مبادرة اتحاد الشغل للحوار.. وراء الأكمة ما وراءها

مبادرة اتحاد الشغل للحوار.. وراء الأكمة ما وراءها

منذ أن تأسس في سنة 1946 وإلى غاية اليوم يسعى الاتحاد العام التونسي للشغل إلى كسب مكانة مميزة عند عموم الناس مما يجعله يحظى باحترامهم وتقديرهم، وقد أمكن له ذلك ونجح في مسعاه إلى حد كبير مستفيدا في مرحلة أولى من انخراطه في مكافحة الاستعمار المباشر للبلاد، ظاهريا فقط, لأن  أعضاء اتحاد الشغل كغيرهم ممن كافحوا وجود المستعمر وروجوا لوجهة نظره وكرسوا مفاهيمه وأفكراه التي من أجل غرسها في المسلمين احتل بلادنا، وبعد انتهاء الاستعمار المباشر واصل اتحاد الشغل كفاحه رافعا لواء الذود عن الطبقة الشغيلة خاصة وكل الطبقات المهمشة والمفقرة عامة بنفس الآليات التي حددها المستعمر ليكون كفاح الاتحاد ومن على شاكلته يندرج في خانة الكفاح الرخيص. المهم نجح الاتحاد في حيازة رضا الناس عنه الى حد جعله فوق المحاسبة وحتى مجرد المسألة وهل يخضع للمحاسبة من خلع على نفسه لقب “قلعة النضال”؟ استغل اتحاد الشغل كل هذا وتخفى وراء دفاعه عن المظلومين بكونه منظمة لا علاقة لها بكل ما هو سياسي فهو يعلن بمناسبة أو بدونها أنها تقف على نفس المسافة بين كل الفرقاء السياسيين ولا تحركها إلا مصلحة البلاد والتي من أجلها قالوا أن اتحاد الشغل لا يباع ولا يشترى, وهذه المقولة أسقطها الرئيس المخلوع “بن علي” حين أغلق امام قادة اتحاد الشغل جميع المنافذ المؤدية لتحقيق المكاسب الذاتية تحت غطاء الدفاع عن الطبقة الشغيلة ومؤازرة المضطهدين فنفذوا إليها من بوابة التملق ل”بن علي” وتبييض كل جرائمه التي ارتكبها في حق البلاد والعباد ليكشف بالتالي اتحاد الشغل عن وجهه الحقيقي ويخبر الجميع عما وراء الأكمة.

بمجرد اندلاع الثورة والتأكد من سقوط عرش “بن علي” قفز الاتحاد من يخت النظام الفخم إلى عباب الثورة وركب أمواجها وسجل اسمه مع الثوريين والرافضين لمنظومة الفساد والاستبداد. ومع اطلالة كل حكومة وما أكثر الحكومات المتعاقبة بعد الثورة, تجد الاتحاد يتقدم صفوف المزايدين والمتاجرين بأوجاع الناس مستعملا الأداة ذاتها احتجاجات واضرابات ليصل في النهاية إلى تسويات وترضيات تخدم مصالحه ومصالح أحزاب بعينها, لتجتمع جميع هذه المصالح في مصب واحد يملكه أحد المسؤولين الكبار ويتصارع على منسوبه وعلى تحديد مسار جريان باقي الأنهار مع مسؤولين كبار أخرين من قوى استعمارية مختلفة. هذا وواهم كل من يضن أن اتحاد الشغل يقوم بدور الحكم بين الأطراف المتنازعة  عن المناصب ومغانم الحكم فهو منحاز بشكل مفضوح لأحزاب تشاركه نفس المنصة الايدلوجية ويناصب العداء لكل من يوصف بانه يحمل توجهات اسلامية، علما أنه لا يوجد من يحمل المشروع الحضاري الاسلامي, فما هو موجود الآن من أحزاب مشاركة في المنظومة الرأسمالية هي مجرد أحزاب تتحدث باسم الإسلام ظاهريا أما من حيث الجوهر لا تختلف في شيء عن غيرها من الأحزاب العلمانية الصرفة ومع هذا نرى اتحاد الشغل يناهضها لمجرد حديثها إلا للّمم باسم الاسلام ولا تشكل أي تهديد للنظام الديمقراطي الوضعي بل هي ترفع رايته وتذود عنه وتختزل الاسلام في بعض الأحكام ولا تسعى إلى جعله هو المنطلق والمنتهى بتطبيقه كاملا دون زيادة أو نقصان في ظل دولة تطبق أحكامه في الداخل وتحمله الناس كافة  في سائر اصقاع العالم.

ويلعب اتحاد الشغل دورا آخر هاما وخطيرا لم يتفطن له الكثيرون وهو دور المنقذ للدولة والوسيلة التي يستعملها هي الدعوة للحوار بين الفرقاء السياسيين, فكلما احتدمت الأزمات وتفاقمت المشاكل ينتفض اتحاد الشغل ويبادر بالدعوة للحوار من أجل انقاذ البلاد والحال هو تخليص الدولة الفاشلة من مأزقها وانقاذها من السقوط والانهيار, وهذا ما أقدم عليه مؤخرا, حيث قدم لرئيس الدولة مبادرة للخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد وتضمنت تلك المبادرة دعوة إلى حوار سياسي واجتماعي واقتصادي, أما من الناحية السياسية طالب الاتحاد باتخاذ عدة اجراءات مستعجلة من أهمها تقييم قانوني للأحزاب والجمعيات ومراقبة مصادر تمويلها ومدى انسجام أهدافها مع أحكام الدستور. وهنا من الغباء بمكان أن المقصود هنا الأحزاب المؤثثة للمشهد السياسي ولها تمثيل في البرلمان فالمقصود هو كل حزب او جماعة لا تحتكم إلى دستورهم الوضعي وتعمل على اقامة دولة الخلافة وليس تلك التي تدعوا إلى تطبيق بعض أحكام الاسلام مدفوعة بحرية التعبير وتردد صباحا مساء بأنه مكفول بالدستور, الاجراء الثاني يتمثل في تقييم قانون الانتخابات وتعديله بما يحقق تماسك الحياة السياسية. ولا ندري ما الجديد في الدعوة لاتخاذ هذا الاجراء, فالجميع من جوقة النظام العلماني دعوا لهذا الاجراء طمعا في تحقيق تماسك توجهاتهم واطماعهم ثم ما الفائدة في تغيير القانون الانتخابي وهو نتاج نظام كل ما نتج وما سينتج عنه فاسد مفسد. وعلى ذكر الفساد, دعا الاتحاد إلى قطع الطريق أمام المال السياسي الفاسد والتوظيف الاعلامي والتدخل الخارجي. كلام جميل لو كان اتحاد الشغل غير متهم بهذا كله ولم يرفض قادته الخضوع للمحاسبة ورفضوا رفضا قاطعا أن يكون تحت طائلة قاعدة “من أين لك هذا”..

هذا في ما يتعلق بالجانب السياسي. أما الجانب الاقتصادي فقد اجتر اتحاد الشغل ما يردده المنتحلين لصفة خبراء اقتصاديين كمراجعة منوال التنمية وتقييم الواقع الاقتصادي وتحديد الفرص والمخاطر وتدقيق المالية العمومية والوقوف نهائيا على حقيقة الوضع الاقتصادي. كلام انشائي لا يغني ولا يسمن من جوع, كل ما في الأمر هي الهبات ومنح الدولة فرصة لتلتقط أنفاسها ثم تواصل سياسة الذبح والسلخ,  ويحصل الاتحاد ومن يدور في فلكه على أجره كاملا غير منقوص.

كما اقترح الاتحاد على رئيس الدولة ارساء هيئة حكماء من كافة الاختصاصات تعمل تحت اشراف رئاسة الدولة تتولى ادارة الحوار وتقريب وجهات النظر تماما كما فعل ذلك الرباعي الراعي للحوار -اتحاد الشغل من ضمنهم- سابق تحت اشراف “الباجي قائد السبسي” وكانت النتيجة أن استحوذ حزب “الباجي قايد السبسي” على كل شيء بدعم من اتحاد الشغل واستمرت معاناة الناس مما اضطر “اكبر قوة في البلاد” إلى تقديم مبادرة جديدة والدعوة لحوار جديد لتتعمق الأزمة أكثر وتصبح المعاناة أشد. أما الجديد في الموضوع هو استفادة طرف بعينه ستفصح عنه نتائج الحوار ويخبرنا الاتحاد كما فعل زمن “بن علي” عما وراء الأكمة..

حسن نوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تونس.. مشهد سياسي يُصنع لهدم آمال الناس في التغيير
تونس.. مشهد سياسي يُصنع لهدم آمال الناس في التغيير

إنّ متابعة ما يجري في تونس تكشف أنّ المشهد السّياسيّ يتمّ تشكيله صنعا وهندسة وتخطيطا من وراء البحار أمّا القصر...

Close