نقض الفكر الغربي وبيان فساده ومخالفته لبديهات العقل وقواعد التفكير

نقض الفكر الغربي وبيان فساده ومخالفته لبديهات العقل وقواعد التفكير

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

لقد كانت عقيدة فصل الدين عن الحياة أو الدولة ردة فعل على أوضاع سائدة في الغرب تتمثل في وجود دين محرف يستخدمه سدنته لإسناد الحاكم وتبرير أعماله ومظالمه، وتسخير النصوص لفرض الطاعة المطلقة له على الناس وجعل الرضا به عقيدة مسلما بها، ثم انضم إلى هذه الأوضاع بعد احتكاك  الطلاب بالحضارة الإسلامية وعودتهم إلى الغرب مادحين لحضارة الإسلام وإجلالها للعلم والعلماء، وجعلها العقل ركيزة في الخطاب الديني، انضم  لها عنصر هجوم الكنيسة على العلم والعلماء واتهامهم بالتجديف، واعتبار العقل والتفكير عدوا للدين. ويكفي في ذلك استحضار مقولة مارتن لوثر ب”ان العقل عدو للدين، وإنه في صراع دائم مع كلمة الله الموحى بها”.

 لقد كانت الجواب على الواقع بتقرير فصل الدين عن الحياة ردة فعل تتمثل بترك أسئلة الإنسان عن وجوده دون جواب، فلا جواب على وجود خالق بل قرار بفصل العلاقة مع الخالق حال وجد، ولا جواب عن وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة يوجد فيها حساب وعقاب وبعث ونشور، بل أكتفي بنفي علاقة الدنيا بما بعدها حال وجد شيء بعدها.

وهكذا ترك الفكر الغربي الإنسان دون إجابات على حقيقة وجوده ومعناه. وافترضوا أن هذا الإنسان قادر على وضع حلول لنفسه. فجرَّ بتشريعاته وتصوراته الويل على الإنسانية، ودمر قيمها الأخلاقية والإنسانية وقبل ذلك تركها حائرة ضائعة لأن العقدة الأساسية عقد الوجود لم يتم حلها.

ومن القضايا والمعالجات التي برز فيها مناقضة العقل في الفكر الغربي، والتي سنتعرض لها في الحلقات القادمة على سبيل المثال:

– الحرية وجعلها  قيمة أساسية في الحياة يبنى عليها، وتناقض تقييدها بالقانون أو الأخلاق أو الضمير.. مع أنها في الواقع خيال وغير موجودة.

– الفردية في التصور واعتبار المجتمع مكونا من أفراد، دون أخذ العناصر الأخرى في تركيبته من العلاقات الدائمية والأفكار والأنظمة والمشاعر .

– الخلط بين العلوم والمعارف وبين الطريقة العقلية والطريقة العلمية في التفكير وإعتبار الطريقة العلمية صالحة للبحث في قضايا الإنسان والفكر والمجتمع.وفساد ما سمي زورا بالعلوم الإنسانية علوما واعتبارها عالمية.

– الاقتصاد وجعله مهيمنا على الحياة وجعله محور المعالجات في المجتمع، وخطأ تصورهم للمشكلة الاقتصادية بأنها مشكلة إنتاج لا توزيع، وبيان فساد بعد التطبيقات في الاقتصاد الرأسمالي من مثل حساب الدخل القومي.

– اضطراب التصور لمفهوم الأخلاق والعرف وجعل الأخلاق مسألة نسبية.

وفي نهاية المطاف سنعرض لتحليل المجتمع الغربي بناءً على الوقائع والإحصائيات والحقائق الموجودة.

ونبدأ بالقيمة الأساسية المعتمدة لديهم واعتبارها حجر الأساس في المجتمع ألا وهي الحرية.

لقد كان وضع قيمة الحرية وجعلها مقياسا في السلوك واعتمادها في التشريعات ردة فعل على  الظلم والتجبر من الملوك والفرسان، وتسخير الكنيسة النصوص الدينية لطاعتهم المطلقة.

ولم يكن الانطلاق منها نتيجة بحث فكري مستنير، ولا نتاج دراسة متأملة.

 وبعد أن طرحت فكرة الحرية من قبل مفكري الغرب، واعتبر الإنسان حراً أدركوا أن هذا الطرح خيالي، وانه لا يوجد إنسان على وجه الأرض، ألا وهو ملزم بالتزام القانون أو العرف في مكان وجوده، فجاءت الترقيعات لهذه الفكرة بالقول ” تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين” وصياغة عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم  يقوم على وجوب أن يتنازل الفرد عن جزء من حرياته  للدولة، بحيث تقوم الدولة بدورها بالحفاظ على حريات الجميع، وكانت الدولة  بهذا المعنى كما اعتبرها المفكرون شرا لا بد منه، ولم يكن “العقد الاجتماعي” عند جان جاك روسو وغيره إلا بحثا عن حل لتناقض فكرة الحرية واستحالتها.

 فتقييد الحرية بأي شكل من الأشكال بالعرف آو القانون أو الأخلاق أو الدين أو الضمير، إنما هو نسف لها وإقرار بعدم وجودها.

ومع وجود عدد كبير من التشريعات والنصوص القانونية، ووجود تخصصات من مثل قانون الأسرة .. قانون العمل, قانون السير, قانون الميراث, قانون العقوبات…  ووضع نصوص قانونية لكل صغيرة وكبيرة، حتى الشجرة إن أردت قصها من حديقة بيتك تحتاج إلى إذن قانوني.. مع كل ذلك من العبث الحديث عن حرية وحريات بل الواقع يقول إن الإنسان مقيد بالقانون ولا يسعه مخالفته، وما يجوز له فعله حدده القانون وما لا يجوز فعله حدده القانون.

وهناك إشكالية أخرى بنيت على مفهوم الحريات الذي جعل المجتمع مجتمعا أنانيا شهوانيا، تمارس فيه العلاقات الدنسية دون حسيب أو رقيب طالما كان ذلك منصوصا على إباحته قانونا،

هذه الإشكالية تتمثل في عدم وجود نظام لإشباع الحاجات العضوية والغرائز، بل إن الفوضى  في السلوك واضحة للعيان، فمثلا الميل الجنسي كمظهر من مظاهر غريزة النوع ترك التشريع الغربي أي الرأسمالي عملية إشباعه للإنسان بأي شكل يريد، فظهرت الفوضى في شكل العلاقة الجنسية خارج الزواج، يمارسها الرجال والنساء مع من أرادوا وكلما أرادوا، وترك لهم التنقل من عشيق إلى عشيق دون رقيب وحسيب، وترك للرجال ممارسة الشذوذ مع الرجال وللنساء مع النساء، وأجاز ممارسة الشذوذ مع الحيوانات، وكذلك  ممارسة البغاء في المجتمع في شكل منتظم  بحيث يعتبر من مجالات العمل، وعليه تضرب الضرائب ويعطى تقاعدا، وتجري عليه قوانين الضمان الاجتماعي، وغير ذلك من الموبقات والخبائث..، وهكذا عمّت الفوضى المجتمع، وتحطمت الأسرة وسادت الخيانة الزوجية، والشهوانية المنحطة..

ولا يقول عاقل إن هذا يسمى نظاما أو تنظيما للإشباع بل هو حيوانية فجرت الرغبة لتجربة كل شاذ وممارسة كل محرم…

إن مفهوم الحرية علاوة على كونه خيالا، إلا أنه قاد المجتمع إلى فوضى أخلاقية لا مثيل لها.

وهناك جانب خطير في فكرة الحرية أو الحريات ألا وهو جانب التراضي، فالتشريع الغربي يرى أن التراضي بين أطراف الفعل هو دليل على عدم وجود الإكراه، وبالتالي فهو يضفي شرعية على صحة الفعل وشرعيته مهما كان الفعل.

فالقانون مثلا لا يعاقب على التنقل من عشيق لعشيق ولو كان بمعدل مرة في اليوم، بينما يسن قانونا على الإكراه في العلاقة الزوجية أي أن إجبار الزوج لزوجته على الجماع على غير رغبتها موجب للعقوبة بل السجن.

والتراضي أو التواعد على القيام بفعل كمقياس لإثبات وجود الحرية، وبالتالي للحكم على شرعية الفعل خطورته  تكمن في أن كل قيم المجتمع معرضة للهدم طالما أن التراضي هو المقياس، ولهذا نجد بعض الدول في الغرب تبيح تعاطي المخدرات كهولندا، وبلاد تسمح بالعلاقة الجنسية بين المحارم كفرنسا واسبانيا والصين وروسيا، بل وفي اسبانيا يسمح بالزواج بين المحارم.

إذن, مفهوم الحرية فاسد, فهو علاوة على كونه خيالا إلا انه دمار على المجتمع، وجعل التراضي دليلا على وجود الحرية وعدم الإجبار هو أفسد لأنه يبيح كل شيء يمكنه فعله في الدنيا.

ولكون الحرية وقاعدتها “التراضي” تعتبر أساسا في التشريع الغربي لهذا يوجد في الغرب أحزاب سياسية تتبنى فكرة التوسع في الحريات بشكل تدريجي وهي ما تسمى الأحزاب الليبرالية. والاختلاف بينها وبين باقي الأحزاب إنما تكمن في إيقاع التسارع في مزيد من الحريات.

وفي هذا السياق, الحرية مع التراضي ووجود الليبرالية كمدرسة فكرية يمكن فهم تهاوي المجتمع الغربي في قيمه وأخلاقه، وتفكك الأسر وشيوع الأنانية والشهوانية فيه.

يتبع في جزء قادم بإذن الله

محمود رضا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

أفضل حل لعباس ولمن معه حل السلطة الفلسطينية قبل أن يحلها كيان يهود
أعلن محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يوم 19\5\2020 أن " منظمة التحرير الفلسطينية  ودولة فلسطين(!) قد أصبحت اليوم في حل من جميع الاتفاقات...
قيس سعيد, شعبوية الخطاب والمنهج
في غياب الخطاب السياسي المقنع على مستوى العالم وعجز المنظومة السياسية القائمة عن تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة المطروحة في القضايا الكبرى التي ته...
الفتوى بين التيسير والتبرير
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُ...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في الأساطير المؤسّسة للنّعرة الأمازيغيّة البربريّة

لقد عمل الاستعمار الفرنسيّ مستعينا بمدرسته التّاريخيّة على قولبة الرّصيد البشري والثقافيّ المغاربيّ في كنتونات وقيتوات متناقضة وتقسيمه إلى ثنائيّات...

Close