في ذكرى الثورة من سيدي بوزيد: عشر عجاف يتبعهن غيث نافع إن شاء الله

في ذكرى الثورة من سيدي بوزيد: عشر عجاف يتبعهن غيث نافع إن شاء الله

حلّت علينا الذكرى العاشرة للثورة التي اندلعت شرارتها من سيدي بوزيد ذات 17 ديسمبر 2010 وما أشبه اليوم بالأمس في تفاصيل التفاصيل: ضيق الحال، ضنك العيش، بؤس، شقاء، فقر، تهميش، محسوبية، ظلم، فساد، نهب، سرقة،…إلخ، والمشهد يتكرر والعجلة تدور لتطحن المطحون من أهل هذا البلد المكلوم.

ليس الذي مر بأفضل من اللاحق ولا اللاحق بأفضل من المار بل كله ضنك بمذاق الرأسمالية العلمانية الديمقراطية، والكل من أهل البلد مكتو بنيرانها المتأججة والمستعرة التي لا تخمد أبدا لأن الفساد يذكيها ويزيدها التهابا، فالطغمة الحاكمة والطغمة المشرعة والطغمة الحامية والطغمة الآمرة الناهية من وراء البحار يقفون صفا مرصوصا يسند بعضهم بعضا وينفخون في نار الظلم والفساد حتى لا تنطفأ جذوتها فيفقدوا دفأها على مصالحهم ومنافعهم.

17 ديسمبر 2020:

وشح المشرفون على “المهرجان الدولي” ساحة الإحتفال بالأعلام واللافتات ومنصة للغناء والرقص بأبواقها الضخمة استعدادا لاستقبال روادها من أهل الفن، بعد أن تلقوا ميزانية ضخمة من سلط الإشراف إمعانا في جعل هذه المناسبة مناسبة للطرب والفلكلور وصرف الناس عن جادة أمرهم ومصائبهم التي لا تتوقف ومعيشتهم السيئة فتجعلهم يرقصون عوض يبكون ويخمدون عوض ينتفضون.

وأثثت الدولة الراعية للرقص والغناء كل ذلك بترسانة رهيبة من الأمن ليؤمنوا تلك الفعاليات التي لا يرغب فيها أحد لذلك كان استدعاء الأمن ضرورة خوفا من رفض الناس لهز أبدانهم على أنغام موسيقى تقض مضاجعهم ولا حاجة لهم بها ولعله من باب الرعاية الحقيقية لو وجهت تلك الأموال المهدورة على إشباع جوعات الناس وسد رمق الفقراء وما أكثرهم، لكان أفضل، لكن هيهات, فكيف للفاسد أن يرعى صلاحا؟

حزب التحرير وفعالياته في ذكرى الثورة:

كعادته، لم يتغيب حزب التحرير عن مواكبة كل ذكرى وظل متواجدا طوال التسع سنوات الماضية حتى ألفه الناس وألف أهله وبات رقما صعبا يحسب له كل حساب ويخشاه كل من في الحكم لوضوح الرؤية لديه وكشفه أحابيل الإستعمار وكل من يدور في فلكه من الوسط السياسي المتعفن، لذلك كانت السلطة لا تدخر جهدا في التصدي للحزب وعرقلة أنشطته والحيلولة بينه وبين الناس ووسيلتها في ذلك إحكام القبضة الأمنية وتصيد شباب الحزب حتى بات معروفا أن هذه الترسانة الأمنية ما هي إلا لمواجهة حزب التحرير فقط.

هذه السنة وكسابقاتها التجأت السلطة إلى بث أعوان أمن بزي مدني حول مقر الحزب ومراقبة الداخل والخارج ثم تتبع الشباب علها تمنع وصولهم إلى ساحة الإحتفال, وبالفعل فقد قامت بما يشبه الإختطاف وقامت بإيقاف شابين حال خروجهما من المقر دون جرم واحتجزتهما عندها كامل اليوم والليلة.

ومع كل هذا فقد كان وجود الحزب بين أهله في سيدي بوزيد وجودا لافتا وكعادته نشط الحزب ولفت الأنظار إليه, ولعل الناس بطبعها كانت بانتظاره لتعودها به ونشاطاته الرائعة، فما كان الحزب يوما مشاركا في لعبة الاحتفالات والرقص والغناء كما يفعل كل الطيف السياسي بلا استثناء, بل كان رائدا حاملا هموم أمته ساعيا للخلاص من هذه الجوائح، جوائح النظام والحكام والإستعمار بغية إقامة مشروعه الحضاري بمعية أمته خلافة على منهاج النبوة.

وفي هذا السياق كانت للحزب وقفة رفع فيها شعارات لافتة للأنظار والعقول وكلمات ألقاها شبابه بين الجموع التي وقفت للإنصات بانتباه وظهر بالكاشف أن الحزب متفرد في كل شيء ويغرد خارج السرب، سرب اللصوص والعملاء، وأنه يرسم الخط المستقيم حذو الخطوط المعوجة ليستبين الناس مسارهم وأي طريق يسلكون.

حالة الإحتقان والغضب منذرة ببركان هادر سينفجر:

ما لاحظناه من احتقان عند الناس في سيدي بوزيد هو ترجمة للحالة العامة التي يحياها كل شعب تونس ولا أدل على ذلك من التظاهرات والإحتجاجات والإعتصامات وغلق الطرقات ومنع الشركات من نهب الثروات… في جميع مدن البلاد. فتردي أحوال البلاد والعباد على جميع المستويات مع ما يعانيه الناس من فقر وتهميش وغلاء للأسعار وارتفاع لنسب البطالة والضرائب وكثرة الجريمة والتي هي كلها نتيجة طبيعية وحتمية لخيارات سار فيها الحكام من مثل رهن البلاد لصناديق النقد الدولي والبنك الدولي وحكم السفارات مما أدى إلى ارتفاع نسبة الدين العام (101 ألف مليون دينار أي 88 بالمئة من الناتج المحلي) وكذلك ارتفاع نسبة الدين الخارجي (125 ألف مليون دينار أي 110 بالمئة من الناتج المحلي الخام) فضلا عن تهاوي قيمة الدينار أمام بقية العملات بعد تخلي البنك المركزي عن واجباته استجابة للشروط الغربية وزيادة عجز الميزان التجاري… كل هذه الكوارث التي جلبها الحكام بسيرهم في ركاب الإستعمار ولدت حالة من الإحتقان لدى الطبقة المكتوية بنيران السياسات العقيمة لحكم الصبيان، والحالة شبيهة بالمرجل الذي تحته نار وفوهته مغلقة، وكلما زاد لهيب النار كلما زاد الغليان وكثرت حركة المرجل فزاد الضغط ليصل إلى حالته القصوى وهي الإنفجار العام، كذلك هي الحالة، فالبلاد على صفيح ساخن والبركان على أهبة الإنفجار ليرمي بحممه في كل اتجاه وقريبا جدا سيضع الشعب نهاية لكل المآسي ويوقف نزيف الخسة والعمالة والارتباط بالأجنبي ويعود إلى معينه الصافي الإسلام العظيم بعد أن جرب واكتوى بنيران الديمقراطية والعلمانية والرأسمالية.

القيادة والأمة والقوة:

طالما حزب التحرير بين ظهراني أمته وقد خبرته طويلا ونال ثقتها فهو جدير بقيادة هذه الأمة العظيمة والسير بها نحو الهدف والغاية التي لن تحصل إلا بإسناد أهل القوة والمنعة وانحيازهم لمبدأ الإسلام.

ثلاثي الحزب والأمة وأهل القوة كفيل ببدء عهد جديد تكون فيه لدولة الإسلام، الخلافة الراشدة الثانية، شوكة وصولة وجولة تطهر الأرض بعد فساد وتنشر العدل بعد ظلم وتنير العالم بعد ظلام: ذاك هو الغيث النافع.

 قال تعالى: “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَ

لَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”

علي السعيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
المؤرخ عبد الجليل التميمي: بعض أساتذة التاريخ بالجامعة التونسية مضلّلون ومتعاطفون مع الدعاية الغربية

الخبر: قال المؤرخ عبد الجليل التميمي إنّ بعض أساتذة التاريخ في الجامعة التونسية يمارسون التضليل المنهجي ويشوّهون الثورة التونسية. وندّد...

Close