عن خطّة الإنقاذ الاقتصادي لحكومة الفخفاخ..

عن خطّة الإنقاذ الاقتصادي لحكومة الفخفاخ..

هي نفس الجُحر الذي لدغنا منها أكثر من مرة, تحدث رئيس الحكومة الياس الفخفاخ في جلسة تقييم حصاد فريقه الحكومي للمائة يوم الأولى أمام البرلمان عن خطة عاجلة وضعتها حكومته لإنقاذ اقتصاد البلاد قائلا: “المعركة القادمة هي معركة إنقاذ الدولة وبنائها في ظل المديونية والأزمة الاجتماعية والصحية”. خطة يقول انها جاءت لمعالجة وضع حرج بلغته التوازنات المالية للدولة نظرا لتفاقم الأزمة الاقتصادية. وأزمة قال انها تستوجب المعالجة وأول شروط معالجتها المصارحة بحقيقة المؤشرات الاقتصادية، من ذلك تراجع مداخيل الدولة الجبائية بأكثر من 5 مليار دينار أي ارتفاع عجز الميزانية إلى أكثر من 8 نقاط وهذا ناجم حسب قوله عن تراجع نسبة التنمية وتسجيل نسبة سلبية تقدر بـ -6 %.

من حيث الشكل نرى الفخفاخ في مظهر الواثق من نفسه متحدثا عن “منوال اقتصادي جديد”.. وعن القطع مع سياسة الماضي وأهمها وقف التداين الخارجي. طبعا يأتي هذا الكلام في سياق الإيهام بالتغيير.. بداية لأن تسمية “منوال اقتصادي” تشير إلى أنها تفريعة من تفريعات النظام الرأسمالي.. أي أنه منوال جديد سيفرض عليه_ تماشيا مع رسالة تقديم فروض الطاعة التي أرسلها لصندوق النقد الدولي بمشاركة محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري في 2013 عندما كان الفخفاخ وزيرا للمالية وقد عبر فيها عن استعداده لتنفيذ املاءات صندوق النهب _ أهم عناصر هذا المنوال هي تقليص دور الدولة والشراكة مع القطاع الخاص.. وطبعا فتح البلاد أمام القطاع الخاص من وراءه التمويل الأجنبي والاستثمار الأجنبي. وفي إطار عقليّة الحكم فإن نظرة الفخفاخ وأمثاله للبلد وأهله ترتكز على أننا تابعين للغرب ولا مناص للتفكير خارج أطرهم وانظمتهم وهيمنتهم على القرار وعلى الثروة.

من جهة أخرى يأتي هذا الكلام في سياق عدم الجديّة.. فدعوة الفخفاخ الأخيرة إلى وقف الدين الخارجي.. يجعلنا نتساءل أين الأفعال التي تصدق هذا الكلام؟! وقبل الحديث أصلا عن خطة الإنقاذ الاقتصادي وقبل الحديث عن الاستراتيجيّات.. هل أوقفت هذه الحكومة التداين ؟! هل قدمت رؤيتها لكيفية معالجة آثار الديون ؟! كيف ستعالج الديون؟! وهي لازالت إلى الآن تأخذ القروض؟! ولازالت إلى الآن تتلقى الاملاءات؟! ولا زالت إلى الآن تحضر لاستقبال وفود صندوق النقد الدولي ؟! المسألة إذن, ليست جديّة.. المسألة إذن هي في إطار تنويع الخطاب في شكله وفي مضمونه.. باستخدام خطاب جديد وكلمات رنّانة من قبيل”ايقاف التداين” ومن قبيل “الاقتصاد الاجتماعي” لإيهام النّاس أن دولة قائمة على أساس الجباية ستعمل على رعايتهم وإعطائهم حقوقهم!! والمحصّلة من هذا ملء خزانة الدولة من جيوب الناس، ولو أدى ذلك إلى إفقارهم.

أليس الواقع الحالي الذي يعشه أهل تونس هو نتيجة انطباق النظام الرأسمالي المجرم وما تبعه من ترقيعات ومشاريع يسهر على تنفيذها رؤساء الحكومات المتعاقبين برعاية الدوائر الأجنبيّة التي جرّت الويلات والكوارث على أهل تونس ؟! فماذا يمكن أن يصنع الفخفاخ تحت عنوان خطة الإنقاذ الاقتصادي ؟! وهل يجرب عاقل المجرب مرارا وتكراراً؟! وهل يأمل من يدخل جحر الأفعى أكثر من مرة أن يجد في إحداها عسلاً؟! ومن يفعل ذلك فكأنما يتجرع الداء ليتداوى، ويترك البلاد فريسة لمزيد من النهب من قبل الدول الكبرى ومؤسساتها.

إن اقتصاد تونس لم ولن يتعافى بإثقال كاهل الناس بالجباية والقروض الربوية والمال الحرام، ولن ينهض بمخالفة شريعة الله الغراء وطريق الهدي المستقيم، مصداقا لقول الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً(ومع إدراكنا أن المشكلة هي في أس النظام وتكوينه وعقليّة الحكّام، لكن لو صدق الفخفاخ وأرباب سياسة التذلل في بلدنا، لكن هيهات هيهات، لقاموا بسلسلة إجراءاتٍ من مثل:

– وقف دفع الربا للبنوك، وإعادة رؤوس أموالهم.

– فصل العملة عن العملات الأجنبية، واعتماد قاعدة الذهب والفضة كغطاء للعملة، مما يوقف التضخم.

– التوقف عن اعتماد السياسة الضريبية كحلٍ لكل أزمة، الأمر الذي يثقل كاهل الأفراد وأصحاب الأعمال.

– الاعتماد على أسسٍ اقتصاديةٍ صحيحةٍ قائمةٍ على الصناعة والزراعة، وليس على كثرة الواردات على حساب الصادرات، التي سببت عجز الميزان التجاري.

وعليه حتي تنهض البلاد اقتصادياً نهضة صحيحة يجب تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي كاملاً في إطار تطبيق المنظومة الإسلامية الكاملة دون اجتزاء؛ لأنها جاءت لحل مشاكل الإنسان الناجمة عن حاجاته وغرائزه المتداخلة المترابطة، فلا يمكن ولا يجوز فصلها وتجزئتها بحال من الأحوال، ولن تؤدي إلى النهضة إلا بتطبيقها كاملة في إطار دولة إسلامية هي دولة الخلافة، هذا ما فرضه علينا رب العالمين، وهذا ما يدعو إليه حزب التحرير. لكن دولةً سياسيوها هم تجارها، يعتبرون البلاد والعباد مزرعةً لهم ولأبنائهم، لا يهمهم اتخاذ أية إجراءات تهدد وجودهم ومصالحهم!!!

خبيب كرباكة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الحكومة, المعارضة واتحاد الشغل: الشركاء المتشاكسون
قبل هروب "بن علي" كان اللون البنفسجي هو المهيمن على الحياة السياسية في تونس وكانت الجوقة "النوفمبرية" تحتكر العزف ولا يمكن لغيرها أن يصدر صوتا ول...
حقوق الإنسان الشرعية
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يتوخى الإنسان، بوصفه الفردي أو الجماعي، عند قيامه بإشباع ما جبل عليه من متطل...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
غير شرع الله هَوان ولو كان الشعبُ يريد

الدّيمقراطيّة صنم هذا العصر يُجرّ النّاس إلى معبدها (أو قل جحرها) بتعويذة "سحريّة" هي "الشعب يريد".. وهي الأداة التي يستعملها...

Close