رغم كل محاولات التضليل والتغييب هذه حقيقة الصراع..
رغم كل محاولات التضليل والتغييب هذه حقيقة الصراع..

رغم كل محاولات التضليل والتغييب.. هذه حقيقة الصراع..

عشر سنوات انقضت منذ انطلاقة شرارة الثورة وساسة البلاد ينحدرون بها وبالناس من درك إلى أسفل منه. في كل محطة يشغلون الناس بأمل كاذب وبرق خلب معللين إياهم بفرج مستحيل

 فلا الدستور الذي فرض عليهم في ظروف معلومة، وما حف به من آلام ومآس ومؤامرات نفع في شيء، ولا الحملة الدعائية والهالة الإعلامية التي صاحبت صدوره أقنعت أحدا…

 ولا فرية التوافق التي أوهم بها رأسا المكر أنصارهما قبل الخصوم وعامة الناس، مع ما بين الطرفين من فروق وتباعد وتناحر خففت من الضنك الذي يشتد على الناس كل يوم، يطحنهم ولا يرحمهم، بل عمق اليأس لديهم من العمل السياسي والحياة الحزبية، وضيق عليهم العيش حتى صار الحنين إلى نار  النظام السابق أهون عندهم من جحيم يومهم.

 بل إن انتخاب من ظن الناس فيه خيرا، لعلة عدم انتسابه إلى أي حزب ومخادعته إياهم بشعارات مست مشاعرهم و دغدغت أحلام العزة فيهم، على رأس السلطة زاد الطين بلة، وأجهض ما بقى لدى العامة والخاصة من ثقة بالزعامات والقيادات.

 فالدستور تناوشته معاول الجميع هدما وطعنا حتى صارت الدعوة إلى تعديله أو التخلي عنه إلى غيره، دلالة وعي وحكمة، واصطلاح التوافق يُلعن المنادي به وسُبة عليه، “والزعماء” غدوا مدار سخرية وتندر المنتديات ووسائط التواصل الاجتماعي.

   تعمقت الهوة بين الناس وبين المتسلطين على رقابهم وغدت المطلبية الأنانية السبيل الوحيد لتحقيق الغايات ونيل الحقوق، يُضرب القضاة فتخضع السلطة لمطالبهم، ويُضرب الأساتذة فتتعطل دروب العلم والمعرفة، وتعتصم الأجهزة الأمنية، وتقطع الطرقات وتُشل دورات الإنتاج، وتتعطل مصالح الناس، فتُجبر السلطة، فتخضع فتعد وتُخلف.

 في حين يعمل قادة الحضارة الغربية، القائمة على عقيدة كافرة (عقيدة فصل الدين عن الحياة)

على أساس ثابت هو نشر مبدئهم وفكرتهم المدمرة والتي لا ترى ضيرا في إبادة الشعوب واستعبادها، وقد انبنت على الاستعمار طريقًا لنهب الثروات، وإثارة النعرات العرقية والقومية والمذهبية والطائفية  لتقسيم الناس، ولا يقبلون أن تزاحم فكرتهم أي فكرة غيرها، ويعملون على تدميرها، وإخراجها من دورة الحياة. نجد قادة وشعوب عالمنا الإسلامي يعملون بحرص غريب على خدمة فكر المستعمر لبلداننا والمهيمن علينا حد الإذلال وتثبيت قيمه ومفاهيمه فينا، ومحاربة أفكارنا وقيمنا والعمل على تشويهها بل واستئصالها من عقول ناشئتنا.

وفي حين تستثمر قيادات الغرب الكافر كل المحطات التاريخية والحوادث الدالة  كالحرب العالمية الأولى والثانية في أوائل وأواسط القرن الماضي، أو في الأزمة الحالية لجائحة كورونا التي تهز العالم هزا، لتوظيفها، وفرض المعالجات التي تراها، ولتأكيد ريادتها وقيادتها للحياة وتوظيف قوى الغير لفائدتها، نجد القائمين على الشأن العام فينا ونخب الفكر لدينا تستسلم لعدونا وتتخذ من فكره قيادة لها تفرضها علينا، حتى كنا نسمع أنهم اختلفوا فيمن يحق مناصرته من طرفي الصراع في الحرب العالمية الثانية، فريق مع الحلفاء وفريق مع المحور.

      وعلى هذا وفي ظل الضعف الفكري الذي ابتلي به المسلمون في فهم فكرتهم الأساسية  وذهولهم عن الخير الذي تحويه وقدرتها المطلقة على الاستجابة لكل انتظارات الإنسان من حلول لمشكلاته وقضاياه، استطاع الغرب الكافر أن يفرض علينا فكرته  بالحديد والنار، فغدا “حكامنا” الذين مكنهم هذا الغرب الكافر من رقابنا لا يرون من مهامهم إلا البحث في أرقام الجباية وأساليب توفيرها، وضبط أعداد العاطلين عن العمل والبحث عن سبل توفير ما تيسر من مواطن الشغل، أو ترتيب عملية تهجيرهم خارج الحدود. كل ذلك بعد أن أسلموا قضايانا المركزية إلى أولياء نعمتهم.

   لن يفلح شعب ما لم يتخذ موقفا من الحياة يحدد شخصيته وتفرده ويحدد صلته بمن حوله من الشعوب وترتب علاقته بالكيانات القائمة في عالم الإنسان. ولقد حددت لنا وثيقة المدينة، بوصفنا مسلمين، والتي فرض بنودها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة حاكما وقائداً فوق كونه نبيا ورسولا، حدد بها العلاقة الواجبة بين المسلمين من أهل المدينة المنورة، والعلاقة بينهم وبين غيرهم من أهل الذمة وكل من يحمل تابعية دولة الإسلام.

 فحين بين دستور المدينة في بنوده مثلا (إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ أَيْدِيهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ)، (وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ وَحَرْبَهُمْ وَاحِدَةٌ)، (وَأَنَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَمَرَدُّهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) قد عين الأساس الفكري الذي تتحدد به الحقوق والواجبات وأن مرد كل أمر هو إلى الله ورسوله، وتحدد بذلك سلم القيم ولم يبق لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله والتسليم إليه. هكذا قطعت وثيقة المدينة كل يد تمتد إلى المسلمين ولم تجعل لكافر سلطان عليهم.

 فصراعنا اليوم ليس مع موطن عمل يشغلنا، ولا كسرة خبز نأكلها، فهذه حقوق يضمنها تطبيق أحكام الله على الفرد والجماعة، إنما قضيتنا إنجاد الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وذلك بحمل رسالة الخير إليهم، “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله”.

أ, عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
إرتفاع نسب الإدمان على المخدرات, ماذا يحاك لشبابنا الذين هم عماد التغيير؟
لقد أصبح انتشار الإدمان في صفوف التلاميذ من الأمور الخطيرة جدا التي صارت منتشرة بشكل كبير في مجتمعنا وتهدد سلامة التلاميذ ومستقبلهم, إذ لا شك أن ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
ثورة 17 ديسمبر ومَكر الدوائر الغربية

عشر سنوات مرت عن ثورة الأمة التي انطلقت من مدينة سيدي بوزيد الأبية التي أطاحت بأعتى الأنظمة الإستبدادية في المنطقة وكانت...

Close