(لنجعَلَها لكُم تَذكِرةً وتعِيَها أذُنٌ واعية ) 14 جانفي 2011.. 14 جانفي 2021... إلى أين يا تونس؟
(لنجعَلَها لكُم تَذكِرةً وتعِيَها أذُنٌ واعية ) 14 جانفي 2011.. 14 جانفي 2021... إلى أين يا تونس؟

(لنجعَلَها لكُم تَذكِرةً وتعِيَها أذُنٌ واعية) 14 جانفي 2011.. 14 جانفي 2021… إلى أين يا تونس؟

14 جانفي 2011 يومها هرب بن علي الطّاغية، وفرح التونسيّون وظنّوا أنّ ثورتهم نجحت، وصار تاريخ 14 جانفي “عيدا” وطنيّا تحتفل به السلطة الرسميّة، والاحتفال يعني التسليم بأنّ الثورة تمّت وأنّ النّظام تغيّر.

يوم 14 جانفي 2011 كان أوّل الأيّام التي انطلقت فيها عمليّة اعتراض الثورة وتحويلها عن مسارها. فالثوّرة كانت تتجه نحو إسقاط النّظام، وإسقاط النّظام لا يعني تبديل شخص بشخص إنّما يعني تغيير نظام الحكم ومؤسساته ومرجعيّاته، وأهدافه… والتغيير يعني الخروج من الأزمات أزمة الحكم وأزمة الاقتصاد والتعليم وإعادة النّظر في مكانة البلاد في العالم…

ولكن ومنذ جانفي 2011 والأزمات تزداد حدّة، رغم المساحيق الدّيمقراطيّة، وكلّما ازدادت البلاد ديمقراطيّة ازدادت الأزمات. لماذا؟ لأنّ النّظام الذي قامت الثورة عليه بقي ولم يتغيّر، فكان من الطّبيعي أن تزداد الأزمات حدّة. حتّى وصلت البلاد إلى حدّ الاختناق وانسدّت الآفاق.

في هذا المقال سنعود بالتاريخ إلى 14 جانفي 2011 نذكّر بأخطر ما وقع، نتتبّع خطوات المكر الاستعماري في اعتراض الثورة ثمّ اختطافها وتحويل وجهتها ثمّ تبنّيها تأبيدا للهيمنة على تونس واستعباد شعبها.

الخطوات الأولى لاعتراض الثورة وحرفها عن مسارها.

ماذا حصل يوم 14 جانفي 2011؟

في برنامج تلفزي قال سمير السرياطي نجل علي السرياطي مدير أمن بن علي الرئاسي، أنّ ضابطا أنجليزيّا كان في قصر قرطاج والاحتجاجات على أشدّها في شوارع تونس، يومها قال الضابط الإنجليزي لبن علي أنّ “القصر غير آمن” فهرب بن علي، هكذا تخلّى الإنجليز عن عميلهم بعد أن عجز عجزا عن إخماد الثورة، ويبدو أنّ بريطانيا خشيت وقتها أن تفقد السيطرة على تونس، ففتحت طريق الهروب لبن علي. ولعبت بريطانيا لعبة الدّستور إذ تمّ تنصيب محمّد الغنّوشي وزير بن علي كقائم بأعمال رئيس الجمهوريّة بما يعني أنّ الباب ظلّ مفتوحا لعودة الطّاغية، ثمّ عدلوا عن القرار وتمّ إعلان شغور منصب الرئيس نهائيّا وتمّ تنصيب فؤاد المبزّع رئيسا مؤقّتا ومحمّد الغنّوشي رئيسا للوزراء. هكذا كانت الخطوات الأولى لاعتراض طريق الثّورة، ووقف عمليّة هدم النّظام وتمّ إسناد أركان النّظام بعد اقتطاع رأسه.

هيئة عياض بن عاشور، وتحويل وجهة الثوّار نحو السّراب:

 ثمّ كانت الخطوة الثانية بهيئة عياض بن عاشور التي زعموا حينها أنّها قامت لتحقيق أهداف الثّورة، واحتوت تلك اللجنة أغلب الأحزاب السياسيّة وهي عمليّة احتواء أولى أوهمت أنّ التغيير يتحقّق وأنّ الهيئة العاشوريّة ستحقّق بها الأحزاب أهداف الثورة، وكانت في حقيقتها خطوة تمتصّ الغضب وتعطي الأمل الزّائف بغد أفضل، وفي أروقة تلك الهيئة جال الأوروبيّون وصالوا ووسوسوا وهمسوا فأنتجوا نظاما انتخابيّا فتّت القوى السياسيّة وجعلها فسيفساء تشرك الجميع في الظّاهر وهي في الحقيقة تسلب الجميع القدرة على الحكم وتجعله مركّزا في أيدي بريطانيا.

انتخابات أكتوبر 2011، منعطف الانحراف الأوّل:

تمّت انتخابات 2011 وأنتجت مجلسا تأسيسيّا فسيفسائيّا لا قوّة فيه لأحد، وجُعل ذلك المجلس غطاء لتمرير دستور أعدّ في مخابر أوروبا المعدّة للهيمنة على الشّعوب، مرّ دستور 2014 وهو في جوهره لا يختلف عن دستور 1959، فكان بالفعل تجديدا للنّظام الظّالم أخرج إخراجا “ثوريّا” جديدا، فذلك الدّستور أعاد إنتاج الهيمنة الغربيّة على تونس، إذ فصل تونس عن دينها الإسلام وأقصاه إقصاء وقحا والجديد في الأمر أنّ الإقصاء هذه المرّة كان بتوقيع حركة النّهضة الإسلاميّة بزعمها (وفي ظنّ كثير من التونسيين) ورئيسها راشد الغنّوشي العائد من بريطانيا الذي خرج في مارس 2012 ليعلن بكلّ صفاقة أنّ الشريعة الإسلاميّة محلّ خلاف والخلاف فتنة والواجب أن تتجنّب تونس الفتنة، هكذا نفّذ راشد الغنّوشي أوّل مطالب الأنجليز: إقصاء الإسلام والشريعة.

انتخابات 2014، وهدم حصون الثورة من داخلها

أمّا المطلب الثّاني الذي طلبته بريطانيا من راشد الغنّوشي فكان تأمين عودة الحرس القديم إلى السّاحة السّياسيّة، ومن مقتضياته إسقاط قانون تحصين الثّورة، إذ حضر راشد الغنّوشي إلى المجلس التأسيسي ليضمن تصويت نوّاب حركته ضدّ القانون. وكان للأنجليز ما أرادوا، إذ سمح هذا القانون لأزلام بن علي بالتّرشّح للانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة المنتظرة في 2014، وهكذا استطاع الباجي قايد السبسي الترشّح ثمّ الوصول إلى قرطاج بدعم شخصيّ من راشد الغنّوشي بعد أن أوعز لأعضاء حركته بالتصويت للسبسي في انتخابات 2014)، ثمّ كان توافقه المشبوه مع الباجي قايد السبسي. ليستمرّ النّظام الظّالم تحت عناوين باطلة من قبيل هيبة الدّولة واستمرار الدّولة…

انتخابات 2019 العودة الثوريّة للتجمّع الدّستوري (في أثواب جديدة)

 المصالحة الوطنيّة هو المشروع الاستراتيجي لبريطانيا في تونس، وراشد الغنّوشي هو مديره الأوّل، فمنذ أن انتخب الغنّوشي رئيسا للبرلمان أعلن في أوّل خطاباته أنّ الوقت قد حان لمصالحة وطنيّة شاملة وأطراف هاته المصالحة هم الفرقاء القدامى من دستوريين (التجمّعيين) وحركة النّهضة واليساريين، والهدف المعلن تجاوز خلافات الماضي للتعاون من أجل خدمة مصلحة تونس (هكذا) والحقيقة أنّ الغاية هي إعلان انتهاء الثورة، وأنّ التونسيين قد تصالحوا. بما يعني أنّ المحاسبة للفاسدين والمجرمين قد انتهت (دون عقاب جدّي إلا بعض أكباش الفداء) وهذا يعني أنّه يحقّ للحرس القديم العودة إلى مراكز السلطة، ومعلوم أنّ هؤلاء من المدرّبين على خدمة الغرب ومصالحه وعلى ربط تونس بأوروبا وفصلها عن محيطها الطبيعي.

لتسير تونس كما كانت زمن بورقيبة وبن علي لفائدة المستعمر. ما بعدها

هذا تفسير ما تعجّب منه البسطاء واستغربوه أو استنكروه من راشد الغنّوشي حين عيّن محمّد الغرياني أمين عامّ التجمّع الدّستوري حزب بن علي، مستشارا له مكلّفا بملفّ المصالحة والعدالة الانتقاليّة. ومتى عُرف السبب زال العجب، نعم عمل الغنّوشي ويعمل على خدمة المشروع البريطاني باجتهاد فأعاد التجمّع (في شخص أمينه العامّ) إلى السّاحة السياسيّة كمقدّمة لإعادة تونس إلى بيت الطّاعة الأنجليزي وكقاعدة لهم للسيطرة على شمال إفريقيا.

هذا ما شهدناه بعد 14 جانفي2011.

إلى أين يا تونس؟

  • هل كانت الثورة وهل سُفكت الدّماء الزّكيّة لتُباع تونس لأوروبا في دكاكين العبث السياسيّ (الكائنة في باردو والقصبة وقرطاج)؟

  • وهل كانت الثورة ليعود أيتام الطّاغية المقبور يعربدون تحت مسمّيات خادعة ماكرة: حوار وطني، مصالحة وطنيّة شاملة..؟ وهل أريقت الدّماء الزّكيّة للاستهزاء بالإسلام دين الله وأحكامه؟

  • وهل ستنتهي الأمور ببقاء هذا الدستور الوضعي الظالم الذي تمّت كتابته وصياغة مواده في أوروبا؟

  • وهل يقبل أهل تونس المسلمون بتعطيل القرآن الكريم وسنّة نبيّكم الأكرم صلّى الله عليه وسلّم!؟

  • وهل تمّ طرد الطّاغية من أجل ديمقراطيّة بائسة عاجزة لم نجن منها سوى سنوات عجاف من الضنك والبؤس، ستعقبها (إن نحن سكتنا ورضينا وتابعنا) سنوات أخريات نَحِسات؟ حذّر الله منها: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)

    فإلى أين يا أهل تونس؟

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ).
يخاطبنا ربّنا العزيز الكريم من فوق سبع سماوات فيقول لنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)
وكلّ مسلم في الدّنيا ليعلم:
أنّه لا حياة بلا إسلام ولا إسلام بلا دولة كالدّولة التي أقامها الرسول صلّى الله عليه وسلّم
وإن ما بيننا وبين عودة الإسلام (خلافة راشدة على منهاج النبوّة) أقرب من ردّ الطّرف. وإنّ شباب حزب التحرير معكم وبينكم يعملون لها في الليل والنهار، فدوروا أيها المسلمون حيث دار حملة الدعوة، واعلموا أن العزة لله ولدينه… فكونوا مع الله تعزوا وتنتصروا.

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُور).

أ, محمد الناصر شويخة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
العسكر الأمريكي في تونس والقائد الأعلى للقوات المسلحة في كوكب آخر

الخبر: بحث وزير الدفاع التونسي، إبراهيم البرتاجي، يوم الأربعاء 6 كانون الثاني/يناير 2021، وكاتبة الدولة للقوات الجوية الأمريكية، باربرا باريت،...

Close