في الذّكرى الرّابعة لاستشهاد البطل القسّامي محمّد الزّواري: ويتواصل نزيف العلماء والعقول والكفاءات الإسلاميّة

في الذّكرى الرّابعة لاستشهاد البطل القسّامي محمّد الزّواري: ويتواصل نزيف العلماء والعقول والكفاءات الإسلاميّة

ونحن نقف اليوم بإزاء الذّكرى الرّابعة لاستشهاد البطل القسّامي المهندس محمّد الزّواري برصاص الغدر الصهيونيّ يتواصل نزيف العلماء والخبراء والعقول والكفاءات الإسلاميّة لاسيّما القائمون منهم على البرامج النوويّة.. آخر عنقود هذه السّلسلة الدمويّة السّوداء هو العالم النوويّ الإيرانيّ (محسن فخري زادة) الذي اغتيل يوم 27/11/2020 على مشارف طهران بسيّارة مفخّخة متبوعة بـ(13) رصاصة من رشّاش أوتوماتيكيّ مركّز على وجهه بكمرة متطوّرة مسيّرة عن بعد بالذّكاء الاصطناعيّ.. وإلى جانب كونه مسؤولا في وزارة الدّفاع الإيرانيّة ورئيسا لبرنامجها العسكريّ السريّ، يعدّ فخري زادة (أبا القنبلة النوويّة الإيرانيّة) وشخصيّة محوريّة في برنامجيها النوويّ والصّاروخي، ما جعله المطلوب رقم واحد لجهاز الاستخبارات الإسرائيليّ (الموساد) في سعيه المحموم لإضعاف القدرات الاستراتيجيّة العسكريّة لإيران..ورغم أنّ كيان يهود قد تبنّى العمليّة ـ تلميحا وتصريحا ـ وتبجّح بها بصفاقته المعهودة في تناغم مريب مع إدارة ترامب، إلاّ أنّ النّظام الإيرانيّ استهلك الحدث وأحجم عن أيّ عمل انتقاميّ واكتفى كالعادة بالتّهديد (بالردّ في المكان والزّمان المناسبين) موجّها سهام حقده نحو الثّالوث الخليجيّ (السعوديّة ـ الإمارات ـ البحرين)، بما سوف يفضي شيئا فشيئا إلى إهمال ملفّ فخري زادة كما أُهمل ملفّ قائد فيلق القدس قاسم سليمانيّ..هذا السيناريو الخيانيّ المهين يكاد يتطابق بكافّة تفاصيله مع سيناريو اغتيال الشّهيد محمّد الزّواري :نفس الأطراف ونفس الكيفيّة ونفس الهدف ونفس المواقف، ناهيك وأنّ الرّئيس قيس سعيّد استكثر على الزّواري مجرّد حركة اعتراف رمزيّة حيث منع الجنسيّة التّونسية عن أرملته ومنحها إلى أفارقة وأطراف علمانيّة معروفة بعدائها المبدئيّ للإسلام ومناهضتها للقضيّة الفلسطينيّة..وحسبنا فيما يلي أن نفهم هذا التمشّي الصّهيونيّ في استهداف هذه النوعيّة من الكفاءات وأن نقف على خلفيّاتها النفسيّة والسياسيّة..   

سيرة البطل

ممّا لا شك فيه أن في سيرة الشّهيد محمّد الزّواري من المعطيات المصنّفة (خطيرة) إسرائيليًّا ما جعلهُ هدفًا لجهاز مخابراتها (الموساد): فقد نشأ الشّهيد في حضن الإسلام السياسيّ فانخرط شابًّا في الاتّجاه الإسلامي قبل أن يتحوّل إلى حركة النّهضة، وكان أحد أنشط أعضاء (الاتّحاد العام التونسي للطّلبة) بالمدرسة الوطنيّة للمهندسين بصفاقس حيث تخصّص في الهندسة الميكانيكيّة وكانت رسالة تخرّجه حول صناعة الطّائرات بدون طيّار..في شهر ماي من سنة 1991 وأثناء الحملة الدّامية التي شنّها نظام بن علي على الجامعة التّونسية لكتم النّفس الإسلامي فيها اعتُقل الزّواري وأوذي وسُجن ،وبعد الإفراج عنه خيّر المنفى هروبا من ملاحقات زبانية التجمّع ،فغادر تونس متنقّلاً بين ليبيا والسّودان حيث حصل على الجنسيّة، ثمّ سوريا حيث استقرّ وتزوّج سنة 2008 وعمل مهندسًا طيلة 20 عامًا.. أثناء إقامته بدمشق ربط الزّواري علاقات متينة مع حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) وانخرط في جناحها العسكري (كتائب عزّ الدين القسّام) الذي استفاد من مهاراته العلميّة في مجال الطّيران، حيث كان من ضمن القادة الّذين أشرفوا على تطوير وتصنيع طائرات (الأبابيل) القسّامية التي استخدمتها حماس في حرب (العصف المأكول) على غزّة سنة 2014، كما  أشرف أيضًا على مشروع غوّاصة مسيّرة عن بعد..بعد الثّورة عاد محمّد الزّواري من منفاه إلى تونس سنة 2011 حيث اشتغل مديرًا فنيًّا في إحدى شركات الهندسة الميكانيكيّة ثمّ انخرط في الخطوط الجويّة التّونسية قبل أن يتولّى التّدريس في المدرسة الوطنيّة للمهندسين حيث سجّل للدّكتوراه برسالة تخرّج حول اختراع غوّاصة تعمل بنظام التحكّم عن بعد..وقد كان له أيضًا نشاط جمعيّاتي متعلّق باختصاصه : فقد كان عضوًا في نادي (علوم وقيادة) وأسّس (نادي الطّيران النّموذجي بصفاقس) وترأّسه وأشرف فيه على تدريب المبدعين الشّباب في مجال صناعة الطّائرات بدون طيّار، وكان قد صنع واحدة سنة 2015 وجرّبها بنجاح في منطقة سيدي منصور..

مطلوب “إسرائليّا”

هذه هي أهمّ ملامح سيرة البطل الشّهيد محمّد الزّواري: نفس إسلامي ـ كفاءة علميّة ـ تخصّص حسّاس ـ عُضويّة قسّامية ـ تاريخ نضالي ـ طموح أكاديمي ـ إشعاع عملي ميداني ـ خطر مستقبلي محتمل..وحسبك بهذا كلّه أن يجعل منه على رأس قائمة المطلوبين إسرائيليًّا وأن يكون قتله من باب (المحافظة على الأمن القومي اليهودي).. من هذا المنطلق تجشّم الموساد مشقّة التسلّل إلى تونس وترصّد الضحيّة في منطقة سكناه بضواحي مدينة صفاقس إلى أن أُتيحت لعناصره الفرصة الملائمة يوم 15/12/2016 فأمطروه بعشرين رصاصةً استقرّت ثمانية في جسده منها خمسة كانت قاتلة على مستوى القلب والرّأس.. هذه البشاعة وهذا الحقد والحرص على عدم ترك أيّ فرصة للضحيّة هو بلا منازع بصمة صهيونيّة صِرفة، وقد تبجّحت وسائل الإعلام الإسرائيلية بتلك الجريمة وبرّرتها بالدّور الخطير الذي لعبه الشّهيد في تطوير القدرات العسكريّة لحماس، حيث ثبت أنّه شارك في معسكرات الحركة بكلٍّ من سوريا ولبنان وكان كثير التردّد على تركيا، كما زار قطاع غزّة ثلاث مرّات عبر الأنفاق وقدّم للمقاومة معلومات مهمّة وأشرف على تطوير برنامج طائرات (أبابيل) حيث برزت قدراته الهندسيّة ونبوغه التّكنولوجي..وأوضح معلّق الشّؤون العسكريّة بالقناة العاشرة أن العمليّة كانت بمثابة الخطوة الاستباقيّة فإسرائيل كانت تخشى أن تتمكّن حماس من الاستعانة بالشّهيد الزّواري (في إنتاج طائرات انتحاريّة بدون طيّار قادرة على ضرب أهداف في عمق إسرائيل بأقلّ مخاطر على مقاتليها).. أمّا وزير الدّفاع “الإسرائيلي” (إفغيدور ليبرمان) فقد علّق بصفاقة وبنبرة تهكّميّة استفزازيّة (إنّ إسرائيل ستواصل الدّفاع عن مصالحها، وإنّ محمّد الزواري هو بالتّاكيد ليس شخصًا مسالمًا مرشّحًا لنيل جائزة نوبل للسّلام)..

منطق (الحشّاشين)

إلى جانب الدّوافع الذّاتية المتمثّلة في روح الشرّ والأذيّة المتأصّلة في بني إسرائيل بالفطرة، فإنّ لهذا السّلوك الإجرامي المغرق في الساديّة والاستهتار بالذّات البشريّة دوافع أخرى موضوعيّة متعلّقة بوضع كيان يهود الجيوسياسي والدّيموغرافي: فالشّعب اليهودي أقليّة هشّة مجبولة على الجبن والذلّة والمسكنة، محاطة ببحرٍ طامٍ من العرب والمسلمين يزخر بروح التّضحية والفداء والشّجاعة والشّهادة..وإسرائيل كيان ميكروسكوبي كسيح يكاد يخلو من مقوّمات الدّولة، مزروع في محيط إقليمي معادٍ له حدّ الشّطط متفوّق عليه عددًا وعتادًا وإمكاناتٍ ومقدّرات..

هذه الوضعيّة الانتحاريّة الميؤوس منها ـ لاسيما إزاء حرب بريّة تقليديّة ـ جعلت من كيان يهود يتشبّث بتلابيب العلم والتّكنولوجيا والميادين الحسّاسة: فالتدنّي الكمّي المادّي لليهود دفعهم إلى الحرص على التفوّق النّوعي التّكنولوجي لاسيما في الميادين العسكريّة..على هذا الأساس سعت إسرائيل إلى تدعيم قدراتها في ميدان الطّيران الحربي والبحريّة العسكريّة والسّلاحين الكيميائي والنّووي واحتكار تكنولوجياتهما في المنطقة ،كما اعتبرت أيّ مظهر من مظاهر النّبوغ الفردي للعرب والمسلمين (عملاً عدائيًّا ضدّها بالقوّة)، وأيّ مؤشّر على امتلاك التّكنولوجيا النّووية أو الكيماويّة وغيرها (عملاً عدائيًّا ضدّها بالفعل)، وكلتا الحالتين تقتضيان ضربات استباقيّة تحبط (نيّة التفوّق عليها).. من هذا المنطلق تعاملت إسرائيل مع المسلمين بمنطق (الحشّاشين) المتمثّل في استهداف الخلايا النّوعية في جسد المجتمع تمهيدًا لشلّه بالكامل واعتبرت ذلك (حقّا مكتسبا ودفاعا عن النفس): فاغتالت معظم علماء الذرّة المسلمين  وأجهضت برنامج العراق النّووي (قصف مفاعل تمّوز) وبرنامجها الكيمياوي، وتولّت بعد غزوها لبلاد الرّافدين تصفية العقول العراقيّة في جميع المجالات ،وفعلت نفس الشيء مع البرنامج النوويّ السّوري والمصريّ..كما حرصت على تصفية الكوادر الفلسطينيّين الّذين عملوا على مشروع الطّائرات بدون طيّار منذ سنة 2003 (نضال فتحي فرحات ـ أكرم فهمي نصّار ـ محمّد إسماعيل سَلمي ـ إياد فرج شلدان ـ مُفيد عَوَض البلّ ـ أيمن إبراهيم مهنّا)، وفي هذا الإطار بالذّات يتنزّل أيضًا استهداف مهندس الطّيران والغوّاصات الشّهيد محمّد الزّواري..

مواقف مخزية

إزاء هذه العربدة والبلطجة وهذا المنطق الإجرامي المافيوزي لم يكن الموقف الرّسمي التّونسي في مستوى الحدث: فتعاطي إعلام العار كان باردًا ورتيبًا بحيث أهمل الخبر في البداية أو ساقه على استحياء كأنّه مجرّد جريمة حقّ عام دون أن يُوجّه الاتّهام لأيّ طرف، ثمّ وبعد تبنّي كتائب القسّام للشّهيد أُجبِر على الاهتمام به وقد فاحت رائحته وانكشف عُواره وأصبح مستهلكًا في جميع الفضائيّات..أمّا مواقف الحكومة فقد كانت روتينيّة ومخزية ولا تعكس بالمرّة دولةً ذات سيادة وقع التعدّي على أرضها وإعدام فردٍ من شعبها في عقر دارها: تحقيقات عقيمة أفصحت عن معلومات استهلاكيّة لا تسمن ولا تغني من جوع أفضت إلى إيقاف ثلاثة مشتبه بهم لا علاقة لهم بالعمليّة..تقديم أكباش فداء لحفظ ماء الوجه (عزل والي صفاقس ومدير إقليم الأمن الوطني بالولاية ورئيس منطقة الأمن بصفاقس الجنوبيّة)..تحرّك فلكلوري على مستوى مجلس نوّاب الشّعب (إدانة للعمليّة ومطالبة بعرض مشروع قانون تجريم التّطبيع ودعوة لتنظيم جلسة مع رئيس الحكومة ووزيري الدّاخلية والدّفاع ذهبت أدراج الرّياح)..تصريحات صفراء مغرقة في التحفّظ والتّكتم والعموميّات من طرف رأسي السّلطة: ففيما وسائل الإعلام الإسرائيليّة والمسؤولون الصّهاينة يتبجّحون بالعمليّة ويتباهون بها أصرّ رئيس الحكومة يوسف الشّاهد على (اعتماد الوسائل القانونيّة ومراعاة المواثيق الدّولية) في تتبّع الجناة، بينما اكتفي الرّئيس السّبسي بالإشارة إلى أنّ (هناك شبهة بشأن تورّط إسرائيل في هذه العمليّة)..وتمخّض القطب القضائي لمكافحة الإرهاب ليلد بعد سنة من تولّيه القضيّة فأرًا: فقد ادّعى التعرّف على جنسيّة اثنين من منفّذي عمليّة الاغتيال (دون أن يذكرهما..؟؟) وأصدر بطاقتي جلب دوليّتين في حقّهما (وطاح الكاف على ظلّو)..

أمّا عن موقف حركة النّهضة من اغتيال أحد أعضائها ومناضليها فقد كان مغرقًا في الخزي والعار والنّفاق السياسي: إذ تبرّأ راشد الغنّوشي من الشّهيد ونفى أن يكون منخرطًا في حزبه بتعلّة أنّه (جزء من استراتيجيّة أخرى ولو استشاره لمنَعه من التّوجه إلى العمل المسلّح) هذا فضلا عن وقوف الحركة ضدّ تمرير مشروع قانون تجريم التطبيع..

غرفة الإعدام

هل يمكن لمثل هذه الجريمة السياسية أن تحدث في دولة تتمتّع بالحدّ الأدنى من السّيادة على أرضها وقرارها..؟؟ جهاز مخابرات مُعادٍ يعمل طيلة سنة ونصف فيسرّب أشخاصًا بجوازات سفر مزوّرة ويؤسّس شركات وهميّة ويجنّد عملاء ويستأجر شققًا وسيّارات ويُدخل أسلحة ويترصّد الضحيّة ويتتبّع حركاته وسكناته ويجمع حوله المعلومات ثمّ يغتاله رميًا بالرّصاص أمام بيته ويعود أدراجه إلى إسرائيل (فرحًا مسرورًا)..لا يمكن أن يحدث هذا السّيناريو إلاّ بتواطؤ وتسهيل وإشراف وتنسيق مع السّلط المحليّة..لقد كانت تونس منذ مسرحيّة الاستقلال بمثابة (غرفة الإعدام) ومسرح التّصفية الجسديّة الآمن للموساد الإسرائيلي يستدرج إليه الضّحايا التي استعصت عليه خارجه: انطلق ذلك مع بورقيبة (عمليّة حمّام الشّط) وتواصل مع بن علي (تصفية أبو جهاد) وها هو يتكرّر مع حكومات ما بعد الثّورة ناهيك وأنّ إحدى المشاركات في عمليّة الاغتيال قد زارت تونس مؤخّرا في حماية أطراف سياسيّة ونيابيّة (؟؟؟).. لقد تنقّل محمّد الزّواري بين عدّة دول تُصنّف خطيرة أمنيًّا (ليبيا ـ السّودان ـ سوريا..) وعمل في الضفّة وغزّة أثناء عدوان 2014 ولكنّ الموساد وجيش الدفاع الإسرائيلي (تساحال) عجزا عن اقتناصه ولم يتحقّق ذلك إلاّ على الأرض التّونسية أمام بيت الضحيّة وبين أهله وذويه، فهل من حلّ لهذه (الفزّورة)..؟؟

أبو ذرّ التونسيّ (بسّام فرحات)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
مبادرة اتحاد الشغل للحوار.. وراء الأكمة ما وراءها

منذ أن تأسس في سنة 1946 وإلى غاية اليوم يسعى الاتحاد العام التونسي للشغل إلى كسب مكانة مميزة عند عموم...

Close