على نبل رسالة القاضي، لن يجد القضاء مستقره إلا في شرع الله
على نبل رسالة القاضي، لن يجد القضاء مستقره إلا في شرع الله

على نبل رسالة القاضي، لن يجد القضاء مستقره إلا في شرع الله

أبت الديمقراطية إلا أن تبين عن حقيقة القصور الكامن في أصل بنيتها، لمناقضة جوهرها فطرة الإنسان، حين أسندت للطغاة المتسلطين على الناس مطلق السيادة ولتتوارى خلف فصل السلطات وإيهامها للبسطاء وخداعهم بأنها تضمن لهم العدل وتقيهم طغيان السلطة التنفيذية وتضمن لهم حقوقهم عندها.

    يأتي الإضراب الذي يشهده مرفق القضاء في تونس وتعطيل وصول الحقوق إلى الناس، هدما لركن من أركان النظام الديمقراطي المؤسس على السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، كونها أصلا تنشأ عنه الحلول، لا فرعا. وهو الأمر الذي يقوض أركان فكرة الديمقراطية والدولة التي انبثقت عنها لارتباك فقهائها في تفسير قواعدها القانونية وللإجابة عن سؤال: هل يحل لمن يمارس سلطة، نيابة عن الدولة، الإضراب عن العمل لتحصيل حق من “سلطة” أخرى مرادفة لها؟ وهو الأمر الذي لا زالت تمنعه دول المركز الديمقراطي تحوطا من انهيار معبد الديمقراطية نهائيا

   ويأتي إضراب القضاة وتعطيل مرفق القضاء منافيا لفكرة استقلالية القضاء وضربا لهذه الاستقلالية ــ في فلسفة الديمقراطية ــ إذ يعطي استمداد الحق من السلطة التنفيذية، الولاية لها على السلطة القضائية والتسليم لها بهذا الحق. ويحرم القاضي من سيادته في ممارسة عمله أو في ترتيب السلم الوظيفي.

         بعد أن حمّلت الديمقراطية القضاة مسؤولية إنصاف الفئات الواسعة، المغبونة والمهمَشة في المجتمع، للحد من رغبات السلطات السياسية، دون أي ضامن لاستقلالية القاضي في حال تعرّضه لأي ضغط أو سوء من جرَاء ذلك. فأنشئت لتعويض ذلك النقص المنظمات الحقوقية، كنقابة القضاة أو جمعية القضاة، أو المرصد  المدني لاستقلال القضاء وشفافيته. فكانت التأويلات المتناقضة بين فقهاء الدستور ومدى دستورية القوانين المستنبطة، بين الحق في الإضراب وولوج باب المطلبية القطاعية كسائر القطاعات المهمشة في المجتمع، وبين واجب الحفاظ على جوهر الدولة المدنية وهيبتها، خشية تسرب “داء هذه التفسيرات” إلى شرائح عدة من السلطة التنفيذية نفسها وانخراط سامي موظفيها وأعضاء الهيئات العامة في قائمة المضربين والمطالبين بالإنصاف، دون استثناء الوزراء أنفسهم، الركن الثاني في النظام الديمقراطي، بل وقد انخرط أعضاء ما يسمى بمجلس نواب الشعب، الركن الثالث في هذا النظام، في اعتماد أسلوب الإضراب، ما دام المرجع دستور وضعي شُكل على هوى المتغلبين فحُق لمن التحف بلحافه أن يغنم منه ما تيسر له في ساحة المغالبة، المفتوحة لمن غلب.

     حشر القضاء في تونس والمنظومة القضائية في مجملها بين فصول هذا الدستور الوضعي، وبين ظروف العمل المضنية التي يعمل فيها القاضي، إلى جانب ظروفه المادية الخاصة، ليجد في موضوع استقلال القضاء، والمفترض بداهة، المُعين على إحباط سعي أصحاب الجاه والمال في إملاء الحكم عليه، دون النظر في فساد الدستور ذاته، فكان اللجوء إلى الإضراب السبيل الوحيد لتحقيق سلطته. وكان النضال من أجل استقلال القضاء الشجرة التي غطت فساد الدساتير الوضعية وحتمية نبذها واستبدالها بدستور منبثق من شرع الله.

في القضاء الشرعي لا يسأل الناس عن عدل القاضي بل عن فطنته

    عرف القضاء في الفقه الشرعي بأنه الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام ليفصل الخصومات بين الناس، أو يمنع ما يضر حق الجماعة، أو يرفع النزاع الواقع بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم، حكاما أو موظفين، خليفة أو من دونه. لم يحتج القاضي تحت سلطان الإسلام أن يسأل استقلالية أو أن يناضل من أجلها ليضطر إلى الإضراب عن العمل وتعطيل مصالح الناس فقضاؤه مستنبط من دليله، ماض على الجميع حكاما ومحكومين، إذ ليس العدل أن نشرع من دون الله، ثم نطبق تلك الأحكام بل العدل مقصور على حكمه تبارك وتعالى.

” إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (40)ـ يوسف ـ

   ولعل في ذكر حكم القاضي “جُمَيْع بن حاضر الباجي”، زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، بإخراج جيش المسلمين، وكل مسلم، من سمرقند بعد دخولها على غير الطريقة الشرعية مندوحة عن ذكر غيرها من الأمثلة، حتى أنه صار في المجتمع المسلم لا يسأل عن عدل القاضي بل عن فطنته، رضا واطمئنانا لحكم الله الذي لا يظلم أحدا. فلن يسلم مرفق القضاء من العبث، ولن يجد مستقره، ولن يُعرف للقاضي فضلُه إلا في ظل شرع الله الذي تطبقة دولة الحق والعدل، دولة الخلافة المباركة.

أ, عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟
اتفاقية إسطنبول: حرب ضد العنف أم حرب ضد الإسلام؟

إن اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي أو اتفاقية إسطنبول هي اتفاقية تستهدف حضارتنا الإسلامية. فإن...

Close