضاء والحالات الاستثنائية وغيرها.
ونجد الدساتير في بلادنا ومنها دستور الثورة التونسي وما سيأتي بعد قيس سعيد؛ دساتير فارغة من توضيح معالم سياسة التعليم وكأنها تركت عمدا لفتح المجال للمؤسسات الدولية أن تعبث بمناهجنا المدرسية، دساتير فارغة من توضيح العقيدة العسكرية وكأنهم يريدون أن يبقى الجيش مفصولا عن الجماهير وأوجاعها، دساتير فارغة من تحديد الملكيات بشكل واضح لفتح المجال للنهب والسرقة وتسريب الثروات، دساتير فارغة من تحديد نوعية النظام الاقتصادي للدولة حتى يسمح للبنوك العالمية وصندوق النقد بالعبث بمعيشة الناس.
بل إن الدساتير كلها ومنها التونسي تضرب الأمة الإسلامية في وسط عقيدتها؛ وتنفي صفة الحاكمية عن الله عز وجل، وتستبدلها بتكرار ممجوج وتمجيد مفضوح لفكرة الديموقراطية، ويتعاملون مع القرآن كأنه كتاب تراث لا قيمة له، ويزدرون نصوصنا الشرعية وكأنها تعاويذ وتمائم تعبدية فارغة من المضمون القانوني.
الحضور الكريم :
لا يتسع الوقت كثيرا لكي نناقش المواد الدستورية بتفصيل لنوضح لكم مدى السوء والغربة التي فيها ولكننا نخاطب جماهيرنا الإسلامية عموما وجماهير تونس شعلة الثورة وأول من أسقط الطغاة، فنقول:
نحن أساتذة البشرية في القانون: عار علينا أن نقبل دساتير مستوردة المضمون والصياغة.
ونحن الأمة الأعظم رصيدا حضاريا: لن نقبل بدساتير تملي علينا حضارة غريبة عنا، فنحن لسنا همجا بدون حضارة.
ونحن الأمة الأكرم رجالا والأطهر نساء: لا نقبل دساتير فارغة السيادة لا تبني لنا دولة محترمة بين الدول.
ونحن أمة تحب ربها وتحب نبيها: لن نقبل بدساتير تطعن في صلب عقيدتنا فكل ديننا مبني على عقيدة الحاكمية لله.
وإن لكم إخوة يملكون تصورا واضحا عميقا لصياغة دستور حقيقي، وهم على كفاءة وقدرة ليجعلوا منكم دولة كبرى بل يجعلوا منكم الدولة الأولى في العالم، بإذن الله.
فالله نسأل لكم الفرج والتوفيق وعسى أن نرى جحافل جندكم عند أبواب بيت المقدس عما قريب أن شاء الله..

CATEGORIES
Share This

COMMENTS

Wordpress (0)
Disqus ( )

x

Related Posts

بعد أن حوصر أهل تونس بالجوع، بات ممكنا مقايضتهم بالأمن الغذائي
قدر لأهل تونس أن تفرض عليهم، منذ أن ابتُلوا بالدولة الوطنية، سياسات تخضع لهوى السلطان وشطحاته، لتبرير خضوعه للتدخل الخارجي من قبل الدول الاستعمار...
غلاء الأسعار وسياسة الأمر الواقع
تجتاح تونس موجة غلاء، تطال السلع الغذائية الأساسية كالدواجن والزيوت واللحوم الحمراء، وغيرها من السلع الأخرى، فهل هي أزمة معيشية عابرة نتيجة ظروف ...
جريدة التحرير