كورونا والتداعيات الاقتصادية

كورونا والتداعيات الاقتصادية

تشير الدراسات التحليلية للأرقام والمؤشرات الإقتصادية في العالم إلى أن تفشي فيروس كورونا سيتحول من أزمة صحية عالمية إلى أزمة اقتصادية تهز أركان أكبر الدول الصناعية والتجارية في العالم، فيما يشبه الكساد الكبير الذي أعقب الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 من القرن الماضي.

التداعيات على الإقتصاد العالمي

بالرغم من أن الأزمة العالمية لا زالت في بدايتها، فإن الأسواق المالية عرفت خسائر تاريخية بسبب الصدمة والذعر الذي خلفه وباء كورونا، ولم يقتصر انهيار البورصة على سوق وول ستريت بنيويورك فحسب بل امتد إلى أهم الأسواق الأوروبية كبورصة باريس ولندن وفرانكفورت و ميلانو.

ولم تقتصر الانعكاسات الاقتصادية لهذه الأزمة على الإقتصاد الوهمي (البورصات) الذي يمثل 80 بالمائة من الإقتصاد العالمي، بل شملت اغلب القطاعات التي تشكل الاقتصاد الحقيقي من سلع وخدمات، حيث أوقفت عديد المؤسسات الاقتصادية إنتاجها وقد يصل حد الغلق، مما سيؤدي حتما إلى ظهور حالات الإفلاس الاقتصادي على نطاق واسع، كما أن عملية التزود بالمواد الأولية ستعرف الكثير من الاضطراب وهو ما يؤثر على الإنتاج، وبالتالي على مستوى النمو والتشغيل ليتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة.

التداعيات الاقتصادية على تونس

لم تكن تونس بمعزل عن هذه التداعيات، خاصة وأن اقتصادها مرتبط بشكل كبير بأوروبا التي تعيش شللا إقتصاديا تاما وهو ما يؤثر سلبا على القطاعات التصديرية الناشطة في بلادنا، حيث أقدم الكثير من الأوروبيين على إلغاء طلبيات تخص النسيج التونسي، بالإضافة إلى تؤثر السياحة و توقف النقل البحري والجوي بحكم أن الشركات العاملة في هذا المجال تعمل أساسا على خطوط تربط تونس بدول الإتحاد الأوروبي.

أما القطاعات التي تهم التجارة الداخلية والخدمات فهي بالتأكيد ستتأثر سلبا بحكم الحجر الصحي ومع وجود حالة خوف وهلع لدى المستهلك مما سيؤثر على قطاعات واسعة تشغل مئات آلاف العملة كقطاع المطاعم، والنزل، والنقل، ورياض الأطفال والمقاهي والصناعات الحرفية والتقليدية وغيرها، مما يزيد في نسبة البطالة وهو ما يؤدي إلى الانكماش بسبب ضعف القدرة الشرائية للناس وهو ما اصطلح الاقتصاديون على تسميته déflations  ويعتبر هذا النوع من الأزمات من أصعب حالات الانكماش الاقتصادي التي تتطلب جهدا غير عادي للخروج منها.

وسيكون انخرام التوازنات المالية للدولة مع التراجع الكبير للمداخيل الجبائية وراء التجاء الدولة للتمويل الأجنبي مما ينجر عنه ارتفاع كبير للمديونية.

حلول من صلب المنظومة الفاشلة

إزاء هذه التحديات التي تعصف باقتصاد البلاد أقدم البنك المركزي ووزارة المالية بإجراءات بهدف الحد من اختلال التوازنات الكبرى والمحافظة على القدرة الشرائية للناس وحماية القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية.

فقد تدخل البنك المركزي للمحافظة على سعر صرف الدينار التونسي، وتوفير السيولة اللازمة للبنوك وتخفيف العبء المالي على الأشخاص والمؤسسات الذين لديهم قروض لدى الجهاز المصرفي قصد المحافظة على المقدرة الشرائية وعلى ديمومة مواطن الشغل. أما وزير المالية محمّد نزار يعيش وزير الماليّة فقد قرّر خلال الإجتماع إحداث خليّة استماع لتقديم حلول عاجلة للمشاكل التي تواجهها المؤسسات كتيسير الإجراءات في المجال الجبائيّ والديوانيّ وتحفيز الاستثمار الخارجي، وهي في جملتها قرارات ظرفية لا ترتقي لمعالجة الأزمة باعتبارها تنهل من نفس نبع المشكلات.

الحلول الشرعية

إن العلاج الناجع للمشكلة الاقتصادية التي نعاني منها والتي ازدادت تفاقما بفعل انتشار وباء كورونا هو في تبني نظام الإسلام العظيم، وإليكم بعض الخطوات العملية التي يمكن القيام بها للخروج من الأزمة وفق أحكام الاقتصاد الإسلامي:

  1. الاهتمام بالزراعة الإستراتيجية كزراعة القمح وغيره مما تحتاجه البلاد احتياج ضرورة، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير ما زاد فوق الحاجة لتوفير العملة الصعبة، ويكون ذلك بتوزيع ملايين الهكتارات المعطلة على جيوش المعطلين عن العمل وتوفير ما يلزمهم من مياه وبذور، والتشجيع على توسيع إحياء الأرض الموات، لقوله صلى الله عليه وسلم من أحيى أرضا فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين، فالسياسة الزراعية في الإسلام أن الأرض وجدت لتنتج و بأعلى مستوى، فكل من أهمل الأرض أكثر من ثلاث سنين متتالية تؤخذ منه وتعطى لغيره بشكل يوجد التوازن الاقتصادي في البلاد.

  2. استرجاع الثروات الطبيعية من الشركات الناهبة وإدارتها بأنفسنا استخراجا وتسويقا. لأن هذه المواد هي من الملكية العامة التي لا تملك الدولة شرعا خصخصتها وإنما تقوم بالإشراف على استخراجها وتصنيعها لصالح الرعية، فإذا ما استرددنا هذه الثروات من الشركات الاستعمارية وأدرناها بأنفسنا إنتاجا وتسويقا فسنوفر السيولة اللازمة لبعث المشاريع الاقتصادية المنتجة كالتصنيع والزراعة، خاصة وأن كل عوامل النجاح متوفرة, فالأرض أرضنا والثروة ثروتنا, والقوى العاملة المدربة من خبراء ومهندسين وعمال هم أبناؤنا وموجودون على الأرض ولا ينقصهم إلا حسن الإدارة والتسيير, أما المنشات فيمكن شراؤها من الدول الغير طامعة في بلادنا وهي كثيرة, ويمكن تغطية نفقاتها مما تدره الثروات الطبيعية من بترول وغاز وفسفاط وملح واسمنت وغيره من المعادن التي تزخر بها أرض الخضراء.

  3. تنمية البلاد صناعياً، وإدارة هذه الصناعة مباشرة إن كانت قائمة على الملكية العامة كالنفط والغاز والمعادن… أو كانت قائمة على ملكية الدولة. وكذلك تنشيط ودعم المصانع الخاصة غير القائمة على الملكية العامة وملكية الدولة. وهكذا توجد تنمية صناعية نشطة في شتى المجالات الضرورية، كمجال الصحة حيث أثبتت الوقائع قدرتنا على صنع ما يلزمنا من دواء وأجهزة وقاية وما شاكل ذلك، أو مجال الطاقة، فبلادنا حسب تقرير الشركة التونسية للكهرباء والغاز سنة 2016، تمتلك تونس 100 كلم مربع من الأسطح التي يمكن تجهيزها بالألواح الشمسية ويمكن أن توفر للبلاد 17 مليار كيلواط في السنة مقابل استهلاك بحوالي 15 مليار كيلوواط، كما يمكن استغلال الصحراء لتوسيع مثل هذه المشاريع حتى تصبح تونس مصدرة للطاقة النظيفة للدول المجاورة.

  4. تشجيع الرقمنة في كل القطاعات وهو ما يحل مشكلة العمل عن بعد في ظروف الحجر الصحي، سواء كان لإدارات الدولة أو المؤسسات ذات طابع الخدمات وفي مجال التدريس والتكوين عن بعد، وغيرها…

  5. التوقف فورا عن المشاريع الإنشائية كبناء الجسور ومد الطرقات والاقتصار فقط على ما هو ضروري، وتحويل كل الأموال المرصودة للأحزاب والجمعيات والإذاعات وغيرها حتى نوفر المال اللازم لبعث المشاريع الطموحة كالصناعات الثقيلة، وذلك لتوفير ما يلزمنا من آلات نحتاجها في الزراعة وفي مصانعنا الفرعية.

  6. علاج المديونية يكون بالامتناع عن تسديد فوائد الدين (الربا) والاقتصار على تسديد أصل الدين، لأن الفوائد ربا، والربا حرام في ديننا، ويمكن تسديد أصل الدين من فائض أموال كل من شارك في الحكم منذ الاستقلال وتسبب في رهن البلاد، فكل من شارك في الحكم ولوحظ عليه الثراء بسبب موقعه في الحكم يؤخذ ما زاد عن حاجته، لأنه ألحق ضررا بالناس برهنه البلاد، والضرر وجب رفعه ويتحمل تكاليف إزالته كل من شارك في جلبه وهم الحكام وحاشيتهم من رؤوس المال الفاسدين، واسترجاع المال الذي اغتصبه رجال الأعمال الذي يقدر بمليارات الدولارات.

هذا غيض من فيض مما يمكن فعله إذا توفرت الإرادة السياسية، وإذا أردتم المزيد فطريقه معلوم لديكم.

د. الأسعد العجيلي، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

برغم التطبيع والخيانة, لا أمل لبقاء كيان يهود في فلسطين
ما من قضية من قضايا الصراع التي شهدها العالم إلاّ وتمّ الوصول فيها إلى حلّ ما وبشكل ما باستثناء قضية فلسطين فهي بحق أعقد قضية شهدها العالم، فهي أ...
كذبة السلام، لتأجيل المواجهة الحتمية مع حضارة الإسلام
استيقظت الأمة  الاسلامية على خيانة جديدة  تضاف إلى سجل حكام الضرار نواطير الاستعمار لتعلن أبو ظبي والمنامة تطبيع العلاقات مع الكيان الغاصب  لأرض ...
في ذكرى استشهاد أسد الصّحراء عمر المختار, وفي اللّيلة الظّلماء يُفتقد البدر...
من نعم الله علينا نحن المسلمين أنّنا نمتلك زخما تاريخيّا مشحونا بالأمجاد نفاخر به الأمم ونبزّ به الأعداء ،وإن كنّا حاليّا نتخبّط في وحل حاضر من ا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
خطير: الحكومة تستأذن البنك الدّولي، لتتصرّف في مواردها لتحويل 13 مليون أورو من وزارة الفلاحة الى وزارة الصحة

أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية يوم الجمعة 3 أفريل 2020 أن جلسة عمل جمعت اليوم الوزير أسامة الخريجي...

Close