محمد الفاضل شطارة: أحسن ذكرى في حياتي هي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964
محمد الفاضل شطارة: أحسن ذكرى في حياتي هي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964

محمد الفاضل شطارة: أحسن ذكرى في حياتي هي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964

انتقل إلى رحمة الله تعالى الأستاذ محمد الفاضل شطارة أول بذرة لحزب التحرير في بلد الزيتونة، وقد جمعني به رحمه الله حديث صحفي مطول أجريته معه لجريدة التحرير، فصل فيه رؤيته حول كيفية مواصلة الدعوة التي قام لأجلها لحزب، حيث أكد على ضرورة مواصلة السير طبق الطريقة الشرعية .

ولأن ما رواه هو جزء من تاريخ حزب التحرير في تونس، ورواية أخرى لتاريخ الظلم والقمع وتجفيف المنابع الذي ارتكبته دولة الاستقلال والمقبور بورقيبة ضد حملة الدعوة، فإننا سنعيد نشر هذا الحوار، ونطلب من العلي المنان أن يغفر له ويرحمه فهو أول من تحدث عن الخلافة ووجوب استئناف الحياة الإسلامية في بلد الزيتونة، فجازاه الله وإخوته وأبنائه من حملة الدعوة عن الإسلام والمسلمين كل خير :

الأستاذ محمد الفضل شطارة:

حزب التحرير هو الوحيد القادر حاليا على قيادة الأمة الإسلامية

كان لا بد ونحن نقيم ذكرى سقوط الخلافة بقصر الرياضة بالمنزه بهذا الحضور الغفير الذي انساب من كل مدن وقرى تونس، أن نتعرف على أول حامل دعوة وطأت رجلاه هذه الأرض المباركة ليزرع فيها دعوة حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة… فكان لنا هذا الحديث المشوّق مع الأستاذ محمد الفاضل شطارة، وهو من أصيلي قرية العطايا بجزيرة قرقنة ومن مواليد سنة 1942 وابن العالم والخطيب الشيخ الزيتوني المناضل والنقابي عبد الفتاح شطارة.

*- ما الذي جاء بك إلى هذا الطريق الشاق في الوقت الذي كانت فيه الأمة الإسلامية في بداية الستينات منساقة وراء التيارات العروبية والقطرية والخطابات التحررية واليسارية بأشكالها المتنوعة والتي تجمع على إقصاء الإسلام كبديل للواقع المعيش ؟

في سنة 1964، تحولت إلى ألمانيا التي منحتني منحة جامعية لأكمل دراساتي العليا بجامعة كولونيا في الرياضة البدنية ثم بيداغوجيا علم النفس، وهناك وجدت اتجاهات مختلفة المشارب والأهواء من يسار ويمين وقوميين وإخوان مسلمين، وقد كنت ممثلا للاتحاد العام التونسي للطلبة في كولونيا الألمانية وممثله في العديد من المؤتمرات الطلابية العالمية في إيطاليا وفرنسا وغيرها من العواصم الأوروبية، ولكن بحكم تكويني الإسلامي حيث نشأت في بيت علم لم أقتنع بالأطروحات والرؤى الفكرية والسياسية التي اجتاحت أوروبا آنذاك ولا حتى بتوصيف الإخوان لواقع المسلمين ولكيفية الخروج منه.

بقيت على هذه الحال إلى أن أذن المولى عز وجل بأن أستمع إلى المحاضرات التي كان يلقيها الدكتور الطبيب عيسى والدكتور الطبيب توفيق أبو محمود (الذي ترأس وفد الحزب إلى الخميني وعرض عليه مشروع الدستور والأسباب الموجبة)، الذين كانوا من حملة الدعوى في حزب التحرير والذين انبهرت بطرحهم الفكري والشرعي فلازمتهم إلى أن انضممت إلى حلقات الحزب تحت إشراف الأستاذ فتحي عبد الرزاق، فتلقيت جميع الكتب الحزبية الصادرة آنذاك إلى أن تحزبت وعدت إلى تونس في سنة 1971 فوقع تعييني في البداية بمدرسة ترشيح المعلمين بقرطاج، ثم بكلية العلوم بتونس .

*-وفي تونس وأنت تطأ أرض مطار قرطاج الدولي كيف تراءى لك الأمر والمهمة وأنت البذرة الأولى لهذا الحزب فيها؟

كانت المهمة والمسؤولية المحمولة على عاتقي كبيرة، ولكن وكما يعرف جميع من يحملون أفكار الحزب، فإنها تأبى أن تبقى حبيسة بالصدر، وقد تعرفت خلال الفترة الأولى على العربي بنيس وعلى محمد الجربي الذي بمجرد مخاطبتي له بالفكرة قال لي هذا ما كنت أبحث عنه، فتكونت الحلقة الأولى للحزب في تونس والتي كانت تضم كل من العربي بنيس ومحمد الجربي ولعروسي بن عمارة ومحمد أبيّ ومحمد الدمرجي أمد الله في أنفاسهم.. ومن بني خلاد امتد العمل إلى قابس مع الأستاذ محمد بوعبدلي، وفي القصرين مع الأستاذ المحامي علي الغرسلي ثم بدأ يكبر عدد حملة الدعوى خصوصا وقد سهل دخولي إلى كلية الشريعة في تونس بمعية العربي بنيس -أين أضفت إجازتها وشهادة ختم الدروس الحلقة الثالثة-الطريق للالتقاء ومناقشة أساتذتي عبد المجيد النجار وعبد الله لوصيف وبولبابة حسن ومحمد عبد اللطيف والشيخ محمد الأخوة رحمهما الله اللذان انضما إلى حزب التحرير وتلقيا الحلقات الدراسية.

مفتي السعودية كفر بورقيبة وطالب بقطع جميع علاقات البلدان الإسلامية مع تونس

*-يظهر أن البداية كانت سهلة ومفتوحة المجال، فكيف تطور عمل الحزب فيما بعد، ثم كيف كان اتصالك به طوال هذه الفترة ؟

لقد كانت اتصالاتي بالقيادة تتم بطريق الرسائل، وكانت نشرات الحزب تصلني أولا بأول بأسلوب لصقها في المجلات العالمية التي كنت مشتركا فيها بالشكل الذي يظن بأنها إحدى ورقاتها .

أما بالنسبة لحمل الدعوة، ففي سبعينات القرن الماضي لم يكن العمل الإسلامي متشكلا في تونس، كانت هناك الجماعة الإسلامية التي كان عملها اقرب للتصوف من العمل السياسي، ولذلك لم يكن النظام البورقيبي آنذاك يعبأ بأي تحركات فردية تدعو للإسلام كعقيدة ونظام خصوصا بعد أن تخلص من جامع الزيتونة والزيتونيين باختلاقه لأزمة ضرورة إفطار شهر رمضان التي دعا إليها، ثم وصفه للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بوضع الخرافات التي منها حسب خطابه الشهير الذي كفّره لأجله مفتي السعودية محمد بن باز بأن الرسول بوصفه كان راعيا للغنم فإنه كان يؤمن بالخرافات ومن هنا وضع في القرآن العديد من الخرافات التي تضحك فليمنغ ونيوتن كعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان..

وعلى هذا كان التركيز الأمني آنذاك يكاد يكون منعدما تجاه حملة الدعوى فالبلاد كانت تعيش على وقع خطاباته والشباب منبهر بالأفكار الاشتراكية والقومية العربية وبقية الشعب مندهش في تعري النساء والموضة والمسرح والفنون.

*-أي نفهم بأن الطريق كان سالكا؟

في الحقيقة لم يكن بهذه السهولة، بل كان هناك عمل جبار قام به حملة الدعوى وخصوصا الحلقة الأولى، من ذلك عودة الدكتور كمال بولحية من ألمانيا، وتحول محمد الجربي إلى ألمانيا كذلك لإكمال دراساته والذي بمجرد عودته وقع التشكيل الرسمي لأول لجنة محلية، الدور الفعال في إحداث النقلة النوعية في عمل الحزب في تونس.

ولقد تمكن محمد الجربي إثر عودته من ضم العديد من العسكريين إلى صفوف الحزب حتى أصبحت تقريبا القاعدة الجوية “الخروبة” التي كانت فيها الملازم الأول محمد البوعزيزي (عم محمد البوعزيزي الذي أشعل ثورة 17 ديسمبر 14جانفي) والذي انتمى للحزب باليونان لما كان يدرس بكلية الطيران فيها، والملازم أول الطاهر العيادي ووجود النقيب صالح الشريف وإمام مسجدها العريف أول البشير بابا بالقاعدة الجوية سيدي أحمد ببنزرت ثكنات لمناصري حزب التحرير وشبابه.

وللتاريخ لما تحركت المخابرات العسكرية وفرقة أمن الدولة، وقع القبض على قرابة الستمائة عسكري في البداية، ثم انحصرت محاكمة سنة 1983 في تسعة وعشرون عنصرا فقط، منهم تسعة عشر عسكري.

كمال بولحية قال للقاضي: “لو وجدتك أمامي لحملت الدعوة إليك“.

*-نأتي الآن إلى المحاكمة الأولى في تونس لشباب الحزب في المحكمة العسكرية في 25 أوت 1983؟

كانت التهم الموجهة إلينا خطيرة للغاية تصل إلى الإعدام وذلك بسبب انتماء عدد كبير من العسكريين، ولكن ولما اتضح بان الحزب لا يفرق في حمل دعوته بين العسكريين والأمنيين والمدنيين بما أن الجميع مسلمين ومتعين في رقابهم العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وربما لتدخل جهات غربية في المحاكمة حتى لا يعطى للحزب رأي عام أكبر في البلاد، تراوحت الأحكام بين السنتين وثمانية سنوات سجن .

*-ما الذي علق في ذاكرتك حول من هذه المحاكمة ؟

في الحقيقة كانت كلها ذكريات جميلة لفتية آمنوا بربهم وبهذه الدعوة العظيمة، غير أن أفضل ذكرى لي فيها هو أنني كنت حزينا للغاية في غرفة الإيقاف بالمحكمة على مصير الشباب الذين كانوا ينتظرون أحكاما قاسية لظني بأني قد جنيت عليهم وعلى مستقبلهم خصوصا وأنهم مهددون بالإعدام، ولكنهم قاموا جميعا وقبلوني من رأسي وأكدوا بأنهم سعداء بهذا الشرف الذي نالهم في سبيل الله، فتحول حزني آنذاك إلى دموع الفرحة والغبطة والسكينة.. ولقد أبدعوا جميعهم خلال استنطاق القاضي لهم سواء باعتزازهم بالانتماء إلى هذا الحزب والانخراط في دعوته، أو بالردود الحاسمة على بعض الأسئلة، من ذلك أن الدكتور المهندس كمال بولحية أجاب القاضي حول تركيز الدعوة على العسكريين بقوله: بأن كل مسلم مهما كانت وظيفته في الأمن أو الجيش أو القضاء يجب حمل الدعوة إليه، وبأن هيئة المحكمة لو كانت مستعدة فإنه جاهز لمناقشتها حول الأفكار والدعوة التي يحملها هذا الحزب إلى المسلمين، وقال له “لو وجدتك أمامي لحملت الدعوة إليك”. كما اذكر بأن القاضي قال لي بأن الدولة أرسلتك للتعلم فجئت بهذا الحزب، أولم يصلك العلم بان هذه الدولة قد تحررت، فأجبته بأنني قد حصلت على منحتي الدراسية من ألمانيا وليس من تونس، وبأنني اخترت الخط الذي أعتبره صحيحا وبأن دراستي في كلية الشريعة زادتني يقينا بصحة هذا الطريق الذي سيحرر المسلمين من الاستعمار.

*-وما هي أفضل ذكرى في حياتك، وهل أن فقدان ابنتك وابنك لما كنت بالسجن هما أسوء ذكرى في حياتك؟

المسلم ليست لديه ذكريات سيئة إلا في عصيان الله، أما وفاة ابنتي وأنا داخل السجن وابني بمجرد خروجي منه، فإن هذا أمر الله والخيرة فيما اختاره لي، ولا يمكن أن يكون الموت بالنسبة للمسلم أمرا سيئا لأنه أجل ولكل أجل كتاب، أما أحسن ذكرى في حياتي فهي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964.

بن علي رجل يحمل هراوة ولا يمكنه الحكم إلا بواسطتها

*-كيف كنت ترى انقلاب السابع من نوفمبر، وما هي رؤيتك لتداعيات ثورة 14 جانفي ؟

أذكر بأن طلبتي قد اتصلوا بي بعد انقلاب بن علي، وقالوا لي بأن هناك انفتاح وحيز كبير من الحرية قد تحقق، فقلت لهم هل أن بن علي رجل فكر أو عالم أو رجل سياسة حتى تتصوروا هذا الأمر، إن بن علي رجل يحمل هراوة ولا يمكنه الحكم إلا بواسطتها.

أما بالنسبة للثورة، فإن أهم ما تحقق فيها هو تعري كل الأفكار والنظريات التي كان يحكم بها العالم الإسلامي كما وقع الكشف عن الكثير من الأوراق وأهمها أنظمة الحكم واستنادها للغرب الاستعماري، أضف إلى ذلك فإن الأنظمة القائمة أثبتت عجزها عن حل مشاكل الناس، وبأنها ليست في مستوى تطلعات الشعوب الإسلامية، وبأنه هناك هجمة غربية شرسة على جميع العالم الإسلامي وعلى شمال إفريقيا بالخصوص .

هذه المعطيات التي حققتها الثورات، تقتضي وجود رجالات في مستوى المسؤولية تحمل على عاتقها همّ إنقاذ الأمة الإسلامية والنهوض بها من جديد لتفتك جدارتها في مركز الحضارة العالمية، وأعتقد أن حزب التحرير بالذات هو القادر على ذلك خصوصا أمام فقدان الوعي السياسي وبلورة الأفكار والبرنامج الواضح لدى الحركات الإسلامية الأخرى، لعدم امتلاكها فهما صحيحا للإسلام .

إما أن نكون أو لا نكون

*-بماذا تختم هذا اللقاء؟

أدعو كل شباب الحزب إلى مضاعفة الجهود حيث أن الظرف الذي تمر به الأمة الإسلامية لا يرحم والمعركة الآن هي معركة كينونة، أي نكون أو لا نكون، أي إما أن ننجح في استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تقوم على العقيدة الإسلامية فتكون قوانينها مستنبطة بطريق صحيح من الكتاب والسنة فتتبنى الأفكار والمفاهيم الإسلامية في جميع نواحي الحياة، أو نستسلم إلى أعداء الإسلام والمسلمين فنكون بذلك لا سمح الله غير مؤهلين لقيادة هذه الأمة، كما أدعو كل الشباب إلى الالتفاف حول هذا الحزب والتركيز على كل الإبداعات الأسلوبية الجديدة التي وقع تبنيها، وأتصور أن هذه الدماء الجديدة المستنيرة ستؤتي أكلها قريبا بإذن الله.

أجرى الحوار:

الأستاذ عماد الدين حدوق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
تصارعوا… فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم

لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى...

Close