الـمشهد القضائي اليوم.. أزمة قضاء أم أزمة نظام!؟
الـمشهد القضائي اليوم.. أزمة قضاء أم أزمة نظام!؟

نقطة حوار حول: الـمشهد القضائي اليوم.. أزمة قضاء أم أزمة نظام!؟

التحرير – تغطيات

على ضوء ما شهده المرفق القضائي في تونس منذ حوالي ستة اسابيع من شلل تام نتيجة اضراب القضاة عن العمل في كامل محاكم البلاد والمؤسسات القضائية، في معركة لتحقيق عديد المطالب والحقوق المشروعة وفق نظرهم. وهذا ما يمثل سابقة تاريخية بالبلاد بالنظر إلى تواصل هذا الإضراب منذ أكثر من شهر قبل أن تعلن نقابة القضاة التونسيين، يوم الخميس 24 ديسمبر أنّه تمّ التوصّل إلى اتفاق مع رئاسة الحكومة حول جملة المقترحات المقدّمة.

على وقع هذا الحدث, وبالتزامن مع مرور بضعة ايام من إحياء الذكرى العاشرة للثورة, نظم الإتحاد الإسلامي الدولي للمحامين (فرع تونس) يوم الخميس 24 ديسمبر 2020 نقطة حوار أمام دار المحامي بشارع باب بنات, حول “الـمشهد القضائي اليوم.. أزمة قضاء أم أزمة نظام!؟”

وقد حضر الوقفة ثلة من الأساتذة المحامين والمهتمين بالشأن القضائي وتم التطرق إلى الأزمة القضائية في تونس في إطار الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد والتي مردها بالأساس فساد المنظومة التشريعية

حيث أشار منسق اللقاء إلى أن الثورة التي مر عليها عشر سنوات حملت معها أمل التغيير لواقع الظلم والقهر التي عرفته بلادنا  تحت حكم النظام الاستعماري الرأسمالي المجرم وقد شكلت فرصة حقيقية للتحرر من نفوذه، لكن هذا الاستعمار الخبيث تمكن من احتواء مضامين الثورة وأعاد إنتاج نفس النظام القديم بوجوه جديدة.

     وما أشبه اليوم بالأمس، فبعد عشر سنوات نقف اليوم أمام نفس المشهد حيث تراكمت الأزمات والمشاكل في جميع القطاعات وعلى جميع الأصعدة وقد عمت جميع المرافق سواء في مجال التعليم أو سوء الرعاية الصحية وانتشار البطالة واستفحال الفساد وأخيرا تعطل الجهاز القضائي بالكامل في ظل إضراب شامل شنه القضاة وكتاب المحاكم منذ أكثر من شهر. 

       وهذا المشهد باتت تنطبق عليه الآية الكريمة  “بئر معطلة وقصر مشيد”، فالبئر الذي يفترض أن يرتوي الناس من معينه بات معطلا عن إسداء الخدمات المناطة بعهدته، وفي المقابل قصور العدالة مشيدة ومرفوعة البنيان لكنها خاوية على عروشها.

     وقد أشار منسق اللقاء إلى كون هذه الأزمة ليست خاصة ببلادنا لكن مجال الحرية الذي أتيح للناس بفضل الثورة كشفت المغطى وفضحت عمق الأزمة وتساءل هل أن هذه الأزمة قطاعية فحسب بحيث تنحصر في الوضعية المادية للقضاة وموظفي المحاكم وظروف العمل  اليومي أم أن المشكل أعمق من ذلك بحيث يتعلق بأزمة النظام السياسي والمنظومة التشريعية التي لم تسقط الثورة وإنما تواصلت بصيغ جديدة.

      وقد كان هذا التساؤل محور اللقاء الذي عرف مداخلات عديدة للأساتذة المحامين وعديد الحاضرين بتلك الوقفة.

 وفي أول مداخلة أشارت الأستاذة حنان الخميري إلى أن المطالب المادية للقضاة وكتاب المحاكم مشروعة ويجب مساندتها لأن التضييق على هذا القطاع ماديا هو عمل مقصود من النظام حتى يفقدهم الاستقلالية المطلوبة ويدفع بالبعض إلى اتباع طرق غير مشروعة تمس من سمعة القضاء مؤكدة في نفس الوقت على ضرورة أن يتجاوز القضاة الدائرة المطلبية المادية والمطالبة باعتماد قوانين تستنبط طبق أحكام الشريعة الإسلامية حتى يضمن استقلاليتهم بشكل كامل.

بينما انتقد الأستاذ محمد علي بوعزيز (عدل منفذ) في مداخلته ظاهرة الإضرابات داخل قطاع القضاء مشددا على أن هذا الإضراب غير عقلاني -وفق رأيه- باعتباره قد أدى إلى ضياع حقوق الناس وتعطيل مصالحهم مذكرا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّار.”

وفي رد على تدخل أحد المحامين الذي أشار إلى كون أزمة القضاء تتطلب إصلاحا هيكليا يخص أصحاب المهنة دون التوسع في الخيارات السياسية, أجاب الأستاذ عماد الدين حدوق أن النظام الرأسمالي الذي يصادر صلاحية التشريع سيكون بطبيعته مولّد أزمات. فالتشريع الوضعي المرتبط بالمصالح وأصحاب النفوذ لا يمكن أن يحقق العدالة ولا يغطي حاجيات الناس والمتقاضين بالخصوص. لذلك فإنه في ظل هذا النظام لا يمكن أن يتحقق العدل إلا بتشريع من لدن الخبير العليم وهو الله تعالى.

وكان أيضا للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في تونس مداخلات أبدى فيها بعض أعضائه موقف الحزب من الموضوع كالآتي:

عَبَّرَ المكتب الإعلامي لحزب التحرير تونس عن موقفه من أزمة القضاء في تونس أثناء نقطة الحوار, حيث كانت للأستاذ خبيب كرباكة عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير تونس والدكتور الأسعد العجيلي رئيس المكتب المداخلتين التاليتين:

  • أزمة نظام وليست أزمة قطاع

وقد بين الأستاذ خبيب كرباكة أن أزمة القضاء ليست أزمة قطاع، بل هي أزمة نظام لأن الأزمة منتشرة في جميع مناحي الحياة، ابتداء من أزمة الحكم إلى أزمة العيش اليومي في المجتمع، فالأزمة في جوهرها أزمة نظام من خلال الفصول الكارثية المتعلقة بكافة القطاعات بما فيها القضاء، مبينا أن العدل لا يكون في النظام الوضعي وإنما في الشريعة الإسلامية وهو ما طبق عمليا في تاريخ المسلمين، داعيا أهل الفكر والرأي إلى الالتفات للمشروع الذي يقدمه حزب التحرير الذي فيه من الكفاية ما يقيم دولة ذات شوكة تستند في قراراتها على سيادة الشرع وسلطان الأمة دون غيرهما.

مبينا أن هذا المشروع يتجاوز الحدود القطرية لذلك تكيد له الدول الكبرى واذنابها من الحكام في بلاد المسلمين.

  • التحرر الشامل وليس القطاعي

ثم كانت للدكتور الأسعد العجيلي مداخلة بَيَّن فيها أن تحرك القضاة ليس جديدا وإنما هو استمرار لرغبتهم في التحرر من سطوة السلطة التنفيذية التي طالما استخدمتهم لتصفية الخصوم السياسيين وتبييض الفاسدين، مذكرا باعتراف الرئيس السابق الباجي قايد السبسي أمام المجلس الأعلى للأمن القومي بعدم رضائه عن أداء القضاء لأنه لم ينخرط في هرسلة حزب التحرير وشبابه وقال السبسي حول شباب حزب التحرير آنذاك “الأمن يعتقلهم والقضاء يطلق سراحهم”.

ثم بين الدكتور أن المطلوب ليس التحرر من السلطة التنفيذية لأن المشكلة ليست قطاعية بل هي مشكلة شاملة، فالبلاد بمجموعها واقعة تحت النفوذ الأجنبي، فالغرب يتدخل في رسم السياسات ودستور التأسيسي أشرف عليه اليهودي نوح فيلدمان والإتحاد الأوروبي يتدخل حتى في مشاريع القوانين مثل قانون المساوات بين الرجل والمرأة بالإضافة إلى كون ثروات البلاد تنهبها الشركات الأجنبية، فما قيمة أن يتحرر القضاء من السلطة التنفيذية في حين أن البلاد وثرواتها ودستورها وقوانينها التي يلتزم بها القضاء وينفذها مفروضة من الخارج.

وختم الدكتور الأسعد العجيلي، بأن الهيبة واستقلال القرار لن يجدها القضاء إلا في كنف الإسلام ودولة الإسلام لأن أبرز ما تهدف إليه السياسة الداخلية للدولة الإسلامية هو استتباب الأمن ونشر وإرساء قواعد العدل بين الناس وذلك عن طريق أحكام هذا الدين العادلة في القضاء والحسبة، مبينا أن هيبة القاضي مستمدة من تطبيقهم لأحكام الشريعة الإسلامية التي لها في قلوب الناس هيبة وأن الدولة الإسلامية توفر لهم الأجواء النفسية والمادية التي تمكنهم من الحكم بالعدل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان” وأن الدولة الإسلامية تجزل لهم العطاء مبينا أن الراتب الشهري للقاضي زمن الخلافة الأموية كان يبلغ عشرة الاف درهم شهريا أي ما يعادل 66 مليون من المليمات التونسية، أما في الخلافة العباسية فقد كان يتراوح بين 150 و270 دينار ذهبي أي ما يعادل 95 و170 مليون من المليمات وهو ما يتجاوز الراتب الشهري للقاضي السويسري والقاضي الأمريكي في زمننا الحاضر.

ودعا الدكتور في مداخلته السادة القضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين والسياسيين وأهل الفكر والرأي إلى الالتفات للمشروع الحضاري الذي يقدمه حزب التحرير لأن فيه خلاصهم وخلاص أمتهم.

وفي ختام الوقفة أشار منسقها إلى أن المشاكل المادية التي يجابهها يوميا القضاة وكتاب المحاكم هي مشاكل حقيقية تستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجتها لكن القضاة الذي يشكلون مع المحامين نخبة المجتمع فإن موقعهم يفرض عليهم تجاوز دائرة المطلبية النقابية وتوجيه الجهود نحو معالجة أصل الأزمة وأصل الفساد وهو النظام الرأسمالي الاستعماري الذي يتحكم في البلاد وفي منظومة التشريع.

وان الهيبة الحقيقية والاستقلال الفعلي للقضاء لن يتحقق في ظل الحكم الحالي منزوع السلطان والخاضع لقرارات الغرب ودوائره الاستعمارية التي وضعت وجهة نظرها للعدل داخل بلاد المسلمين وفق ما تراه بعيدا عما قضى به الله الحاكم العدل.

فالعدالة الحقيقية والاستقلال الحقيقي للقضاة لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل منظومة عادلة وهي منظومة التشريع الإسلامي ونظام الإسلام. وأي حلول سوى هذا ستشكل مجرد ترقيع وقتي للوضع الراهن ونبقى في دائرة الحلقات المفرغة التي ندور فيها دون مخرج جدي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
تجنيد الإعلام لمعاضدة الحكومة نحو خوصصة كل القطاعات واستكمال مسار بيع البلاد

بالاشتراك مع المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بثت القناة الوطنية الأولى يوم الخميس 24 ديسمبر مع عدد من القنوات التلفزية والإذاعات...

Close