في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟

في تونس … أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟

أين الحكومة؟ 

هكذا تساءل “حمّادي الجبالي” بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية، في مشهد ينطوي على مفارقة عجيبة يلخّص المهزلة التي تعيشها بلادنا. ثمّ تكرّر السؤال ذاته على لسان المنصف المرزوقي يوم كان رئيسا للدولة حين اعترضته عجوز فقيرة بائسة، فتساءل عن الحكومة والدّولة ثمّ وعد العجوز ومضى … لأنّ النّظام الدّيمقراطي لا يمكّنه من حلّ مشكل بسيط. ومازال هذا السؤال متكرّرا قائما.. يحتدّ مع مرور السنوات وتصاعد الاحتجاجات. وما زال النّظام الدّيمقراطي يمنع الحاكم من العدل ومن حلّ الأزمات حتّى البسيط منها. 

رئيس الدّولة، وهو الرأس الأوّل للسلطة التنفيذيّة، بعد أن اشتدّت الأزمة وتصاعدت الاحتجاجات التي رافقها أعمال تخريب ممنهج في مناطق كثيرة من البلاد تحرّك يوم الاثنين 18 جانفي 2021:

  • استقبل بقصر قرطاج رحمة سعيد إحدى الدكاترة الباحثين المعطلين عن العمل.

فكيف تعامل الرئيس مع مشكلة أكثر من 5 آلاف من حاملي شهادة الدّكتوراه؟ وما هي القرارات التي اتّخذها ليحلّ المشكل أو يخفّف من حدّتها على الأقلّ؟ 

  • أكد الرئيس الدولة ضرورة إصلاح منظومة التعليم، مذكّرا بتقديمه منذ سنة 2012 مقترحا للمجلس الوطني التأسيسي يتعلق بإحداث مجلس أعلى للتربية والتعليم.

  • ثمّ قال أنّه سيتم عقد جلسة مع ثلة من الدكاترة المعطلين عن العمل وسيتولى المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية بلورة مقترحاتهم لعرضها لاحقا على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

فأين هي القرارات؟ أين الرئيس؟

  • وفي نفس اليوم، تحوّل “الرئيس” قيس سعيّد إلى حي الرفاهة بالمنيهلة فوقف أمام مقر معتمدية المنيهلة يدعوا الشباب التونسي إلى الاحتجاج السلمي وألا يتعرضوا لأي كان لا في ذاته ولا في عرضه ولا في ممتلكاته. وأن يتنبّهوا إلى “من يسعى بكل الطرق إلى توظيفهم والمتاجرة بفقرهم وبؤسهم…”. 

فما هي القرارات التي اتّخذها رئيس الدّولة؟ والجواب لا شيء سوى خطاب هزيل فارغ من كلّ محتوى. 

رئيس الحكومة، وهو الرأس الثاني في السلطة التنفيذيّة التي أنتجتها الدّيمقراطيّة، يوم 19 جانفي 2021 خطب هو أيضا (ولكن من وراء مكتبه في القصبة) في شباب تونس ليحدّثهم عن واقعيّة الحكومة التي ستتعامل معهم كقوة اقتراح للحلول، ويحدّثهم عن ذكائهم الذي يفوق ذكاء “الأجيال التي سبقتهم”، ثمّ وعدهم (كالعادة) أن تكون الحكومة “مرافقا للشباب في تحقيق طموحاتهم وأحلامهم في وطن يطيب فيه العيش”. ولم ينس أن يكرّر ما قاله الرئيس إلى شباب تونس فدعا الشباب المحتجّين إلى أن لا يسمحوا بأن تتسلّل إلى احتجاجاتهم مجموعات المخرّبين والفوضويين…”

أين هي القرارات العاجلة الفعالة؟ أين الحكومة؟ 

الجواب: خطب جوفاء فارغة: وعود لا أفق لها، ودعوة إلى الاحتجاج ومزيد الاحتجاج لكن دون عنف أو فوضى، هكذا تكلّم رأسا السلطة التنفيذيّة، فكان خلاصة الكلام أيّها الشّباب أنتم فقراء أنتم معطّلون … احتجّوا وتظاهروا في النّهار لا في الليل ولا تخرّبوا. 

سلطة تنفيذيّة؟؟؟ 

ماذا ستنفّذ؟ أو قل ماذا لها لأهل تونس لشبابها المعطّلين، لشيوخها العاجزين، لفقرائها المهملين… لتلاميذها المضيّعين، لحملة الشهائد المعتصمين لمرضاها التائهين بين مستشفيات مدمّرة ومصحّات تتاجر في آلامهم؟  

     السلطة التنفيذيّة هي إحدى أركان الديمقراطيّة، تنفّذ ما يسنّه البرلمان من قوانين، والبرلمان مجموعة من الأشخاص وصلت إلى مناصبها عبر الانتخابات الدّيمقراطيّة التي موّلها أصحاب المال والنّفوذ. فكان من الطّبيعيّ أن يكون قرار البرلمان مرتهن بقرار المموّلين والمانحين (وهذه هي حقيقة الدّيمقراطيّة) ولذلك لا يسنّ البرلمان التشريعات إلا لخدمة مصالح الأقوياء، وليس للضعفاء في أجندة البرلمان إلا هامش ضيّق، (هذا في الأحوال العاديّة) أمّا في الأزمات فينتفي هذا الهامش. ولا تجد السّلطة التنفيذيّة ما تنفّذه لصالح النّاس، إذ كلّ مشاغلها تنفيذ برامج المانحين والمموّلين.

 هكذا تضيّع الدّيمقراطيّة الأغلبيّة لصالح الأقلّيّة من حيتان المال. 

وفي تونس وأمثالها من الكيانات الهزيلة، فالأزمة مركّبة، إذ المموّل والمانح أجنبيّ مستعمر، خضع له الوسط السّياسيّ وجعل له الكلمة العليا في تقرير مصير البلاد، فالتشريعات “دستور وقوانين” وبرامج سياسيّة وسياسات اقتصاديّة كان بإشراف مباشر من الدّول الأوروبيّة وبخاصّة بريطانيا ومن صندوق النّقد الدولي والبنك العالمي…. 

فأين البرلمان؟ البرلمان منشغل في ترجمة السياسات الاستعماريّة إلى قوانين.

وأين السلطة التنفيذيّة؟ السلطة التنفيذيّة تنتظر لتنفّذ تلك المشاريع التي تؤمّن مصالح المستعمر. وفي فترة الانتظار تعمل على امتصاص غضب المحتجّين الثّائرين وتسايرهم وتمنّيهم وتعدهم…..

وأين الشّعب؟ الشّعب مضيّع مهمل لا مكان له في الدّيمقراطيّة التي تزعم أنّ السيادة له، والحقيقة أنّها تسلبه كلّ إرادة أو سلطان بالمكر والخداع، يُدعى الشّعب إلى مسرحيّة انتخابيّة تديرها القوى المتحكّمة من وراء ستار، حيث تُسلب الأصوات بالوعود الزائفة والآمال الوهميّة أو بشراء الذّمم …. (ودلّونا على ديمقراطيّة في العالم لا تُشترى بالمال).

الإسلام رحمة للعالمين

 في نظام الإسلام لا مجال لسؤال أين الحكومة؟ أو أين البرلمان؟ فقد قام الحكم في الإسلام على أساس الرّعاية، وليس على أساس أموال المانحين أو المناورة والخداع للوصول إلى المناصب، فالرّسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: “كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيّته…” وهذه الرّعاية جعلها الله في رقبة خليفة يُبايعه النّاس ليطبّق فيهم شرع ربّهم ويرعاهم به، وليس له أن يصدر أمرا عن هوى أو اتّباعا لمصلحة، يقول الله سبحانه وتعالى آمرا حكّام المسلمين:“وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)” [المائدة]

فأحكام الإسلام في دولة الخلافة كلّها من كتاب الله ومن سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم الثابتة أي هي من الوحي الذي أنزله العليم الخبير رحمة بالإنسان، ولم يُترك التّشريعُ للإنسان، فلا يجوز في الإسلام (كما تفعل الديمقراطيّة) بأن يضع بضعة نفر قوانين تسير عليها الأغلبيّة، فلم يترك الإسلام بذلك مجالا لأن يستعبد الأقوياء الضّعفاء بل هي أحكام الله البيّنة الواضحة تُطبّق على الجميع فقيرهم وغنيّهم وضعيفهم وقويّهم ولأجل ذلك قال أبو بكر الصّدّيق في أوّل خطبة خطبها بعد أن خلف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ” الضعيف فيكم قويّ عندي حتّى آخذ له حقّه والقويّ فيكم ضعيف عندي حتّى آخذ منه الحقّ”. فلم يقف أبو بكر الصدّيق عاجزا أمام مانعي الزّكاة، ولا خطب عمر ابن الخطّاب في الناس الجائعين يمنّيهم إنّما أمّن لهم الطّعام وأطعمهم بيده وأقسم أن لا يذوق الطّعام حتّى يشبع أطفال المسلمين. وهذا على النّقيض من الديمقراطية التي جعلت السيادة لمجموعةٍ صغيرة من النّاس أعطتهم صلاحية سنّ القوانين وفقاً لأهوائهم ورغباتهم، فكان القانون عندهم لا يحمي المغفّلين والضعفاء بل هو يحمي فقط واضعيه، ويؤمّن مصالح الشركات والبنوك.

و“الخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في السلطان وفي تنفيذ الشرع”، فليس الخليفة مطلق اليد يحكم كيف يشاء هو (كما في الأنظمة الدّكتاتوريّة) أو حسب أهواء أصحاب المال والنّفوذ (كما في النّظام الديمقراطيّ)، إنّما هو مسؤول أمام الله وأمام النّاس، وقد جعل الله سبحانه وتعالى محاسبة الخليفة أو أيّ مسؤول في الدّولة فرضا على المسلمين “ولم يجعلهم بالخيار، إن شاؤوا حاسبوا وإن شاؤوا كفّوا”، يحاسبونه بالإسلام لا حسب أهوائهم ومصالحهم فرادى أو أحزاباً أو عن طريق مجلس الشّورى، ولم يجعل المحاسبة حرّيّة في الكلام والاحتجاج والصّخب وإنّما جعل لها كيفيّة واضحة معلومة فعّالة هي محكمة المظالم يقول الله سبحانه وتعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “. 

والخلاصة أنّ نظام الإسلام كما أنزله الله على رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم هو الذي يشمل الجميع بالرعاية الكريمة، وفي نظام الإسلام وحده يمكن للحاكم أن يحكم فلا يظلّ عاجزا أمام الأزمات لأنّ الله سبحانه وتعالى شرع له أحكاما عادلة وأعطاه كلّ الصّلاحيّات لتنفيذها عاجلا غير آجل. 

هكذا تحلّ الأزمات وتدار الأمور لتضمن الرعاية والكفاية والعدل.

أ, محمد الناصر شويخة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
السفير البريطاني في تونس يتصرّف كمندوب سام وحاكم فعليّ للبلاد
السفير البريطاني في تونس يتصرّف كمندوب سام وحاكم فعليّ للبلاد

الخبر: في الصفحة الرسميّة للسفارة البريطانيّة بتونس ورد الخبر التّالي بتاريخ 15/جانفي/2021 British Embassy Tunis التقى السفير إدوارد أوكدن بمجموعة...

Close