مُهلِكَات الإقتصاد التونسي

مُهلِكَات الإقتصاد التونسي

لا يختلف الخبراء والاقتصاديون في تونس حول الأرقام المرعبة للاقتصاد التونسي، فالكل مجمعون على الوضعية الصعبة التي يمر بها الاقتصاد، بما فيهم الحكومة التي أعلنت عن عجز في ميزانية 2020 في حدود 14 بالمئة، حيث تحتاج الدولة إلى تعبئة مالية ضرورية لا تقل عن 11 مليار دينار في شكل قروض، ما يعني أن حجم الدين العمومي في نهاية سنة 2020 سيصل إلى 100 مليار دينار تقريبا وهو رقم مرعب يعادل أكثر من 90 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. وكان مسؤول في الحكومة صرح في 16 أكتوبر 2020  لرويترز بأن احتياجات البلاد من الاقتراض في العام المقبل تقدر بنحو 19.5 مليار دينار منها 16.5 مليار دينار قروض أجنبية وهو ما لم تجرؤ أي حكومة سابقة على اقتراضه.

السؤال المحيّر!!!

إن الاختلاف بين الخبراء والمتداخلين الاقتصاديين هو في تشخيص المشكلة وأسبابها وكيفية علاجها، وهذا الاختلاف مرده الى الارتباطات السياسية المتباينة والمدارس الفكرية المختلفة. فمن رأى أن المؤسسات المالية فقدت السيولة كالخبير عزالدين سعيدان قال بضخ المليارات لإيجاد السيولة للمؤسسات بصرف النظر عن التضخم الذي قد ينجر عن ذلك، ومن رأى أن الأسواق المالية والاستثمار قد أصابها الركود والتجمد قال بتخفيض الفائدة (الربوية) على القروض لتشجيع الاقتراض، وبالتالي يتحرك السوق، ومن رأى أن المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي الذي جعل المال يتركز عند فئة الأغنياء ويحرم منه الفقراء وجعل مقدرات البلاد تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية طالب بحلول من خارج المنظومة الغربية، حلول تستند إلى عقيدة الأمة ونظامها الإقتصادي.

ما يبعث على الحيرة والتساؤل في آن واحد هو كيف لبلد مثل تونس يزخر بالثروات الطبيعية والموارد الطاقية والمعادن الكثيرة والتنوع المناخي والأراضي الخصبة والساحل الممتد والموقع الاستراتيجي والطاقة البشرية المتعلمة أن يعيش حالة من شبه الإفلاس الغير معلن!!! 

والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ما هو السبب الحقيقي لتهالك الاقتصاد التونسي؟

القروض الربوية وبخاصة الأجنبية 

إن اكبر معضلة يعاني منها الاقتصاد التونسي ويجمع عليها الجميع هو الحجم المرعب للمديونية الذي اوجد اختلالات في الموازنات المالية وجعل الاقتصاد ينزف وحال دون التنمية، فقد كشفت دائرة المحاسبات في شهر مارس الماضي أنّ تونس ستسدّد، بداية من سنة 2021 وحتى سنة 2025، دفعات قروض بقيمة ألف مليون دولار، سنويا لتسديد 123 قرضا خارجيا حصلت عليها ما بين 2012-2016، وحسب نفس التقريرستواصل تونس سداد القروض المتحصل عليها مع موفى 2016،والمقدرة ب38 مليار دينار الى غاية سنة 2055. 

ومن المتوقع أن يرتفع حجم الدين العمومي مع موفى 2021 إلى أكثر من 112 مليار دينار مقابل 100 مليار دينار نهاية 2020، اي بزيادة قدرها 12 مليار دينار تقريبا، وذلك نتيجة تمويل عجز الميزانية عبر القروض وتأثير اسعار الصرف وارتفاع الايداعات بالخزينة العامة. وتشير تقديرات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2021، الى انه من المتوقع ان ترتفع خدمة الدين العمومي بنسبة 4ر33 % لتستقر في حدود 15776 مليون دينار مقابل 11825 مليون دينار مبرمجة في سنة 2020 اي بزيادة 3951 مليون دينار.

الخطير في الأمر هو أن معظم هذه الديون أجنبية المصدر وهي تبلغ أكثر من 70%، فأكبر سلاح تستخدمه الدول الكبرى في هذا الزمان ضد الدول الضعيفة هو سلاح المديونية، فعن طريق القروض الربوية القصيرة والطويلة الأجل يتم ربط الدول الضعيفة بعجلة الدول الغنية، فلا تملك الانفكاك عنها لأنها تستنزف ما يزيد عن ثلث دخلها في سداد القروض وخدمة القروض كما هو الحال في بلادنا، حيث صرح وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان المستقيل مهدي بن غربية زمن حكمة يوسف الضاهد للقناة الفرنسية فرانس24، في 12 جانفي 2018، أن 75% من القروض التي تحصلت عليها تونس سنة 2017 وقع صرفها لخدمة الدين الخارجي.

ووفقا لبيانات وزارة المالية التونسية، تصل قيمة خدمة الدين في موازنة العام المالي لسنة 2018 إلى 7.972 مليارات دينار، منها 5.185 مليارات دينار لسداد أصل الدين ومبلغ 2.787 مليار دينار لسداد الفوائد.  ووفقا لإحصائيات أصدرها البنك المركزي التونسي يوم الخميس 05 نوفمبر 2020 تقلصت خدمة الدين الخارجي المتراكمة بنسبة 16 بالمائة لتصل الى 9ر6 مليار دينار مع موفى أكتوبر 2020، كما أن وزير المالية علي الكعلي أكد أن خدمة الدين العمومي لسنة 2021 ستكون في حدود 16 مليار دينار. 

إنّ المديونيّة هي تمهيد للإستعمار الفاحش، فعن طريقها وصل الفرنسيون لاستعمار تونس. وكانت هذه على العموم طريقة الدول الغربية للإستعمار والسيطرة على مقدرات الشعوب. ولهذا فإن التداين من الخارج من أجل التنمية الاقتصادية، هي جريمة كبرى يراد منها فتح الطريق للأموال الأجنبية لتحل محل الجيوش والقوى العسكرية في فرض السيطرة على البلاد.

ألا يرى المسؤولون أن الوقت قد حان لفكّ ارتباطنا بهذه المؤسسات والهيئات العالميّة التي تضخّ أموالنا المنهوبة باسمها لتثبّت جذورها وتستوطن في أراضينا؟

الاستثمار الخارجي

الخنجر الثاني الذي أنهك الإقتصاد التونسي واستنزف مقدراته هو ما يسمى بالإستثمار الخارجي الذي تستخدمه الدول الكبرى لالتهام ثروات الشعوب والاستحواذ على مصادر الطاقة والمواد الخام والاسواق المالية والبنوك وأغلب القطاعات الحيوية من مصانع وغيرها.

وهو ما تسعى اليه الدول الكبرى باسم الخصخصة والعولمة، فاعتماد الخصخصة بعتبر من شروط المؤسسات المالية في إسناد القروض ومن شروط الدول الكبرى في دعم الحكام وإيصال العملاء، فالمستثمرون الأجانب ومعضمهم غربيون يربضون بساحات الدول الضعيفة التي تمر بأزمات في انتظار  فتح الأسواق وخصخصة القطاع العام ليلتهموا مقدرات الشعوب، والجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي من جملة ما اشترط على تونس في القرض المدد المقدر ب2.9 مليار دولار والذي استلمت منه تونس 1.6 مليار دولار  هو التفويت في المنشات والمؤسسات العامة للقطاع الخاص لتمويل الموازنة، وهى سياسة فرضها هذا الصندوق الاستعماري، وتعتبر من أبرز ما يتناوله برنامج الإصلاحات الكبرى الذي قدمه يوسف الشاهد قربانا لصندوق النقد الدولي، حيث وقع التفويت في 14 بنكا،  يجري العمل قدما على التفويت في مصانع الاسمنت والحديد والتبغ والمؤسسات الخدمية وغيرها، واللائحة قد تطال 104 مؤسسة حكومية، دون الحديث عما تم تسليمه فعلا من مصادر الطاقة من بترول وغاز وملح وغيره.

الإتفاق مع الإتحاد الأوروبي:

أما الخنجر الثالث الذي أنهك الاقتصاد التونسي فهو اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فالغرب الأوروبي ينظر لتونس على أنها سوقا لسلعه ومنتجاته، وقد أدت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي وقعها المخلوع بن علي مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995  إلى تدمير النسيج الصناعي التونسي وحولت 500 ألف عامل إلى معطلين عن العمل، أما توسعة اتفاق الشراكة المعروف باسم الأليكا والذي طالب رئيس الحكومة هشام المشيشي بمراجعته والاستمرار في التفاوض في خصوصه مع الاتحاد الاوروبي، فسيشمل المجال الفلاحي وسيدمر الزراعة في تونس ويقضي على صغار الفلاحين الذين يوفرون لتونس 80% من اكتفائها الذاتي.

الخاتمة

لا شك أن هناك أسباب أخرى عديدة  لتدهور الاقتصاد: بعضها يتعلّق بالتشريعات وبعضها يتعلق بالسلوكيات والممارسات الرأسمالية القائمة على الفردية والجشع، فبالإضافة لانتشار الربا وتشريعه، والخصخصة، والعولمة هناك أيضا النظام النقد الورقي غير المربوط بالذهب والفضة والفساد المستشري والبيروقراطية المقيتة وغيرها كثير ولكن الأسباب المباشرة التي أدت إلى تردي الاقتصاد التونسي الى هذه الحالة المزرية هي الأسباب الثلاثة السالفة الذكر ولا يمكن ان يتعافى الاقتصاد التونسي إلا بحلول من خارج المنظومة الغربية سبب الفساد والافساد وذلك باعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي ضمن مشروع حضاري متكامل أساسه العقيدة الإسلامية وفروعه أنظمة الإسلام في الدولة والمجتمع، وحزب التحرير سيعيد صياغة النظام الإقتصادي في دولة الخلافة القادمة على أساسها، ونظامه القادم سينعكس على كافة مناطق العالم في زمن ذابت فيه الحدود والفواصل التي كانت تقيّد تفاعلات المجتمعات والكيانات في الزمن الماضي.

والحمد لله القائل: {و من أحسن من الله حكماَ}.

د. الأسعد العجيلي، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير – تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

تصارعوا... فقد كفاكم سفير بريطانيا وحده، مؤونة إحياء ذكرى ثورة شعبكم
لازال الناس في تونس يكتوون بجحيم هذه الطبقة السياسية، حكاما ومعارضة، تعضدهم في إثمهم هذا، فئة من المثقفين وغالبية عظمى من الإعلاميين. هذه الطبقة ...
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
مقدمة نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية على مفاصل الدولة في العص...
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
أين الحكومة؟  هكذا تساءل "حمّادي الجبالي" بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية، في مشهد ينطوي على مفار...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
الأوساط السياسية وعلاقتها بالخارج: أي مفهوم للخيانة، وما حدودها؟
الأوساط السياسية وعلاقتها بالخارج: أي مفهوم للخيانة، وما حدودها؟

       بصورة دراماتيكية تناقلت وسائل إعلام محلية وعالمية ما صدر عن وزير الدفاع الوطني، إبراهيم البرتاجي، خلال جلسة استماع بمجلس نواب...

Close