قيس سعيّد… من شَابَهَ سَابِقِيه  فقد ظلم

قيس سعيّد… من شَابَهَ سَابِقِيه فقد ظلم

تعمل الدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا بدأب متواصل على فرض السيطرة السياسية على بلادنا والمحافظة الدائمة على هذه السيطرة وما يتبعها من الهيمنة وبسط النفوذ وذلك بشتى الأساليب والوسائل الاستعمارية التي لا تخفى على ذي عينين، كما تدرك هذه الدول الاستعمارية ما للوسط السياسي من أهمية كبرى في تحقيق أهدافها وغاياتها، لذلك تحيل هذا الوسط السياسي بما فيه من حكام وسياسيين إلى مسرح للصراع  فيما بينها وتتولى الأجهزة الدبلوماسية لهذه الدول وسفاراتها في بلادنا وشركاتها العابرة للقارات المقيمة على أرضنا من مثل “بريتش غاز” و”طوطال” و”شال” والمنظمات الدولية المرتبطة بهذه الدول من مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير تنفيذ هذه المهمة بشكل مكشوف في حين تتخفى وراء ذلك أجهزة الاستخبارات والاتصالات الدبلوماسية غير المعلنة مما جعل هذا الوسط السياسي اليوم في حال ووضع تشمئز منه الأنفس الكريمة والطباع السليمة.

في تونس الكلّ يعلم ما آلت إليه بلادنا من ارتهان، وما وصل إليه حال المسؤولين عن تسيير هذا البلد من خنوع وتذلل وامتثال للكافر المستعمر، والكلّ يرى ملئ السمع والبصر كيف أصبحت التبعية مفخرة عند هؤلاء، تمارس جهارا نهارا، تصريحا لا تلميحا.

الأصل أنّ السياسة وما يتفرّع عنها من  الانتخابات كإحدى الآليات للبحث عن الأكفأ والأجدر لخدمة النّاس… لكن السياسة والانتخابات في بلادنا هي مجرّد مطايا للوصول إلى السلطة.. وفي مواقع السلطة تحدث القطيعة مع شواغل الشعب ومشاكله ويلتفت القوم إلى تحصين كراسيهم ومواقعهم وإلى تحصين غنائمهم وتأمين أسباب الاستمرار في السلطة وفي خدمة أجندات الدول الاستعمارية الكبرى وهذه حال الدول التابعة وهي الدول الذليلة التي لا تقوى على حماية شرايين حياتها بنفسها لا داخليا ولا خارجيا إلا بإملاءات وتحكم خارجي من دول أخرى، ولذلك سميت دولاً تابعة أو عميلة أو فاشلة أو وكالات وشركات للدول المسيطرة عليها. فجيشها متحكَّم به ودستورها مفصل ليخدم مصالح الدول المتحكمة بها. وثرواتها نهب وبواباتها ومطاراتها ومعابرها مشرعة للدولة التي تتحكم بها وتستعملها، وهذا حال تونس وجملة الدول القائمة في البلاد الإسلامية.

هذا هو الأصل وهذه هي الخطوط العريضة والمستقرّة للمضامين السياسية التي تفصّل العلاقة بين السيد والتابع ولا يغرّنا رفض قيس سعيد “التدخل الأجنبي” بعد انتقادات دولية أعقبت مسعى لحل المجلس الأعلى للقضاء في البلاد، فيما يعتزم الإعلان عن هيئة وقتية لحين تنظيم المسائل المرتبطة بقانونه الجديد. وتساءل عن سبب “قلق” الغرب إبان إعلانه حل المجلس الأعلى للقضاء، وأنّ بعض العواصم والمنظمات أبدت أو ساورها القلق على حل المجلس الأعلى للقضاء, وأتساءل لماذا لم يساورها نفس القلق عندما تم العبث بالملايين والمليارات التي ذهبت سدى”. وأضاف في مقطع فيديو بثته الرئاسة التونسية عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك “نحن يساورنا القلق من قلقهم لأننا دولة ذات سيادة نعرف التوازنات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية أكثر مما يعرفونها وصادقنا عليها وملتزمون بفكرة الحرية والديمقراطية والعدالة” لا يغرّنا مثل هذه التصريحات الجوفاء فهي جعجعة بلا طحين ولأنّ السياسة الحقيقيّة وصل الأقوال بالأعمال لا مجرّد أقوال تكذّبها الأعمال. قيس سعيّد ومنذ 25 جويلية وهو يزعم أن سيصحّح مسار الثّورة، ولكنّه وبعد مرور 7 أشهر لم يزد البلاد إلا غرقا، فمن المسؤول؟

والقارئ لبيان سفراء المملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وفرنسا وكندا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي لدى تونس ليرى بوضوح أنّه علامة على وصاية غربيّة استعماريّة على تونس، جاء في نبرة تهديديّة واضحة تشترط التبعيّة المطلقة لإرادتها. والحصيلة المؤلمة أنّ الطّرفين -الرئيس ومعارضوه- اتفقوا ضمنيا على في جعل تونس تحت الوصاية، وأدّى الصّراع بينهم إلى ترسيخ نفوذ الغرب في تونس عندما تنازع الطرفان على موضوع حلّ المجلس الأعلى للقضاء ولكنّهم اتفقوا جميعها أنّ علاج الأوضاع في تونس يمرّ عبر مزيد من الارتهان والارتماء للصناديق المالية الدولية أي خدمة الأجندة السياسية للدول الاستعمارية فالمنظومة التي يتّبعها الفريقان المتشاكسان (الرّئيس ومعارضوه) منظومة تبعيّة وخراب.

وهكذا فإنّ حكام تونس الجدد مازالوا على سياسات نظرائهم القديمة في استمراء الخضوع للأوروبيين منذ عشرات السنين, وإن غبائهم السياسي وضعف قدراتهم الفكرية والقيادية إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد جراء سياساتهم الفاشلة كل هذا شجعهم على تسليم الوزارات السيادية دون حياء للاتحاد الأوروبي ليتولى إعادة ترتيبها تحت مسمى الإصلاح بما يتلاءم مع ضمان مصالحه في ظل المتغيرات السياسية التي تعصف بالمنطقة.

إن الدول الأوروبية الصليبية عبر تاريخها الطويل لم تكن تنظر إلى شمال أفريقيا سوى نظرة المستعمر إلى العبيد وإن سعي الأوروبيين نحو تعزيز مصالحهم وبسط نفوذهم هو أمر غير مستغرب من دول لا تخفي طبيعتها الاستعمارية منذ قرون, ولكن الأمر الغريب والمحيّر هو قبول حكام تونس بالتدخل المهين للدول الاستعمارية الأوروبية في شؤوننا الداخلية, ورضاهم بالارتزاق منهم مقابل فتات الأموال والوعود التي ينثرها الأوروبيون في زياراتهم.

إنّ تعامل الوسط السياسي مجرد تعامل مع الكافر المستعمر على الوجه الذي أدّى أو يؤدّي إلى ما نحن فيه هو جريمة نكراء في حدّ ذاتها، ذلك أنّ الوسط السياسي يشمل الحكام، أي الدّولة، كما يشمل السياسيين الذين يعتنون بالشأن العام سواء كانوا أفرادا أو جماعات، مهما كان موقعهم في المجتمع وهؤلاء جميعهم مصرّون على التبعية رغم الأزمة.

أ, محمد زروق

CATEGORIES
Share This

COMMENTS

Wordpress (0)
Disqus ( )

x

Related Posts

قطعان كيان يهود يدنسون الأقصى وحكومة "سعيد" تحتفي بهم
لسنا في حاجة لتقوم قطعان المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى المبارك وتدنيسه حتى يغلي الدم في عروقنا وندعو إلى تحريره وكامل أرض فلسطين من براثن كيان...
الأجندة الأطلسية تطرق أبواب شمال أفريقيا, فكيف نرُدّها ونصُدّها؟
مقدمة في المدة الأخيرة، توالت الوفود العسكرية الأطلسية على تونس والجزائر، ما جعل هذه الأخيرة تشعر بقلق تجاه الأجندة الأطلسية التي حاوطت أطرافها ...
جريدة التحرير