زيتون يقدّم عربون نهاية الخدمة

زيتون يقدّم عربون نهاية الخدمة

الخبر :

جاء في المنشور الجديد عدد 13 والمؤرخ في 15 جويلية الجاري والذي وجهه وزير الشؤون المحلية المقال لطفي زيتون، إلى رؤساء البلديات ان التحجيرات السابقة في اختيار أسماء المواليد الجدد أضحت اليوم “نوعا من التقييد للحرية“. وأن المنشور عدد 85 لسنة 1965 “المتضمن لبعض التحجيرات بخصوص اختيار الوالدين لأسماء المواليد الجدد عند ترسيمهم بدفاتر الولادات لم يعد يتلاءم مع ما تعيشه تونس اليوم من مناخ حرية ومسؤولية…؟

التعليق :

رغم انتهاء مهامه وقصر مكوثه على رأس الوزارة إلا أن لطفي زيتون أبَى الخروج دون ترك بصمته وإظهار لأسياده وأولياء نعمته في الغرب أنه يشتغل على قضاياهم الحارقة ومستميتا إلى آخر رمق في التقيد الحرفي  بدستور نوح فيلدمان لسنة 2014 وما جاء فيه من دعوة إلى القيم الكونية من حريات وتعددية وتنوع إلى حدّ الذوبان في الحضارة الغربية وفي المقابل التحلل مما تبقى من أحكام الإسلام التي تجعل موالاة الكافرين جريمة كبرى يترتب عليها العقاب الشديد في الدنيا والآخرة، ونصرة الإسلام والمسلين وإظهاره عزيزا ومهيمنا على الدين كله قضية كل مسلم وعلى رأسهم كل من تولى مسؤولية الحكم في هذه الأمّة, مصداقا لقوله تعالى “ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ”.

إن كان هذا القرار لا يشذّ عن التوجّهات العامة لحكومات ما بعد الثورة من رهن البلاد ومقدّراتها وشرذمة قواها فإن لوزارة الشؤون المحلية وضعا خاصا, فهي التي جاءت بها توصيات مجموعة السبعة الكبار في قمة دوفيل 2011 بفرنسا كشرط لدعم الثورات وإيجاد دولة بلا سلطة وبلد غير قابل للحكم, تتقاذفه الأمواج من كل جانب, متفرق دمه بين يدي 700 محلية أو أكثر, هذا عدى التشكيلات السياسية بتعددها وتنوعها الفسيفسائي ونظام الحكم الهجين ذو الرؤوس الثلاثة.

ولعلم المتشدقين بالحريات فإن فرنسا مثلا تستصدر قوانين لضبط اختيار أسماء المواليد حتى لا تخرج عن تاريخهم، ولا تعارض مع قيمهم الوطنية، ففي مدينة ديجون، في كوت دور، اتخذ مجلس المدينة إجراءات قانونية في نهاية عام 2018، حول طفل صغير يدعى “جهاد”, وطلبت من المحكمة أن تصدر استدعاء لإلغاء الاسم الأول. لأنه يأخذ دلالة سلبية. بسبب السياق الحالي والتهديد الإرهابي الذي يخيم على فرنسا. كذلك في عام 2017، حدثت قصة مماثلة في منطقة هوت غارون، وتم إلغاء اسم  للطفل.

يصف  الدكتور مصطفى حجازي حالة تماهي حكامنا مع الإستعمار في كتابه: “سيكولوجية الإنسان المقهور” حيث يقول: “آخر أشكال التماهي بالمُتَسَلِّط يصل الاستعلاء أخطر درجاته، لأنه يتم بدون عنف ظاهر، بل من خلال رغبة الإنسان المقهور في الذوبان في عالم المُتَسَلِّط وهنا يكون الضحية قد خضع لعملية (غسيل مخ) من خلال حرب نفسية مُنَظَّمَة لتحطيم القيم الاجتماعية والحضارية للفئة المقهورة”.

إن كان هذا العمل مُشينا ولا مبرّر له فإنه في الحقيقة متوقع لأن الشيء من مأتاه لا يستغرب, لكننا نراه محطة أخرى لأبناء أمتنا العزيزة ليقفوا على طبيعة هؤلاء الحكام الرويبضات ومدى ولاءهم للسيد الغربي, وكذلك مناسبة لمعرفة أحكام شرعية ذات أهمية قد تهاوننا في أخذها والتمسك بها بل وإن لزم الأمر العضّ عليها بالنواجذ.

فأعلم أخي الكريم أن للإسم تأثير على الأمة في سلوكها وأخلاقياتها على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم : “من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها .. “. ويعطي رؤية واضحة لمدى تأثير التموجات الفكرية والعقدية على الأمة وانحسارها عن أخلاقياتها وآدابها. ومدى استيلاء العجمة علينا ومداخلة الثقافات الوافدة إلينا ؟

وقد قيل, حق الولد على والده أن يختار له أمة كريمة، وأن يسميه اسماً حسناً وأن يورثه أدباً حسناً. كل من شارك في تسمية المولود له أجر ومثوبة على حسن الاختيار وفضل الاقتداء بالإسلام والسنة، فهو مبارك على نفسه ومولوده وأمته، لأنه انتشله من دائرة التبعية الماسخة المذلة ، والأسماء الغثة المائعة ، وتلك التي قد يبدو لها جرس وبريق وهي تحمل معاني مرذولة مخذولة، استجابة لثقافة وافدة تناهضه في دينه وخلقه ولغته وتساهم – وبدون مقابل- في نشر أسباب الوهن والإيذاء والاسترخاء لأمته. وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة وحولها من الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، ومن الأسماء ذات دلالة كُفرية إلى الأسماء الإيمانية. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن ” رواه الترمذي.

وإليك أخي القارئ بعض مقتطفات من مقدمة كتاب تسمية المولود للشيخ بكر عبد الله أبو زيد هذا وقد تحدثت عديد الكتب للوقوف عند هذه المسألة الشرعية لأهميتها وأثرها على الفرد والمجتمع والأمة بمجموعها.

يقول:

” إنني تأملت عامة الذنوب والمعاصي فوجدت الذنوب والمعاصي إذا تاب العبد منها، فإن التوبة تجذمها وتقطع سيئ أثرها لتوها، فكما أن الإسلام يجُبُّ ما قبله وأكبره الشرك، فإن التوبة تجُب ما قبلها متى اكتملت شروطها المعتبرة في شرعًا، وهي معلومة أو بحكم المعلومة .

لكن هناك معصية تتسلسل في الأصلاب، وعارها يلحق الأحفاد من الأجداد، ويتندر بها الرجال على الرجال، والولدان على الولدان، والنسوة على النسوان، فالتوبة منها تحتاج إلى مشوار طويل العثار، لأنها مسجلة في وثائق المعاش من حين استهلال المولود صارخاً في هذه الحياة الدنيا إلى ما شاء الله من حياته، في : شهادة الميلاد، وحفيظة النفوس، وبطاقة الأحوال، والشهادات الدراسية، ورخصة القيادة، والوثائق الشرعية .. إنها تسمية المولود التي تعثر فيها الأب، فلم يهتد لاسم يقره الشرع المطهر ويستوعبه اللسان العربي، وتستلهمه الفطرة السليمة.

فيا أيها المسلم: أكرر مؤكداً، وبالحق مذكراً : إن الاسم عنوان المسمى فإذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه، فإن المولود يعرف من اسمه في معتقده ووجهته، بل اعتقاد من اختار له هذا الاسم ومدى بصيرته وتصوره.

فاسم المولود وعاء له، وعنوان عليه، فهو مرتبط به، ومن خلال دلالته يقوم المولود ووالده وحال أمته، وما هنالك من مثل وأخلاق وقيم، فهو يدل على المولود لشدة المناسبة بين الاسم والمسمى، وهذا أمر قدره العزيز العليم، وألهمه نفوس العباد، وجعله في قلوبهم.

وبالجملة، فهو الرمز الذي يعبر عن هوية من اختار الاسم والمعيار الدقيق لثقافته.

ومن الدارج في كلام الناس: “من اسمك أعرف أباك”.

والاسم يربط المولود بهدي الشريعة وآدابها، ويكون الوليد مباركاً فيذكر اسمه بالمسمى عليه من نبي أو عبد صالح، ليحصل على فضل الدعاء والاقتداء بهدي السلف الصالح، فتحفظ أسماؤهم، ويذكر بأوصافهم وأحوالهم، وتستمر سلسلة الإصلاح في عقب الأمة ونسلها.

وفيه إشباع نفس المولود بالعزة والكرامة، فإنه حين يشب عن طوقه، ويميز بين خمسة وستة، ويكون في سن التساؤلات (السابعة من عمره)، يبدو هذا السؤال: على ما سميتني يا أبتاه ؟ ولماذا اخترت هذا الاسم ؟ وما معناه ؟ حينئذ يقع الأب في غمرة السرور إن كان أحسن الاختيار، أو يقع في ورطة أمام ابنه القاصر عن سن البلوغ، فتنكشف ضحالة الأب، وسخف عقله، فكان الأب من أول مراحل تربيته لابنه يلبسه لباساً أجنبياً عنه، ويضعه في وعاء لا يلائمه، وهذا انحراف عن سبيل الهدى والرشاد، وصدق النبي  صلى الله عليه وسلم : ” ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه…”(صحيح مسلم).”

ياسين بن يحيى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تونس... إلى أين؟
منذ هروب الرئيس المخلوع عمل رجال الأعمال الفاسدون ومصّاصو دماء الشعب القدامى على تحصين أنفسهم من خلال انخراطهم في المشهد السياسي الجديد حتى باتوا...
المال السياسي القذر الذي أفسد الحياة السياسية والإعلامية في تونس
في إطار الحديث عن الصعوبات المالية التي يعيشها الإعلاميون، قال الإعلامي برهان بسيس منذ أسبوع في مداخلة له على أمواج إذاعة اي اف ام في برنامج "راف...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
إطلاق اسم الشاذلي القليبي على مدينة الثّقافة, مهزلة ثقافية تاريخية
إطلاق اسم الشاذلي القليبي على مدينة الثّقافة, مهزلة ثقافية تاريخية

تم مساء يوم "الخميس 09 جويلية 2020 إطلاق اسم الشاذلي القليبي على مدينة الثقافة.وكان رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ حضر فعاليات...

Close