الباجي ينسف وهم الاستقلال

في خطاب رسمي: الباجي ينسف وهم الاستقلال

            في خضم سعيه لإقناع من بيدهم الأمر أن يعطوه فرصة إعادة التجربة بقضاء فترة ثانية بقصر قرطاج واستبداله استدعاء ” شاهد العقل ” برجاء إعادة ” الشاهد ” إليه جرّه الحلم إلى كشف ما عملت الآلة الرسمية، طيلة ثلاثة وستين سنة، على تغطية زيف ما يعنيه تاريخ 20 مارس 1956 في أذهان عموم الناس أو ما تعنيه تلك الوثيقة التي طالما تشوّف لها الناس وتكتم عليها المتسلطون المتعاقبون على البلاد، فاعترف رأس الدولة، الباجي قائد السبسي، أن إمضاء هذه الوثيقة أو التصريح بذلك الإعلان لم يكن في الحقيقة استقلالا فعليا في ظل ماعدّده من أحداث جرتها فرنسا المستعمرة على تونس والتونسيين ولا الأوضاع التي فرضت علينا حين قال حرفيا ” يوم 20 مارس الجيش الفرانساوي كان موجود في كامل الجمهورية التونسية أو الإيالة التونسية، والقضاة الفرنسيين كانوا منتشرين والأمن والجندرمة والجيش كاموا منتشرين… ما ثماش دولة مستقلة والوضع على هذا الحال…في ذلك الوقت الكولونيل ” مولو ” قال: ” الولايات الثلاثة بتاعي “.

      إذا كان هذا اعتراف رأس النظام وذاك ما استدل به على صحة رأيه ودقة تشخيصه ليخلص أن الجهود التي بذلت وقد أسهم فيها بوصفه أحد أركان المنظومة الحاكمة،قد حققت الاستقلال الفعلي للبلاد وهو ما يريد أن يثنته بخطابه وأنه يرأس بلدا مستقلا، فإنه يحق لنا أن ندلل وبمثل ما احتج بهأن نثبت أن الإستقلال لا يزال في الحقيقة إلا وهما يخدع به الرسميون جمهور الناس.

    إذا كانت الوثيقة الممضاة من قبل رئيس حكومة الباي يومها السيد ” محمد الطاهر بن عمار ” من جهة ووزير خارجية فرنسا حينها ” كريستيان بينو ” قد ألغت وتجاوزت وثيقة الحماية الممضاة يوم 12 ماي 1881 ، فهل يعني ذلك أن البلد تجاوز كل ما ترتب عنها؟ فالجواب قطعا لا… والدليل ما صرح به رئيس الدولة.

   ولنا هنا أن نطرح بعض النقاط لعلها تكشف الحقيقة أكثر وتزيل بعض الوهم الذي يريد الجانب الرسمي أن يسبغه على هذه المسألة الخطرة والحيوية على وعي الناس.

      ــ ما مصير الاتفاق الذي أبرمته السلطة الاستعمارية، بتاريخ 21 ديسمبر 1948، وأي معنى للاستقلال في هذا السياق، والذي منحت بموجبه كلّا من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية حق امتياز التنقيب على البترول على مساحة 70.000 كم مربع لكلّ جانب،(الملفات السرية لشمال إفريقيا ص 56، للمؤرخ الفرنسي بيار فونتان) وهو الثمن الذي دفعته فرنسا لأولياء تحريرها من الاحتلال الألماني مما حدا بالكاتب أن يخلص إلى  القول: أننا أمام أكبر عملية سطو سياسية ـ اقتصادية لما بعد الحرب والتي كلفت فرنسا التخلي عن شمال افريقيا؟

    ــ ما مصير المرسوم الممضى من قبل محمد الأمين باي والمقيم العام الفرنسي في تونس جان مونس بتاريخ 06 أكتوبر 1949، وأيّ معنى للاستقلال في هذا السياق، والذّي منح امتياز استغلال الملح لشركة ” كوتيزال ”  بمعلوم رمزيّ يستمرّ إلى يوم الناس هذا، تحت مسمى السيادة الوطنيّة وفي ظلّ الارتباطات السياسيّة لحكومات ما بعد ” الاستقلال “؟

     ــ هل في سياق الاستقلال ووارده تتزيّى شركة “بريتش غاز” بعباءة شركة ” شال ” سنة 2015 بعد أن اشترت كل أصولها من أهم الشركات العاملة في تونس في مجال النفط والغاز لتكون أكبر منتج للغاز فى بلادنا موفرة قرابة 60 بالمائة من إنتاج الغاز المحلى للاستعمال المنزلي؟ هل لابد من الإشارة إلى مسخرة حقل ميسكار وإخوانه؟ أم لابد من الحديث عن شركة بيتروفاك وحيازتها بصفة غير شرعيّة لحقل الغاز “شرقي”؟

    ــ أم هل أن ما يهيأ في الغرف المظلمة للشركة البريطانية “تو- نور”  من أجل منحها امتياز بناء أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم على مساحة لا تقل عن 25 ألف هكتار في منطقة رجيم معتوق الصحراوية،  لتزويد كل من مالطا وإيطاليا وفرنسا بالكهرباء المنتجة في تونس يندرج أيضا في سياق الحفاظ على هذا الاستقلال؟

       ــ  هل أن إعطاء منظمة “أكتيس إستراتيجي” البريطانية والتي يديرها خبير الأمن الدولي ومستشار وزارة الخارجية البريطانية ” أندرو راثميل” صلاحية الإشراف على هيكلة مصالح رئاسة الحكومة في بلادنا ومصالح وزارة الداخلية، كوضع الخطط الإستراتيجية ورسم السياسات المحلية وتحديد العقيدة الأمنية ،هو أيضا من مقومات السيادة الوطنية ودليل على حقيقة استقلال البلاد؟

    ــ وهل أن إعلان نائب السفيرة البريطانية في تونس وهو يدشن مركزا لأمن ” الجوار ” في خزامة بسوسة، بعد أن دشنت السفيرة مركزا آخر في بنزرت، عن سعادته بمساهمة المملكة المتحدة بتجديد 15 مركزا لشرطة ” الجوار” في مختلف الولايات من بنزرت إلى بن قردان، مع تطميننا أن بلاده ستعمل مع شركائهم المحليين لدعم القطاع الأمني في تونس هو أيضا من مقومات السيادة الوطنية ودليل على حقيقة استقلال البلاد؟

   هل أن خواطر الباجي قائد السبسي عن تاريخ 20 مارس 1956 ووثائقه هي صحوة ضمير، أم يندرج ضمن القتال إلى آخر جندي فرنسي، في ظل تقديم أوراق الاعتماد لشغل كرسي قرطاج للمدة الرئاسية القادمة خاصة ونحن ندرك حجم الغيظ الذي اعتصر يوما ما ” المؤرخ بيار فونتان” وهو يجلد الساسة الفرنسيين حين قال في كتابه المذكور أعلاه  وبالصفحة 93 ” أمام الضغط الأمريكي السوفياتي، نعتقد أن فرنسا موظفة للدفاع عن المصالح البريطانية في شمال إفريقيا..

عبد الرؤوف العامري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الحلال والحرام, عقيدة سياسية ومقياس أعمال ووجهة نظر في الحياة
حدّث أبو ذرّ التونسي قال: لعلّ من أبرز مؤشّرات الهزيمة السياسية ومركّب النّقص الحضاري الذي يعاني منه غالبيّة المسلمين ـ نُخَبًا وساسةَ وعوامّ ـ ه...
حزب التحرير في تونس: مواصلة الحجب والحظر يكشف زيف الديمقراطية
خبر صحفي مواصلة الحجب والحظر تكشف زيف الديمقراطية مرة أخرى، تتعسف إدارة موقع الفيسبوك بحجب صفحة حزب التحرير/ ولاية تونس ضمن الحملة العالمية الش...
ندوة حول الأزمة الإقتصادية بتونس، أي مسؤولية للحكومة؟
انعقدت بنزل أفريكا بالعاصمة تونس يوم 5 أوت 2019 ندوة تحت عنوان: الأزمة الإقتصادية بتونس أي مسؤولية للحكومة، حيث أطلق من خلالها الخبراء المحاضرون ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في الانتخابات… 1/2

حدّث أبو ذرّ التونسيّ قال: ونحن على مشارف الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة (أكتوبر/نوفمبر 2019) طفا على السطح مجدّدا ذاك التساؤل التقليديّ (هل...

Close