شخصنة الفساد: تضليل للرأي العام

الخبر:

 

شهدت تونس في الفترة الأخيرة، سلسلة من الإيقافات في صفوف عدد من رجال الأعمال المشتبه بتورطهم في قضايا الفساد، وتم وضعهم تحت الإقامة الجبرية والإعلان عن مصادرة أموالهم.

 

وقد أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد في تصريح خاطف له حول هذا الموضوع أنه اختار البلاد واختار تونس على الفساد.

 

التعليق:

 

محاربة الفساد والتنديد به: هذا هو الخطاب الأكثر رواجاً في تونس في الفترة الحاضرة. بل إنه أصبح أكثر جاذبية من موضوع (الإرهاب) والعديد من المشاغل الأخرى التي طالما أسست الخطاب السياسي في تونس (التنمية، والتشغيل الخ…). والأكثر غرابة أن هذا الموضوع يتصدر حاليا الأدبيات السياسية لمجمل الطيف السياسي في وقت بات فيه التلازم بين الفساد المالي والفساد السياسي أمراً لا يشك فيه اثنان في تونس. فلقد بدا واضحا للعيان أن حالة التشظي التي تعيشها العديد من الأحزاب السياسية إنما وراءها المال الفاسد.

 

تونس بالتأكيد بحاجة لمحاربة الفساد، وهذا واحد من أكبر التحديات التى تواجه البلاد وتثير غضب الناس، ولكن عن أي فساد نتكلم، فالفساد لا يقاس فقط بحجم ما يحصل عليه المسئولون من رشاوى وهدايا بمختلف الأشكال والمسميات، وإنما أيضا ــ والأهم ــ يقاس على مستوى الفساد التشريعي وعلى مستوى فساد النظام كمبدأ لرعاية شؤون الناس.

 

فكل ما يقال اليوم عن الفساد والإفساد مصدره الأساسي والوحيد هو النظام الرأسمالي العلماني الذي يتخذ من الفساد محركا ودافعا رئيسا لخدمة مصالح عصبة الواحد بالمائة من أصحاب المال النافذين.

 

ولكم في قطاع الثروات الباطنية خير دليل على ذلك، فرغم إعلان دائرة المحاسبات في تقريرها عدد 27 المتعلق بقطاع الغاز الطبيعي فساد أغلب عقود البحث والاستكشاف في قطاع الغاز الطبيعي إلا أننا لم نر للحكومة أي تحرك ولا أي ردة فعل ولا حتى تصريح في اتجاه مقاومة ومحاسبة الفاسدين بل بالعكس سمعنا رئيس الجمهورية يأمر الجيش بالتحرك لحماية تلك الشركات الاستعمارية الناهبة، وقس على ذلك في مجال النفط والفوسفات والملح…

 

إن حكومة الشاهد تسعى إلى تضليل الرأي العام من خلال “شخصنة ” موضوع الفساد، وذلك باختزال ظاهرة الفساد في ملاحقة أشخاص بعينهم من موظفين ورجال أعمال ومهربين، وإيهام عامة الناس أن الإيقاع بهم هو الهدف المنشود والنهائي، وهذا ما يمنح الرأي العام والإعلام ما ينشغل به ويصب عليه غضبه، دون أن يترتب عليه أي تغيير حقيقي في السياسات والقوانين والأنظمة التي تشجع الفساد وتجعل تكراره حتميا ولكن بوجوه جديدة.

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ممدوح بوعزيز

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

نقض الفكر الغربي وبيان فساده ومخالفته لبديهيات العقل وقواعد التفكير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد: العلوم الإنسانية والخلط بين العلم والمعرفة قلنا في الحلقة الماضية: إن ...
أفضل حل لعباس ولمن معه حل السلطة الفلسطينية قبل أن يحلها كيان يهود
أعلن محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يوم 19\5\2020 أن " منظمة التحرير الفلسطينية  ودولة فلسطين(!) قد أصبحت اليوم في حل من جميع الاتفاقات...
قيس سعيد, شعبوية الخطاب والمنهج
في غياب الخطاب السياسي المقنع على مستوى العالم وعجز المنظومة السياسية القائمة عن تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة المطروحة في القضايا الكبرى التي ته...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
الإفطار في رمضان وحرية المعتقد

ككل سنة في رمضان تتعالى أصوات بعض الناس ممن استبدلوا الإسلام باللائكية والحداثة الغربية من أجل ضرب فكرة الأمر بالمعروف...

Close