لن يخرُج من البلاد رجالها ولن يتركوها للمستعمر

لن يخرُج من البلاد رجالها ولن يتركوها للمستعمر

كثر الحديث في الأيّام الأخيرة عن ظاهرة الهجرة وبخاصّة الهجرة غير النّظاميّة، وتأتينا الأخبار المؤسفة بل المبكية عن موت الكثيرين غرقا أو إغراقا في البحر. ظاهرة ما انفكّت تتنامى وتتصاعد حتّى بلغت أرقاما مفزعة، ففي بضعة أشهر من سنة 2022 هاجر بشكل غير نظاميّ أكثر من 15 ألفا، والأرقام مرشّحة للتّصاعد، فقد كشف المسح الوطني للهجرة الدولية في تونس، الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع المرصد الوطني للهجرة، بدعم من المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، سنة 2021، أنّ مليونا و700 ألف تونسي يرغبون في الهجرة. ويرجح المتابعون لهذه الظّاهرة أن يكون “عدد المواطنين الراغبين في الهجرة أكبر بكثير …”.

من هم الرّاغبون في الهجرة؟ 

  • أجمع المتابعون أنّ الشّباب هم أكثر الرّاغبين في الهجرة، لكنّ الجديد في المسألة أنّ الهجرة لم تعُد شأنا فرديّا، بل صارت همّا عائليّا فالعائلة اليوم هي من تساعد أبناءها على الهجرة، بل وجدنا عائلات بأكملها تحاول الهجرة سرّا أو علنا.

  • الفئة الثّانية هي فئة الكوادر وحاملي الشّهادات العليا، وقد جاءت أرقام هجرتهم مفزعة، 40 ألف مهندس يُغادر تونس منذ 2015، وأكثر من 9 آلاف طبيب وما خفي أعظم، مع العلم أنّ معظم هؤلاء يُهاجرون بشكل نظاميّ منظّم. في الأثناء، شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة نزيفاً في هجرة الكفاءات والخبرات، وأظهر المسح أن هجرة ذوي المستوى التعليم العالي قد تسارع نسقها، إذ غادر تونس نحو 40 ألف مهندس، وثلاثة آلاف و300 طبيب، بين عامي 2015 و2020 من أجل فرص عمل في الخارج.

أسباب الهجرة: هجرة أم تهجير ممنهج؟

يقول الدّارسون أنّ تنامي الرغبة في الهجرة هي بسبب “الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تمر به البلاد، وانسداد الأفق، وحالات الإحباط الناتجة عن هذه الأزمة المزدوجة السياسية والاقتصادية”.

وأنّ “الرّغبة في الهجرة أصبحت تشمل أيضاً المستقرين في وظائفهم، لأنّهم أصبحوا غير قادرين على توفير الحاجات الأساسية والضرورية، لذلك هم يبحثون عن فرص الهجرة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية”.

الأسباب الظّاهرة للهجرة هي البحث عن فرص أفضل للعيش، بحثا عن شغل أو تحسينا للعيش. لماذا؟ ألا يوجد في تونس أسباب للعيش كريمة؟ 

أنّى يكون فيها من عيش كريم وقد استولى عليها المستعمرون منذ ما يقرب من قرن ونصف من الزّمان؟ نعم لقد استولى المستعمرون على بلادنا، وعلى سائر بلاد المسلمين وأسقطوا دولتنا الكيان السّياسي الواحد الذي كان يجمعنا وكانت به قوّتنا وعزّتُنا، ومن ثمّ مزّقونا أكثر من 52 مزقة سمّوها دولا، ثمّ كانت من نتائج هذه الهيمنة الاستيلاء على مقدّرات البلاد وجعلها في خدمة شركاتهم وأصحاب الأموال عندهم. وضاقت بلادنا على أهلها بما رَحُبت، ظلم، وسوء في التعليم، وضيق في العيش، وتفشٍ للبطالة، وانتفاء للعدل، فانعدمت الطّمأنينة… ولمّا استفحلت الأزمة أخذ الشباب والعلماء بالتطلّع للتغيير، وجاءت الثّورة فالانتخابات المتعاقبة والتغييرات الكثيرة في الوجوه والأسماء، ولم يتحسّن الوضع ولم يزُل البلاء ولا ظلم الحكام، فصارت الهجرة إلى الدول الأجنبية الكافرة ما يشبه الملاذ الأخير. فهل ستكون حكومات الغرب رحيمة بنا؟ وهي التي افتكّت بلادنا ونهبت ثرواتنا؟ هل ستكون بلاد الغرب رحيمة بمن يُهاجر إليها من المسلمين (خاصّة) وقد ضاقت بأبنائها فالتّضخّم يأكلها، والبطالة ترتفع عندهم والأزمة الاقتصاديّة تستفحل؟؟ 

لماذا تستقبل فرنسا أطبّاء تونس؟ لماذا يستقبل الغرب عموما الكوادر من تونس وغير تونس؟ 

إنّه التّهجير الممنهج، إنّه نهب العقول والأدمغة بعد نهب الأموال والثّروات، يُوفّر الغرب لمن كان ذا كفاءة في ميدان مّا كلّ أسباب الهجرة ويُغرونهم بالمنح والرّواتب العالية، ويصل الأمر إلى منحهم الجنسيّة.

أمّا بقيّة الفئات فيسدّون عليهم أبواب الهجرة، ممّا يضطرّهم إلى الهجرة غير النّظاميّة، في مغامرة موت رهيبة، فمن لم يمت في البحر غرقا أو قتلا على الحدود، تستغلّه العصابات الغربيّة في تجاراتها في المخدّرات، وربّما كان بعضهم قطع غيار في تجارة الأعضاء البشريّة التي تعاظمت في الآونة الأخيرة، ويستعمل بعضهم وقودا في خلايا “إرهابيّة” تصنعها المخابرات الأوروبيّة والأمريكيّة، لتُعيدهم إلى بلاد المسلمين قنابل موقوتة تتّخذها ذريعة في الحرب المزعومة على الإرهاب. 

هذا ما يفعله الغرب والقوى الدّوليّة، تنهب الدّول الضّعيفة وتسيطر عليها، وتستغلّ شبابها أبشع استغلال في كلّ الميادين، ميادين العلم والابتكار أو ميادين الجريمة المنظّمة والإرهاب.

إلى شبابنا وكلّ من يفكّر في الهجرة أو يُعين عليها

إلى أين تُهاجر؟ إلى بلاد الغرب حيث العدوّ الذي استولى على بلادك؟ ونهب ثرواتك وسرقك؟ 

فإن كنت من ذوي الكفاءات، فلماذا تُعطي من كفاءتك لعدوّك وعدوّ بلادك؟ لماذا؟ أتذهب هناك لتبني بلدهم وتنمّيها؟ فماذا عن بلدك؟ ألا يحتاجك؟ ألا يحتاج أهلك إلى قدراتك؟ 

قد تقول: لم نجد في بلدنا من يحتضننا، لم نجد فيها شغلا ولا كرامة لم نجد من يموّل مشاريعنا….. نعم لن تجدوا من هذا شيئا، لأنّ بلدكم واقع تحت الاستعمار، وما دام تحت الاستعمار فلن تجدوا ما تبحثون عنه ولن تجدوا بلدكم أصلا، فهل تتركون بلدكم للضّياع؟ هل تتركونه للضّباع؟ إلى أين أيّها الطّبيب؟ إلى أين أيّها المهندس إلى أين؟؟؟ هل ترضى أن تكون سُخرة وعبدا لمن افتكّ بلدك؟؟؟؟ 

أمّا عن بقيّة الشّباب المعطّل المضيّع، قد تقولون لا نجد في بلدنا عملا ولا كرامة، نقول لكم نعم لن تجدوا شيئا لن تجدوا كرامة ولا عملا ولا من يهتمّ بكم أصلا، وكيف يهتمّون بكم والبلد تحت الاستعمار؟ كيف يهتمّون بكم والبلد مختطفٌ منهوبة ثرواته؟؟؟ هل الحلّ في الهجرة إلى بلاد الغرب؟ ألا ترون كيف يرمون بكم إلى قوارب الموت، ومن نجا منكم ما مصيره؟ العصابات؟ الشّغل والرواتب العالية؟ فهل سيجد وطنا وبلادا وأهلا؟ لمن تتركون أهلكم وبلدكم؟ أتتركونها للمستعمر أتتركونها للضباع تنهشها؟؟ 

نقول للمهندسين والأطبّاء ولذوي الكفاءات العالية ممّن هاجر أو ينوي الهجرة، نقول لشبابنا المضيّع الذي هو الآن بصدد الاستعداد لركوب قوارب الموت، ولمن يُعينهم على ذلك

تبحثون عن عيش رغيد وراحة وطمأنينة، فهل توجد الرّاحة تحت سيطرة العدوّ؟؟؟ فانظروا واسمعوا صيحات الأوروبيين تعادي المهاجرين، وهي صيحات بدأت تتعالى وسوف تزداد علوّا خاصّة وبلاد الغرب قادمة على أزمة طاحنة، فهل سيفضّلونكم على أنفسهم؟ صيحاتهم تتعالى لا على الشّغل والمال فقط بل يزداد علوّها على دينكم وإظهاره، فأنّى لكم أن تحافظوا على دينكم، وإن أنتم حفظتم أنفسكم فماذا عن أبنائكم؟ ماذا عن أخلاقهم وتربيتهم؟ ماذا عن تعلّقهم ببلدهم؟ ماذا عن دفاعهم عن بلدهم التي ينهبها الغرب الذي إليه لجأتم وفيه عشتم؟ أليس في هذا تضييعا لأنفسكم وأهلكم ودينكم؟ 

هذا البداية وما خفي أعظم. 

ثمّ ألا تفكّرون؟ ألا تذكرون لماذا خلقنا الله سبحانه وتعالى؟ هل خُلقنا للأكل الوفير والمراكب الفارهة؟ هل خلقنا لنكون عبيدا لمن كفر بالله ورسوله وحارب المؤمنين وأسقط دولتهم؟؟؟ 

ألم يقل الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدوني…)، وعبادته هي اتّباع أوامره ومن أوكد أوامر الله تعالى أن تكون كلمة الله في الأرض هي العليا، وكلمة الله في الأرض لا تكون عليا إلّا بدولة نُقيمها كالدّولة التي أقامها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، 

إنّ أولى الأوليّات اليوم (من أجل مستقبلنا ومستقبل أبنائنا) أن نخلّص بلدنا من الاستعمار وسيطرته، بقلع نفوذه وعملائه من بلادنا وشائر بلاد المسلمين، ولا يكون ذلك بالهروب والالتجاء إلى المستعمر نفسه، بل يكون بالبقاء هنا ومكافحته كفاحا مستمرّا لنخرجه ونستعيد بلدنا وأنفسنا

لا تخرجوا من بلدكم، ابقوا فيه، ولا تنتظروا هاته الحكومة ولا رئيسها، فالأمر بأيديكم، أبعد ثورة هزّة العالم هزّا تتركون بلادكم مسرحا صاخبا لمؤامرات المستعمرين الدمويّة، يلتفّون عبر عملائهم على ثورتكم؟؟؟؟ 

لن نخرج من بلادنا ولن نعين على الخروج منه
لا ينبغي للرّجال الهرب ولا الإعانة عليه، لا تناسبنا الطّمأنينة واللقمة الهنيئة وبلادنا تنهب وأهلنا يُجوّعون، لن نخرج من هنا ولن نعين على الخروج لنترك الكفّار يستولون على البلاد. سنبقى هنا، لأنّ هذه البلاد تحتاج إلى رجالها تحتاجها لطرد المستعمر وأنظمته وعملائه تحتاج شجاعة الرّجال وفورة الشّباب للوقوف ضدّ الظّلم والاستعمار. لن نخرج من هنا وسنبقى ولن يُخيفنا القمع ولا إرهاب المستعمرين وأجهزتهم البوليسيّة، ولن نيأس ولن تنجح مؤامراتُهم   
لن نهاجر وسنبقى هنا… كما بقي المجاهدون في فلسطين مرابطين تحت القصف، وفي كما بقي الرّجال الرّجال في حلب يستقبلون براميل الموت دون جزع.

 سنبقى هنا.. قد نجوع، وقد نمضي اليوم بحثا عن قارورة غاز أو السّكّر أو الزّيت وقد نمضي الأيّام والشّهور بحثا عن عمل، ولكنّنا سنبقى هنا نحفظ القرآن ونتحدّى الظّالمين ونخطّط لاقتلاع النّفوذ الاستعماري لن نرحل من هنا لن نهاجر فهذا الزّمن زمن التّحرّر زمن قلع المستعمر من بلدنا وسائر بلاد المسلمين هذا زمن الإسلام سنصمد هنا ونبقى هنا لنصنع زمنا جديدا هو زمن الخلافة الرّاشدة على منهاج النّبوّة سنمضي في طريق التّغيير الجذريّ سنصعّد الثّورة لتأخذ وجهتها الحقيقيّة لن نسمح لهم بقتل ثورتنا ولا حرفها عن مسارها سنخطب في كلّ مساجدها وسنحشد أهلنا وأمّتنا في كلّ ميدان، وستعلوا أصواتنا بالحقّ من عند الله في كلّ السّاحات والمعاهد والجامعات والأسواق والبيوت، لن نصمت لن ننهار ولن نيأس لن نطأطأ الرؤوس لن نهرب من بلدنا ولن نتركها لكم،  لن نهاجر…. 

من هنا سنقيم دولة تحرر الأرض وتستعيد المقدسات وتحمل الإسلام رسالة نورا وهداية ورحمة للعالمين، وإلى أن تُقام دولة الخلافة ويُعبد الله في الأرض بتطبيق شريعته فإنّ ما يناسب الرّجال أن يستمرّوا ثائرين على كل عبودية لغير الله.

CATEGORIES
Share This

COMMENTS

Wordpress (0)
Disqus (0 )

x

Related Posts

أيّها المسلمون في تونس: لا خلاص إلّا بالإسلام
يا أهلنا الكرام في تونس: إنّه ليحزننا ما تكابدونه من البؤس والشّقاء وضنك العيش في ظل نظام رأسمالي متوحش جعلكم بين متاهة البحث عن تحقيق أقل الحاجا...
شباب المسلمين محرّك التغيير المعطّل الذي آن أوان تشغيله
الشبابُ في أيّ أمّة، هم المستقبل، الشباب هم القوّة التي يكون بها النهوض والحركة، فجميع البلدان تعتمدُ على فئةِ الشباب لتغيير واقعها من المستوى ال...
جريدة التحرير