"مشروع توزر الجديدة" بين أحلام المقهورين وسكاكين الفاسدين
"مشروع توزر الجديدة" بين أحلام المقهورين وسكاكين الفاسدين

“مشروع توزر الجديدة” بين أحلام المقهورين وسكاكين الفاسدين

عاشت مدينة توزر في الفترة الأخير حراكا اجتماعيا غير مسبوق على مدار تاريخها حراك يمكن أن نصفه بالملحمة نظرا للّحمة التي ربطت كافة أطياف أهالي توزر في صراعها من أجل تحقيق مطلبها, ملحمة تمايزت فيها الصفوف بين الطّيف الواسع والكاسح لأهالي المدينة الرّاغب في التحوز بقطعة أرض صالحة للبناء من جهة وبين إدارة تسعى لتأبيد الواقع العقاري الفاسد من جهة أخرى. لقد كانت فترة من التآزر غير المسبوق عاشها الأهالي واحتد فيها الصراع بين أحلام المقهورين وسكاكين الفاسدين, ولنفهم حقيقة ما جرى لا بد أن نبدأ القصة من حيث البدء.

توزر الأم, الواقع العقاري, الأسباب والنتائج

تبدأ الحكاية من الواقع العقاري لمدينة توزر, فهي محاطة بشط الجريد وواحاتيها القديمة والجديدة من جهة, وصحراء منبسطة وممتدة على مرمى البصر حيث أرض الله الواسعة من جهة أخرى. في هذا المشهد لا يمكن لعاقل أن يتصور أن المشكلة الأساسية والمزمنة لأهالي توزر, والحلم الذي يراود كل سكانها هو الحصول على بعض الأمتار المربعة من الأرض يبني عليها السّعيد منهم منزلا يُؤوي فيه عياله وأهله, إذ كيف لهذه الصحارى الممتدة على مدّ البصر أن تضيق بأهلها ؟ إنها المعضلة التي لا يمكن أن تنشأ إلا عن عجز منظومة إدارة الأراضي وفشلها في إيجاد الحلول لمشاكل الناس من ناحية وفساد مديري تلك المنظومة الذين تعاقبوا على إدارة الشأن العقاري البلدي, وهو ما جعل من كل من تداول على المسألة العقارية بتوزر إما فاسدا أو شريكا في الفساد أو شيطانا أخرصا يرى الفساد والظلم ولا ينبس ببنت شفة.

لقد أصبح أهل مدينة توزر ينعتون المسكن والبيت بــ ” قبر الحياة ” ليس من باب الزهد في الدنيا ومتاعها بقدر ما هو تعبير على القناعة بأمتار معدودة لبناء ما تيسر من غرف يحفظ فيها الواحد عرضه وأولاده, فمدينة توزر وخلف تلك الواجهات المزركشة بالآجر المحلي الذي يسحر بجماله كل زائر خلف تلك الجدران والواجهات يتكدس الناس فوق بعضهم بعضا فالمنزل الواحد يمكن أن يضم الثلاث والأربع عائلات لكل منها جناحه الخاص المتكون من غرفة نوم وغرفة جلوس أما المطبخ وبيت الحمام فمشتركان لأكثر من عشرة أفراد, والمحظوظ في هذه المدينة ذلك الذي كانت له القدرة على كراء منزل بأسعار تفوق أسعار المدن الكبرى أحيانا.

ذاك بعض من الوجه المخفي لمدينة توزر حيث منازلها تكتظ بساكنيها لتصبح أشبه بعلبة السردين, ولك أن تتخيل المشاكل الإجتماعية التي تتولد عن مثل هذه المعيشة الضنكا, فالخصومات بين الإخوة والعداوات بين الجيران تشهد عليها محاكم المدينة وتروي ما لا يخطر ببال عاقل من الحكايا والقصص, فكم من أسر دمرت وكم من عائلات شتتت.. هذا بإيجاز جزء من الواقع المر والمخفي وراء دعابات أهل توزر وفذلكاتهم التي إشتهروا بها.

أما أسباب المأساة العقارية التي يكتوي بنارها أهلنا فتتجلى لكل ذي عقل بمجرد معرفة نسب تملك الأراضي لولاية توزر إجمالا, حيث على خلاف كل الولايات تمتلك الدولة ما نسبته 97% من الأراضي ونسبة الـ 3 % المتبقية تقبع عليها معتمديات الولاية الست بواحاتها وبناءاتها وكل عقاراتها الإقتصادية والسياحية, وهنا مربط الفرس والخلل الحقيقي الذي يتمثل في القوانين المنظمة للتفويت العقاري لأملاك الدولة لصالح المتساكنين, أي أن الخلل يكمن في النظام العقاري والقوانين المنظمة له الذي تبنته الدولة وتعمل به في كافة أنحاء البلاد هذا من جهة ومن جهة أخرى لا يمكن أن نغفل مسؤولية الإداريين الذين تعاقبوا على إدارة المدينة من طواقم بلدية وطواقم الولاية وطواقم المعتمدية والعمادات من عهد بورقيبة حتى كتابة هذا المقال, فإن منهم الفاسد أو الشريك في الفساد أو الشيطان الأخرص الذي يرى الفساد والظلم ولا ينبس ببنت شفة, هذا مع حفظ مقامات الشرفاء منهم الذين لم يتورطوا في هضم حقوق البسطاء من أهل توزر.

أمام ما تقدم حول الوضع العقاري يأتي سؤال مفروض بإلحاح:

من المستفيد من هذه الوضعية العقارية ؟

عندما نعرف الجانب الآخر من نتائج هذه المهزلة العقارية سوف يتعرى أمامنا المستفيد الحقيقي الذي يتحكم في أوراق هذه اللعبة, فالنتيجة الأولى لهذا التردي تكلمنا عنها في بداية هذا المقال وتتمثل في:

1 ) معاناة متساكني المدينة من الإكتضاض داخل المنزل الواحد وما يترتب عنه من مشاكل نفسية وإجتماعية.

2 ) أما النتيجة الثانية فتتمثل في غلاء سعر العقارات بالمدينة سواء عقارات البناء أو عقارات الفلاحة, إذ وصلت أسعار “تقسيم الشمس” مثلا والذي يقع في أطراف توزر أين الأفاعي والعقارب ودون أي تهيئة بلدية, فلا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي فقد وصلت أسعار 300 مترا مربعا إلى 70 و 80 ألف دينار, في حين وصل الهكتار من الأرض البيضاء “حوز فلاحي” في صحراء منطقة مراح لحوار إلى 30 ألف دينار وهو ما جعل ملكية عقار بناء أو عقار فلاحي بتوزر تشترط الغنى, أما الفقراء فلا بواكي لهم ولا نصيب في التملك في حين أن نسبة العاطلين عن العمل في ولاية توزر تفوق 15%  فتكونت بذلك طبقة غنية تمتلك العقارات للسكنى والكراء والإستثمار الفلاحي, وطبقة أخرى قدرها إما أن تسكن في منزل العائلة أو أن تعيش بقية حياتها في منزل كراء.

3 ) أما النتيجة الثالثة وهي الأخطر فتتمثل في ظهور بارونات إحتكار الأراضي بصنفيها السكني والفلاحي للتجارة فيها وامتصاص دماء المفقرين وهذه الطبقة تحصلت على الأراضي إما عن طريق الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والمحسوبية حيث تباع أرض البلدية الواحدة لشخصين أو ثلاث كما تتغير الصبغة العقارية للمناطق الخضراء وتقتسم بعيدا عن شروط إسناد الأراضي أحيانا بأسعار رمزية بالمليم الرمزي, أما الأراضي الفلاحية فإن هؤلاء البارونات تحوزوا من الصحراء مئات الهكتارات واحتكروا التصرف فيها لبيعها.

أمام سطوة وسيطرة هته البارونات الفاسدة لن تجد بابا مفتوحا في أي إدارة من إدارات الجهة يحل هذه المشكلة المزمنة بل بالعكس سوف توضع العيون في كل إدارة لتضع العصا في عجلة كل تغيير لهذا الوضع العقاري البائس لأن مصالح المتنفذين بالمليارات والمنظومة الرأسمالية لا ترحم عندما يتعلق الأمر برأس المال, هنا لا بد من حل وإلا فإن الإنفجار والصدام آت لاما حالة.

توزر الجديدة “الفكرة والفلسفة والحلم والإنجاز”

بعد عشر سنوات من الثورة التي أحيت في الناس الرغبة في التغيير والخروج عن النمط السائد ومحاربة الفاسدين سوف لن يشذ شباب مدينة توزر عن القاعدة بل سيعمل بكل الأساليب السلمية الممكنة لإسترجاع حقه المسلوب خاصة بعد اصطدامه بلوبيات الفساد والمال في الإدارة وذلك بعد جملة من التحركات من أجل الحصول على مقسم للبناء فكانت المماطلة ديدن المسؤولين والتسويف أسلوبهم ووصلوا أحيانا حد الإستفزاز والتهديد

أمام هذا الأفق المسدود طرح فتية من شباب توزر على أنفسهم جملة من الأسئلة:

 كيف يمكن أن نغير هذا الواقع العقاري المزري ؟

لما لا نترك لهم مدينة توزر الأم ولن نقول توزر القديمة فهي أمنا التي ولدنا فيها وتربينا فيها؟

لما لا نترك لهم المدينة بكل مصالحهم ومفاسدهم وعقاراتهم التي امتلكوها بحلاله وحرامه, نتركها لهم دون أن نفر منها كما فعل غيرنا من شباب المناطق الأخرى حيث يئس من تغيير الواقع عندما اصطدم بفشل النظام في معالجة مشاكله وتغول الفساد الذي ابتلع كل أحلامه فرمى بنفسه لأسماك القرش وارتمى في أحضان المجهول عله يجد خلاصه وأحلامه المفقودة في دول الغرب.

واستنادا على معادلة لا للفرار نعم للتعمير وُلدَت لدى شباب المدينة “فكرة وفلسفة إحداث توزر الجديدة”, فلما لا نتوجه إلى صحراء الله الواسعة ونتحوّز فيها ما نبني ونعمر عليه, توزر الجديدة بعقلية جديدة وعلاقات جديدة ونظام عقاري جديد. فصار لا بد من تأسيس “تنسيقية إحداث توزر الجديدة” بمنطق الرغبة الثورية في التغيير السلمي وإنجاز الحلم المتمثل في إسناد مقسم بناء مهيأ لكل متساكن من متساكني مدينة توزر ولتبني وتؤسس توزر الجديدة, ولو على أرض صحراوية تسكنها الأفاعي والعقارب, فمدينة القيروان أسست على أرض كانت تسكنها الوحوش فأصبحت بعون الله ثم بإرادة أهلها وعزيمتهم منارة العالم ومركز فتح الأندلس.

ولما لا تكون توزر الجديدة مثل أمها توزر الأم مصنعا ينجب الرجال الرجال مثل ابن شباط والشقراطسي وأبو الفضل النحوي والشابي وغيرهم من أعلام كثير.

وبدأ التحرك نحو الإنجاز فتحوز شباب المدينة لـ 150 هكتارا في الصحراء على مشارف توزر الأم وبدأت تنسيقية توزر الجدية في قبول المطالب وانجاز التهيئة الترابية والمثال العقاري والتوبوغرافي لتوزر الجديدة, وتضمن القسط الأول من المشروع حوالي 700 مقسما وزعت على مستحقيها, ومن الغد مباشرة عمل منطق السوق ونزلت أسعار الأراضي في توزر الأم فأرض الـ 60 ألف دينار سابقا أصبحت تسعر بـ 30 ألف دينار ومتى ضربت مصالح أصحاب رأس المال ولوبيات الاحتكار للأراضي انتظر حربا ضروسا فاستصدروا قرارا بإزالة حلم توزر الجديدة من طرف بلدية توزر أقره والي الجهة وحوله للأمن لتنفيذه بتعلة المحافظة على أملاك الدولة, فاستبسل الأهالي في الدفاع عن حلمهم وقاموا بوقفة سلمية أمام ولاية توزر وعبروا عن تمسكهم بحلمهم واستعدادهم للتسوية العقارية مع أي جهة تمثل الدولة وخلاص ثمن الأرض بالأسعار التي فوتت بها الدولة لجملة من الأفراد الذين تحوزوا عشرات الهكتارات فكان رد السلطة إستدعاء تعزيزات أمنية من خارج المدينة بعد أن رفض أمن المدينة استعمال العنف لتفريق وقفة سلمية, وبدأ الكروموجان يتساقط على المعتصمين لإبعادهم من أمام مقر الولاية ولينتقل الكر والفر بين التعزيزات والأهالي إلى أحياء المدينة, ودامت المواجهات لساعات, وفي حدود منتصف الليل تقريبا تيقنت السلطة أن الناس يأخذون الأمر بالجد الذي يستحق التضحية والتصدي فاستدعت الجيش لينقذها من المأزق ولتصبح توزر الجديدة في لحظتها واقعا ينتظر المصادقة الرسمية وتحركت الحكومة بسرعة وعقدت اجتماعا وزاريا خاصا لحلحلة المعضلة العقارية وأسندت فيه خمس شهادات شكر لممثلي “تنسيقية توزر الجديدة” اعترفوا فيه بريادة المشروع وحق التنسيقية في السهر على إكمال إدارة وتهيئة المائة والخمسين هكتارا التي تحوزتها لبناء توزر الجديدة, وبعد العودة من القصبة جربت قوى الفساد والإحتكار فرصتها الأخيرة لسحب البساط من تحت التنسيقية بإدعائها أن حق الإشراف على المشروع منوط بالبلدية, بإعتبار أن مجلسها منتخب ويمثل الشرعية, فاعتصم الأهالي بقيادة التنسيقية في مقر البلدية مطالبين بعودة الإشراف للتنسيقية أو حل المجلس البلدي, وبعد خمسة أيام من الإعتصام حرر المجلس البلدي محضر جلسة يقر فيه بحق الإشراف للتنسيقية وفق شروط اتفق عليها لإسناد المقاسم واعتبر أهالي توزر ذلك نصرا لأحلام المقهورين على سكاكين الفاسدين.

لو كانت لنا دولة

إن المعاناة التي يعيشها أهلنا في مختلف المناطق والمشاكل العقارية المتراكمة ما كانت لتكون لو كانت لنا دولة تحتكم لشرع ربها فيما يخص أحكام الأراضي. فالإسلام يرى أن غاية استخلاف الإنسان في الأرض هو عمارتها وليس احتكارها وتعطيل وظيفتها الأساسية, فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من أحيا أرضا ميتة فهي له”, فالأرض لمن أحياها وعمرها وإن تحوز أحد بأرض دون تعميرها وإحيائها وعطلها عن وظيفتها الأساسية تنتزع منه وتسند لمن يحقق وظيفتها. وقد أثر عن عمر رضي الله عنه أنه انتزع جزءا من أرض الصحابي بلال ابن الحارث التي قسمه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجد أنها أرض طويلة عريضة وأن جزءا منها لن يعمر بزرع آو بنخل لأن متحوزها لم يطق عمارتها كلها وكان رأي عمر رضي الله عنه أن رسول الله قسمها له لتعميرها وليأكل منها ويطعم وتذهب صدقتها إلى فقراء المسلمين, فذاك هو القصد, فان عجز عن عمارتها ذهب القصد فلا انتفع بها هو ولا انتفع بها الناس فطلب منه أن يمسك ما قوي عليه وأن يدفع للدولة ما لم يطق تقسمه بين المسلمين, وقد عاين الصحابة ذلك ولم ينكروا مما يجعل إجماعهم حاصلا في أن الأرض لمن يحييها ويعمرها لا لمن يتحوزها ويحتكرها ويعطل وظيفتها, فشتان بين منظومة ترى أنه “ما خلق الله الأرض إلا لتنبت وتعمر” وبين منظومة ترى فيها سلعة للإحتكار لتدر عليها مرابيح كرائها أو بيعها.

أ, فتحي الصغير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
محمد الفاضل شطارة: أحسن ذكرى في حياتي هي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964
محمد الفاضل شطارة: أحسن ذكرى في حياتي هي انتمائي لحزب التحرير في سنة 1964

انتقل إلى رحمة الله تعالى الأستاذ محمد الفاضل شطارة أول بذرة لحزب التحرير في بلد الزيتونة، وقد جمعني به رحمه...

Close